شارك بشهادةٍ في ملتقى القاهرة للإبداع الروائي

يوسف المحيميد: رواية عصر المعلومات باقة زهر ترقد فوق قبر

يوسف المحيميد. (الحياة)
القاهرة – "الحياة" |

جاءت مشاركة الروائي السعودي يوسف المحيميد في ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي (20 إلى 24 نيسان/ أبريل الجاري)، عبر شهادة تحت عنوان "السرد بين زمنين"، بدأها بقوله: "أعتقد أن لهذا العصر الرقمي، عصر المعلومات، تأثيرين على الرواية، داخلي وخارجي، فأما الداخلي، فهو ما يظهر على محتوى النص، سواء على مستوى اللغة والمفردات، أو على مستوى الوقائع والأحداث، وذلك مما يتضح على كثير من مضامين روايات الألفية، بفعل الأجهزة والتطبيقات الجديدة، وهو أمر يستوقفني كثيرا".


ومعروف أن هذه الدورة المهداة إلى الكاتب السوداني الراحل الطيب صالح تحمل عنوان "الرواية في عصر المعلومات"، ويشارك فيها أكثر من 250 روائيا وناقدا من مختلف الأقطار العربية.

وأضاف المحيميد: "مما لا شك فيه أن كتابة نص روائي في هذا العصر الرقمي العجيب، بكل ما فيه من كم معلوماتي زاخر هو أمر محير حقاً، لأن وفرة المعلومات وتنوعها يشبهان ندرتها، فكثيراً ما اتخذتُ درباً ظننتُ أنه يقودني إلى حديقة، ثم اكتشفتُ أنه يأخذني إلى مقبرة، ووجدتني أبحث في الجثث وحكايات موتها، بدلاً من البحث في الأزهار وحكاياتها السرية، منذ لحظة أول الحب وهي تنصتُ إلى رفرفةِ قلبِ عاشقةٍ استلمتها للتو، إلى إغماضها في باقة ترقد فوق قبر. هكذا أرى السير بين ألغام المعلومات في زمن منفلت بامتياز".

ويرى المحيميد أن وقوف الروائي أمام حشد كبير ومتدافع من المعلومات يشبه وقفة طفل عارٍ تحت المطر، حائراً لا يعرف هل يكمل الطريق إلى الهدف أم يحمي جسده من الماء المنسكب، أم يستمتع فحسب؟

ويقول: "حين أتخيل ما كنتُ عليه قبل عقدين فقط عند كتابة روايتي "فخاخ الرائحة"، والآن وأنا أنجز روايتي الأخيرة "سلالم وأكثر من الحياة"، أكتشف الفارق المذهل بين عصرين، عصر أبحث فيه عن كتب النيل الأزرق، والنيل الأبيض، وحياة الغابات والأحراش في سودان الثلاثينات، كي أصف لحظة اختطاف الطفل من قِبَل تجار الرقيق، وكتب الرِق في المجتمع السوداني وبين عصر أفتح فيه اليوتيوب كي أتمشى في بيفرلي هيلز، لأصف طريق بطلة الرواية، والمحال التي تمر بها، بل والتماثيل على الرصيف، والمارة والمطعم المطل والطاولة، وصحن الزيتون، وكل شيء سأراه لو كنتُ هناك فعلاً، فأي لحظة فارقة بين زمنين، وأي تحول كبير حدث في حياتنا اليومية خلال عقدين من الزمان فحسب!".

وجاء في شهادة المحيميد ما يلي: "قد يستغرب البعض لماذ أتحدث بقلق وريبة من هذا العصر المعلوماتي الجديد، بدلا من أن أمتدحه، بل أفرط في مديحه، لكنني أتفهم حالتي جيداً حين أدرك ردود فعل بروست وكافكا، تجاه آلة عصرية جديدة كالتليفون الذي اعتبره الروائيون جهاز مؤامرة، مستخدمين تأثيراً دراماتيكياً، إذ وصفه بروست بأنه أداة خارقة للطبيعة، واستخدمه كافكا في دور الكابوس والتهديد في "المحاكمة" (1925) و"القلعة" (1931) وشبَّهه بعربة ذات صوت يوحي بالتعذيب والشر".

ويستطرد قائلاً: "لست متشائماً إلى هذا الحد، لكنني أتساءل بحيرة أمام هذا النهر، بل الطوفان الجارف من المعلومات، كيف يمكن أن نتحكم به، كيف نوظفه، ونكتب أدباً رفيعاً يشتبك مع الواقع، وهذا يقود إلى سؤال آخر: هل الكشف المباشر لقسوة الواقع تدفعنا إلى كتابة أفضل، أم أسوأ؟ وبخاصة أنها قد تحرمنا من انطلاق المخيلة وحريتها. تذكرتُ في هذا الشأن شخصية "عبد الإله ناصر" في "فخاخ الرائحة" وقد شاهدتُ في مواقع التواصل الاجتماعي شاباً لقيطاً، يتحدث في مقطع فيديو عن مأساته لحظة تركه داخل كرتون عند باب جامع وحتى اكتشاف حقيقته المُرة على يد المشرف على الدار. كان يشبه شخصية "عبد الإله" في روايتي، لكن الفارق هو أنني في مطلع الألفية كنتُ أتخيل طفولته وأسمع مناغاته وأرى شغبَ.، كنتُ أرسمه من دون صورةٍ ماثلة أمامي".

واختتم المحيميد شهادته بالقول: "أما التأثير الخارجي على الأدب عموماً والرواية خصوصاً، فهو تحقيق مزيد من الانتشار لها وتجاوزها الحدود وعوائق التنقل وقدرتها على قتل الرقيب وسهولة وصولها بوسائل عدة وتحولها من شكلها الورقي المعتاد إلى شكل رقمي جديد... إن هذه المزايا المهمة منحت الرواية بعض الضوء، وبعض التضليل، الضوء للأعمال العميقة، والتضليل لأعمال قد تكون رديئة لكن مؤلفيها نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي".