ربيع أم خريف عربي جديد؟

محمد شومان |

يدور جدل ونقاش واسع عما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية عامي 2010 و2011، يتعلق بإمكان اعتباره خطوة للأمام في مسار التطور التاريخي العربي والتحول الديموقراطي تحديدا، أم يمثل رجعة للخلف أدت إلى الفوضى وانهيار مؤسسات الدولة الوطنية كما حصل في ليبيا واليمن وسورية أو تهديدها كما حدث في مصر وتونس؟ وهل ما جرى كان مؤامرة خارجية أم حراك سياسي شعبي لعبت فيه تكنولوجيا الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في الحشد والتعبئة وإسقاط رؤوس الأنظمة في تونس ومصر واليمن وليبيا؟

ويأتي الحراك الشعبي في كل من السودان والجزائر - يوصف بأنه ربيع العرب الثاني - ليدخل بقوة في دائرة الجدل والخلاف حول طبيعة ربيع العرب الأول، وتثار كثير من الأسئلة القديمة والجديدة بشأن طبيعة ما يجري في السودان والجزائر وتوقيته، وهل كان مفاجأة أم أمرا متوقعا في ضوء أزمة الاقتصاد والسياسة في البلدين، وشيخوخة النخب الحاكمة، مقابل أغلبية من الشباب في تركيبة كل من المجتمع السوداني والجزائري ( 50 في المئة من الشعب الجزائري أقل من 30 سنة) ثم ما علاقة ربيع العربي الثاني بالربيع الأول، وهل هناك دروس مستفادة أم ستتكرر الأخطاء .. يتحول الربيع الثاني إلى خريف من الفوضى كما حدث في ليبيا واليمن وسورية.

الأسئلة والإشكالات كثيرة، ربما لأن الربيع العربي الأول لم ينجح في بناء نموذج ديموقراطي وتنموي ناجح حتى الآن، فتونس التي تسير على طريق التحول الديموقراطي بنجاح نسبي تعاني من مشكلات صعبة في الاقتصاد، ومع ذلك ينظر لها في ميادين الثورة في الجزائر والسودان باعتبارها نموذجا ناجحا يمكن تقليده وتجاوز أخطائه، لكن حتى اللحظة لا تمتلك قوى الحراك الشعبي في السودان والجزائر لا الجسم ولا العقل القادر على وضع خطة تفصيلية للوصول إلى الطريق الصحيح، لكن من المؤكد أن قوى الحراك تمتلك الحلم بالحرية والرغبة في التغيير لكنهما للأسف لا يكفيان، وهنا يظهر التشابه وربما التماثل الغريب بين قوى الحراك والتغيير في كل من الربيع العربي الأول والثاني، هذا التشابه يرتبط ببنية الحراك الشعبي وتكوينه وأفكاره وأدواته في الحشد والتعبئة والعمل في ميادين الثورة، والمدهش أن هذا التشابه الكبير أيضا يفرز تحديات ومخاطر مماثلة عانت منها انتفاضات الربيع الأول، ومن المحتمل أن تعاني منها انتفاضات الربيع الثاني، وهو ما يمكن مناقشته في:

أولا: الطبيعة الشبابية الغالبة على الحراك السياسي العربي، سواء في الربيع الأول أم الثاني، والاعتماد بشكل رئيس على تكنولوجيا الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي في الحشد والتعبئة خلف شعارات عامة فضفاضة مثل الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة ومحاربة الفساد، من دون وجود برامج سياسية واضحة ومتفق عليها، تتعلق بشكل ومضمون التغيير المطلوب وطبيعته الأيديولوجية، ما أدى إلى ارتكاب شباب الثورة في الربيع الأول أخطاء كثيرة في التعامل مع قوى الثورة المضادة، ثم مع الجيش ومؤسسات الدولة، إذ تصورت قوى الثورة أنه يمكن تحقيق التغيير والديموقراطية في ضربة واحدة وفي أشهر عدة، وهو الأمر المستحيل نظريا وعمليا، وأقحمهم في صراعات سياسية وآيديولوجية لا طائل منها. وثمة مخاوف من تكرار قوى التغيير في السودان والجزائر لمثل هذا السلوك المتعجل .


ثانيا: غياب القيادة والتنظيم عن الحراك الجماهيري السلمي في الربيع الأول والثاني، فلم تظهر في ميادين الانتفاضات العربية رموز أو رمز قيادي متفق عليه من أغلب القوى والفاعليات المشتركة في هذه الانتفاضات، كما لم يتوافر تنظيم أو حزب قوي يحظى بثقة المشتركين في الانتفاضات لكي يندرجوا في صفوفه، ويعملوا معا، وبشكل مستمر، في هذا السياق لا يمكن اعتبار اللجان الثورية الشبابية في مصر أو اليمن تنظيمات بالمعنى المعروف كذلك الحال بالنسبة إلى تجمع المهنيين السودانيين، فهي أطر جبهوية تفتقر إلى التجانس الفكري والتنظيمي. وأظن أن غياب القيادة والتنظيم عن ربيع العرب الأول والثاني قد منح التنظيمات الإسلاموية (الإخوان في مصر – النهضة في تونس) ميزة نسبية مكنتهم من الفوز في الانتخابات والقفز إلى الحكم باعتبارهم قوى منظمة تستطيع الحشد المتواصل وتتوافر لديها بشكل مستمر موارد مالية وبشرية وخبرات سياسية. لذلك، هناك مخاوف مبرره من إمكان أن يتكرر هذا السيناريو في السودان والجزائر أو على الأقل تلعب القوى الإسلاموية في البلدين في قادم الأيام أدوارا مشابهة لما لعبته في مصر وتونس.

ثالثا: أثبتت الانتفاضات الشعبية في الربيع الأول والثاني أن الشارع العربي تجاوز في حركته الأحزاب القائمة، التي شاخت فكريا وسياسيا وعانت من الضعف والتهميش، لذلك دخل كثير منها في تحالفات انتهازية مع النظم السياسية الحاكمة والتي ثارت عليها الجماهير، والمفارقة أن هذه الأحزاب استمرت بعد الإطاحة برموز النظام ونجحت في عقد تفاهمات وتحالفات مع قوى الثورة المضادة من جهة، ومع الأنظمة التي أعادت تجديد نفسها من جهة ثانية، وأخشى أن يتكرر هذا النهج في كل من الجزائر والسودان، لاسيما وأن معظم الأحزاب تشعر بالخطر على مستقبلها، وبالتالي ستبحث عن دور جديد، إضافة إلى أن الأحزاب في البلدين لديها تاريخ طويل وخبرات في التفاوض والدخول في شراكات مع الجيش أو النخب الحاكمة.

رابعا: عانت انتفاضات الربيع الأول من ضعف الوعي بمخاطر قوى الثورة المضادة في الداخل والخارج، ويبدو أن هذا الضعف حاضر أيضا لدى انتفاضات الربيع الثاني، والتي لا تناقش ولا تمتلك أيضا أدوات لمواجهة قوى الثورة المضادة، التي تتحرك وما تزال قوية وحاضرة لتحمي مصالحها وتسعى جاهدة للالتفاف على الانتفاضتين في السودان والجزائر، والمؤكد أن هذه القوى ومصالحها ضاربة في جذور المجتمع وتشكل تحالفات النخب الحاكمة ورجال الأعمال والمستفيدين خلال 20 سنة هي حكم بوتفليقة في الجزائر، و30 سنة هي حكم البشير في السودان، مع ملاحظة أن حكم البشير استند إلى قوى إسلاموية منظمة سيطرت على مؤسسات الدولة، وإلى خبرات خمسة أنظمة عسكرية جاءت بعد انقلاب عسكرية، بينما استند نظام بوتفليقة إلى تراث جبهة التحرير الوطني وفزاعة العشرية السوداء والخوف من تكرارها.

في الأخير إذا كانت هذه هي أوجه التشابه بين ربيع العرب الأول والثاني وما تضمنه من مخاطر فإن هناك قدرا من التفاؤل والأمل في إمكان أن تتجنب انتفاضتا السودان والجزائر – على ما بينهما من اختلافات – أسباب تعثر وفشل انتفاضات ربيع العرب الأول، وقد ظهر ذلك حتى اليوم في أداء الانتفاضتين، من حيث استمرار الاعتصام في السودان والاستمرار في التظاهر السلمي في شوارع الجزائر للمطالبة بتغيير النظام وعدم الاكتفاء بالإطاحة برؤوس النظام في البلدين، وأذكر هنا بانصراف شباب الثورة في مصر واليمن عن الميادين بمجرد الإطاحة بمبارك وصالح، وهو الدرس الذي يبدو أن انتفاضتي السودان والجزائر قد تعلمتاه جيدا، كما يبدو أيضا أنهما تعلمتا عدم الثقة في القوى الإسلاموية، وكذلك رموز النظم القديم والخوف من ترك القيادة بعد الثورة إلى مجلس عسكري.

خلاصة القول أن الشعوب العربية تتعلم، وتراكم خبراتها، وقد ساعدت ثورة تكنولوجيا الاتصال على التواصل المستمر والحر بين الشباب العربي، لكن في الوقت نفسه يمكن القول بأن الجماهير العربية والعالم الخارجي قد تابع بفرح محسوب وبحماس محدود أخبار ما يجري في السودان والجزائر خوفا من انزلاق الأوضاع في البلدين إلى فوضى عارمة، وهو الأمر الذي نأمل ألا يحدث، وهو أمر يتحمل مسؤولية عدم وقوعه النخب الحاكمة في السودان والجزائر بالدرجة الأولى، ثم قوى التغيير بالدرجة الثانية، والتي يجب أن تدرك أن التغيير يتطلب مرحلة انتقالية طويلة، لا بد من المشاركة خلالها في السلطة والانتخابات، وعدم الاكتفاء بالحشد والتظاهر أو الاعتصام، وأعتقد أنه لا بديل أمام النخب الحاكمة وقوي التغيير من الحوار والتفاوض، انطلاقا من رغبة أصيلة لدى النخب الحاكمة في أن تغير من نفسها وتقدم تنازلات مهمة تعيد الثقة إلى الشباب وقوى التغيير، حتى يمكنهما العمل معا في مرحلة انتقالية تحقق الديموقراطية والعدالة.

* كاتب مصري.