المطروح تجميد 15 في المئة من الرواتب 3 سنوات لا خفضها لتقليص العجز

لبنان: دول مانحة انزعجت من تأجيل "الهيئات الناظمة" وترقب دولي للتصحيح المالي والمقاربة تقنية لا سياسية

جلسة سابقة لمجلس الوزراء برئاسة الحريري (الوكالة الوطنية للاعلام)
بيروت - وليد شقير |

تقول مصادر معنية بمناقشة التخفيضات المطلوبة للإنفاق في الموازنة اللبنانية للعام 2019 ، من أجل تقليص العجز فيها، إن السجال على أبواب هذه التخفيضات "يتم على أمر مجهول حتى الآن". فلا وزير المال علي حسن خليل ولا أي جهة مسؤولة او حكومية في الدولة أفصحت عن طبيعتها والمجالات التي ستشملها، من أجل مناقشتها في شكل واقعي.


وتعتبر هذه المصادر أن ما يجري تداوله في وسائل الإعلام عما يتم بحثه من اقتراحات قد يبدو منطقيا ويلامس بعض الأبواب التي يفترض بأي كان التطرق إليها من أجل خفض العجز، لكن الواقع أن أيا من الأرقام الحقيقية لم يتم الأخذ بها حتى الآن وبالتالي فإن السجال الدائر ليس مطابقا لما يجري بحثه في العمق.

وتضيف المصادر نفسها ل"الحياة" أن ما عرضه الوزير خليل في خلال اجتماع الوزراء ممثلي الفرقاء السياسيين الأحد الماضي في 14 الجاري في منزل رئيس الحكومة والذي مثل فيه "حزب الله" معاون الأمين العام للحزب الحاج حسين الخليل، لم تتسرب عنه حقيقة هذه الاقتراحات. وأوضحت المصادر أن الوزير خليل لم يترك بابا من أبواب الموازنة إلا واقترح إدخال خفض الإنفاق فيه، وانتهى إلى إبلاغ الفرقاء السياسيين الحاضرين في الاجتماع أن ما اقترحه من تخفيضات، بما فيه تقليص العجز الذي سينجم عن تنفيذ خطة تأهيل قطاع الكهرباء، يؤدي إلى أرقام معينة، من دون أن يتطرق إلى خفض الرواتب في القطاع العام، تاركا للمجتمعين طرح ما لديهم بالتشاور معه ومع الحريري في شأن تقليص العجز أكثر عبر في تقليص كلفة رواتب موظفي القطاع العام. أي أن خليل وضع "جمرة" المس برواتب الموظفين عند القوى السياسية.

خليل والبحث بلا محرمات

إلا أن المصادر المعنية ببحث تفاصيل التخفيضات قالت ل"الحياة" أن هذا لا يمنع القول إن الوزير خليل كان جريئا في طرح بعض أبواب الخفض في الرواتب في المقابلة التلفزيونية على محطة "إم تي في" ليل الخميس الماضي، حين تطرق إلى مسألتين جوهريتين:

- الأولى حين أعطى أمثلة عن الرواتب المضخمة للعديد من موظفي الرواتب العليا في الإدارة، وفي المؤسسات العامة التابعة للدولة، لتصل إلى عشرات ملايين الليرات اللبنانية شهريا، فتفوق راتب رئيس الجمهورية، نتيجة التقديمات التي ينالونها بسبب اشتراكهم في لجان أو بسبب تكليفهم بمهمات موقتة، أو بسفر...إلخ. وإمكان خفض ما يتقاضاه هؤلاء مطروحة في كل المناقشات والمداخلات الإعلامية الحاصلة.

- الثانية حين أثار الكلفة التي يرتبها التدبير الرقم 3 في القوات المسلحة (حالة الاستنفار في الخدمة العسكرية) الذي يطبق على جميع العسكريين، والذي يرفع الرواتب ويضاعف التعويضات لهم، حتى لأولئك الذين لا يكونون في الخدمة على الحدود أو في ظروف أمنية دقيقة.

وأشارت المصادر ل"الحياة" إلى أنه لم يعد هناك من محرمات في بحث أبواب خفض الإنفاق، وهذا يفتح المجال لمناقشة الأفكار كافة، على رغم معارضة فرقاء كثر المس برواتب الموظفين. كما أن المصادر ذاتها ترى أن ما أثاره وزير الخارجية جبران باسيل في شأن الرواتب ليس بعيدا عن الجرأة التي تحلى بها الوزير خليل، على رغم أنه استعجل الأمر وسعى إلى أن ينسب لنفسه أفكارا يرمي من ورائها احتكار التوجهات الإصلاحية التي طرحها الآخرون.

بليونان مقابل بليونين

وأكدت المصادر ل"الحياة" أنه في كل الأحوال هناك لغط في مقاربة مسألة خفض العجز وبالتالي الإنفاق في الموازنة في السجالات التي تأخذ طابعا شعبويا يُخضع أمرا مهما للمزايدة والديماغوجية. وتلفت في هذا المجال إلى مسألتين في مقاربة الأزمة:

1- أن الوضع الصعب الذي بلغه الوضع المالي في لبنان بات يطرح ضرورة تقليص الإنفاق بمقدار بليوني دولار أميركي، مقابل إنفاق استثماري بالقيمة نفسها، من أجل تحريك الاقتصاد عبر المشاريع التي طرح تمويلها في مؤتمر "سيدر". فالدولة اللبنانية تنفق أكثر مما تجني من أموال منذ سنوات، ما أدى إلى الحالة الراهنة المرَضية. وهذه المعادلة قد تساوي خفض العجز بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المئة عما هو في نهاية عام 2018 . ويعيد الوضع المالي إلى ما سبق للحكومة أن تعهدت به أمام مؤتمر "سيدر" العام الماضي والقاضي بخفض هذا العجز نقطة واحدة كل سنة على مدى السنوات الأربعة أو الخمس المقبلة.

2- أن البحث في خفض كلفة القطاع العام من أجل خفض العجز، لا يعني خفض رواتب الموظفين بالضرورة، بل أن ما يجري بحثه هو "تجميد" جزء من الراتب، بمقدار قد يصل إلى 15 في المئة منه، للذين تفوق رواتبهم المليون ونصف المليون ليرة (ما يعادل ألف دولار أميركي)، وذلك لمدة 3 سنوات، على أن يحصل الموظف على هذا الجزء المجمد بعد انتهاء السنوات الثلاث، حيث أن هذا التجميد اقترن مع إجراء آخر هو أن يتقاضى الموظف فائدة مالية على تجميد هذا الجزء من الراتب، كأنه ادخره في أحد المصارف. ويتوخى التجميد الموقت أن يكون تصحيح الوضع المالي، وبرنامج الاستثمارات عبر أموال "سيدر" قد أنتجا نموا في الاقتصاد يرفع واردات الخزينة مقارنة مع الإنفاق بعد 3 سنوات بحيث يمكن إعادة صرف ما جرى تجميده للموظفين المعنيين.

وتقول المصادر إياها ل"الحياة" إنه بالإضافة إلى ما طرحه الوزير خليل في اقتراحاته لخفض العجز في اجتماعه والحريري مع ممثلي القوى السياسية التي تتكون منها الحكومة، هناك سيناريوات عدة قد تطرح، (6 سيناريوات) وضعها خبراء اقتصاديون بينهم من طلب رئيس الحكومة مشورتهم، للمساعدة في هندسة تقليص العجز المالي.

وفي انتظار اجتماع الحريري مجددا بممثلي مكونات الحكومة غدا الثلثاء، حيث يعود هؤلاء بأجوبة قياداتهم على اقتراحات الوزير خليل وغيرها، فإن مصادر أخرى، سياسية، تخشى من أن يدخل البحث الجدي في الإصلاحات في بنود الموازنة بدهاليز التنافس السياسي. وتلفت المصادر السياسية "الحياة" في هذا المجال إلى أن مسألة التعاطي مع تقليص آثار الرواتب على ارتفاع العجز، باتت مشكلة حتى بين رموز الفريق الوحد. فوزير الدفاع الياس بوصعب اعترض على البحث بكلفة القوات المسلحة من دون أخذ رأيه، على رغم أن رئيس تكتله النيابي الوزير باسيل يشارك في اجتماعات فرقاء الحكومة، والنائب العميد المتقاعد شامل روكز كان له رأي مخالف لما قاله باسيل عن الرواتب بدوره.

وتفيد المصادر السياسية المتابعة عن قرب مداولات خفض العجز أن لبنان أمام مأزق في العلاقة مع المجتمع الدولي والهيئات المالية الدولية التي سبق أن نصحت السلطات اللبنانية بخفض العجز كشرط أساسي لمساعدته. وتضيف: "بعض المسؤولين يتحدث عن مهلة شهرين أو ثلاثة من أجل إثبات لبنان جديته في إصلاح ماليته العامة، لأن هذه هي المهلة التي أعطتها الهيئات المالية الدولية للبنان كي يتخذ التدابير اللازمة، وإلا لجأت إلى خفض تصنيف لبنان الائتماني مرة جديدة بعد نهاية هذه المهلة". هذا عدا عن الآثار السلبية السياسية على علاقة لبنان بالدول المانحة التي كان التزم أمامها بالإصلاح المالي. فبعض هذه الدول بدأ يبدي انزعاجا كبيرا من عدم الوفاء بالالتزامات، وآخرها تأجيل تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء واتباع سياسة الالتفاف على الوعد في هذا الشأن. ومن الدول التي أثار حفيظتها التسويف في تعيين الهيئة الناظمة للكهرباء، فرنسا، راعية "سيدر".

إلا أن المصادر المعنية بدراسة ملف خفض العجز من المسؤولين اللبنانيين، تعتبر أنه إذا لم تنجح الحكومة في التوافق على الحلول المطلوبة، فإن الحاجة الملحة لتفادي تدهور يمكن أن يؤدي إلى الانهيار، ستقود إلى التفكير بزيادة الواردات للخزينة عبر رفع سعر صفيحة البنزين بمقدار يتراوح بين 5 و10 آلاف ليرة لبنانية، كي يتم خفض العجز بزيادة الواردات، من كاهل المواطنين بدل تقليص الإنفاق.

الجذور السياسية للأزمة

وفي وقت يترقب الوسط السياسي الموقف الذي سيعلنه الأمين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصر الله اليوم من إجراءات خفض العجز، فإن أحد السياسيين البارزين يقول ل"الحياة" إنه بدل الغرق في السجال التقني حول الإجراءات المطلوبة، يفترض التفتيش عن الجذور السياسية للأزمة المالية الاقتصادية. ويعتبر السياسي البارز أن الوضع الاقتصادي تراجع على مدى السنوات الماضية نتيجة سعي تحالف "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" لإمساك بالقرار السياسي في البلد وتعطيل انتخابات الرئاسة وتأليف الحكومات، واعتماد لبنان منصة للهجوم على الدول العربية تنفيذاً للأجندة الإيرانية، ما أبعد المستثمرين وتسبب باهتراء الدولة وغياب الرقابة وسيطرة الصفقات التي سبقت وتبعت التسوية على انتخاب الرئيس عون. ويرى السياسي نفسه أنه إذا لم تتغير السياسات التي تجنح بالبلد نحو هيمنة بعض الفرقاء على توجهاته السياسية ومقدراته، هناك شكوك كبرى في إمكان نجاح البحث التقني بتحقيق الإصلاح المطلوب خصوصا أن فريق الحكم يحمل مسؤولية تراجع الاقتصاد لخصومه السياسيين، بدل تعديل سياساته السابقة التي تحمل مخاطر جر لبنان إلى مواجهات إقليمية، وعقوبات لا تنفع معها المعالجات الموقتة.