«أكلناها»... كبوة باسم ياخور

باسم ياخور
شيرزاد اليزيدي |

مفهوم، بل ومطلوب وملح الإبداع والتجديد في أفكار البرامج التلفزيونية ونوعياتها، بغية تفادي الوقوع في دوامات التكرار وإعادة الإنتاج، وإن مواربة. لكنّ برنامج «أكلناها» على شاشة فضائية «لنا» السورية المعروض أخيراً، والذي يقدمه النجم السوري باسم ياخور، يوغل في الإسفاف والابتذال في إطار محاولته كسر قوالب برامج المنوعات والحوارات المتشابهة عبر فكرته المحورية التي تبدو جديدة وغير مطروقة، ولكن بطريقة سلبية.


تدور الفكرة حول إهانة الغذاء والطعام بما ينطويان عليه من رمزية ثقافية وصحية بل ووجودية وتقبيحهما حتى عبر تقديم أكلات تُشبه أي شيء سوى كونها أكلات صالحة للاستهلاك البشري عبر خلط الحلو بالمالح بالحامض بالمر... وهكذا عبر «تخبيصات» يُراد منها تقديم توليفات ونكهات منفرة بل ومقززة بإقرار وتوصيف البرنامج نفسه.

يقوم البرنامج على تخيير المقدم الضيف، وبالعكس، بين الإجابة عن أسئلة محرجة تستوجب تسمية الأشياء بأسمائها أو تجرع تلك الخلطات المقززة، لدرجة أن المقدم والضيوف يبدون أحياناً على وشك التقيوء، ما يخدش الذوق العام وجمالية وقدسية الغذاء، بما هو علة عيشنا وصحتنا وبما هو صناعة متكاملة إنتاجاً وإعداداً وتسويقاً، بل إن التقاليد والخبرات الغذائية المتنوعة تنوع شعوب العالم هي من أبرز ملامح ثقافة أي اجتماع بشري.

ليس في الأمر والحال هذه أي إبداع أو إمتاع، أضف إلى ذلك أن الأسئلة بحد ذاتها تنطوي على إيغال في طرح موضوعات سخيفة عادة ما تعزف على وتر المنافسات والكيديات في الوسطين الفني والإعلامي، وما يتخللها من غيرة ونميمة وتنابذ وضرب تحت الحزام وقيل وقال، من قبيل من برأيك أسوأ ممثل وقس على ذلك... إلى جانب طرح موضوعات شائكة أقرب إلى المحرمات، على رغم أن كسر حواجز الصمت والجمود ومناقشة الموضوعات الممنوعة والمحظورة من حيث المبدأ يندرج في سياق التأسيس لإعلام تفاعلي حر وشفاف، يتمتع بالجرأة والإسهام في إماطة اللثام عن أمراض المجتمع والظواهر والتقاليد المتخلفة والسلبية المسكوت عنها، ورفض الرؤى والنواميس النمطية التي تصادر الحق في الاختلاف والحرية في الخيارات وتعدد زوايا النظر. لكنّ إقحام بعض هذه القضايا ضمن الأسئلة المطروحة على الضيف، أو تلك المطروحة من قبل الضيف على المقدم، لا ينفي رثاثة الفكرة الأساسية للبرنامج وضعفها واعتمادها طريقة غرائبية تحطّ من الذائقة الطعامية السوية للمشاهد، بل و«تسد نفسه» كما يُقال بالعامية.

علاوة على أن تبادل الأدوار وتالياً الأسئلة بشرطها الجزائي في حال عدم الإجابة، والقاضي بتذوق أحد الأطباق المقرفة بين المقدم والضيف، ارتد سلباً خاصة مع شروع كل طرف في إجبار الآخر على تناول كميات أكبر من الأطباق القبيحة، ما يشيع في المحصلة أجواء سلبية ومبتذلة لا يغطي على تفاهتها التضاحك والتقهقه.

يبقى أن هذا البرنامج شكل إساءة موصوفة إلى نجم بحجم باسم ياخور، الذي، على رغم رصيده وجماهيريته، وطريقته السهلة الممتنعة في خطف الأضواء وإشاعة أجواء المرح والفرح وروح النكتة الجذابة، «أكلها» هذه المرة، فعساها تكون من باب «لـكل جواد كبوة».