عمر مسقاوي لا يزال «في صحبة مالك بن نبي»

تراث
إبراهيم البيومي غانم |

مرت 45 عاماً وأشهُر على رحيل المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي في تشرين الأول (أكتوبر) 1973، وعلى رغم كل هذه السنين، لا يزال يعيش في صحبته تلميذُه الوفي مترجمه الأول حامل وصيته الفكرية عمر كامل مسقاوي (مواليد طرابلس 1935) المحامي الوزير اللبناني السابق نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان.


كان مسقاوي تعرَّف على مالك بن نبي في خمسينات القرن الـ20 الماضي، ورحل بن نبي عن الدنيا بعد أن ترك ثروةً فكريةً هائلة، سجَّلها في عشرات المؤلفاتِ التي لم يكن للقارئ العربي أن يعرفَ أغلبها لولا أن ترجمَها من الفرنسية إلى العربية عمر مسقاوي والمرحوم الدكتور عبدالصبور شاهين، الذي عمل أستاذاً في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وثمة أستاذ آخر من المغرب هو الراحل الدكتور عبدالسلام الهراس الذي كان من كبارِ تلامذةِ مالك بن نبي، إذ أسهم بدورٍ كبير في التعريفِ بأعمالِه ونشر أفكاره. وقد تعرفتُ على أولئك الأعلام من تلامذته في فترات متباعدة: الدكتور عبدالصبور شاهين ثم الدكتور عبدالسلام الهراس، رحمهما الله، وأخيراً المحامي عمر مسقاوي، واستمعْت من كل منهم قصته من أستاذه ابن نبي. وقد ساقتني الأقدار أن أتعرف باكراً على الأستاذ مالك نفسه؛ لكن من خلال كتبه، وكنت تلميذاً في المرحلة الإعدادية، عندما اشتريتُ سنة 1976 من حول مسجد السيد البدي بمدينة طنطا نسخةً من أحد أهم مؤلفاته التي ترجمها الدكتور عبدالصبور شاهين - أيام كان معيداً بدار العلوم - بعنوان: «وجهة العالم الإسلامي- طبعة دار العروبة سنة 1959م».

عندما زرتُ مسقاوي في مكتبه بمدينة طرابلس لبنان برفقة صديقنا العلامة الدكتور عبدالحليم زيدان استقبلنا بحفاوة وهو بكامل أناقته ولياقته الذهنية، وأهداني نسخةً قشيبة من كتابه، أو ما يحب أن يسميه «شهادته» الفكرية عن مالك بن نبي، وهو يقع في مجلدين (بمجموع 1322 صفحة) بعنوان «في صحبة مالك بن نبي: مسار نحو بناء جديد» (طبعة دار الفكر- بيروت).

في هذا الكتاب/الشهادة؛ وضع مسقاوي أفكار مالك بني في سياقها التاريخي: السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، وبكلمة موجزة أقول: وضعها في سياقها الحضاري بكل أبعاده التاريخية والمعاصرة والمستقبلية؛ حتى أن قراءة نصوص مالك بن نبي نفسه باتت اليوم متعذّرة على أي قارئ، ما لم يقرأ أولاً هذا الكتاب بمجلديه، فطبقاً لما يوصي به علم اجتماع المعرفة وتاريخ الأفكار الكبيرة، لا يمكن فهم الأفكار إلا في سياقها المشار إليه، وهو ما قدمه مسقاوي بأسلوب ممتع وواضح. وقد قسّم المسيرة الفكرية والحياتية لمالك بن نبي إلى ثلاث مراحل:

الأولى: تتناول نشأته في الجزائر منذ مولده في 1323هـ/ 1905م إلى سنة 1374هـ/ 1955م، وتشمل مذكراته المنشورة وغير المنشورة التي يحتفظ مسقاوي بها وهي تتناول حياته وهو طفل، ثم وهو طالب، فكاتب، وتشمل بعض كتبه ومنها: الظاهرة القرآنية، ورواية لبيك، والعفن (قصد به: القابلية للاستعمار، وهو في نقد الذات قبل نقد الآخر: الاستعمار)، وشروط النهضة، ووجهة العالم الإسلامي (الجزء الأول)، مضافاً إليه استعراض لمضمون الجزء الثاني، وحديث في البناء الجديد، مع نشر المراسلات الخاصة من بن نبي إلى مسقاوي، ومنه إلى صديقهما المشترك الدكتور محمد فنيش من ليبيا، ثم ملخص توقيعات بن نبي في أوراقه الشخصية.

والثانية، يتناولُ فيها روايته التي صدرت تحت عنوان: «المُهاجر»، ويحلل أحواله في مرحلة إقامته بالقاهرة، وكتابه «فكرة الإفريقية الآسيوية»، وأوراقه وتأملاته في هذه المرحلة، هي عبارة عن شهادة ذاتية من سنة 1956 إلى 1963م. وتتناول هذه المرحلة أيضاً ملخصاتٍ عن إصداراته ومنها: مشكلة الثقافة، والصراع الفكري في البلاد المستعمرة، وفكرة كمنولث إسلامي، وتأملات، إضافة إلى مذكراته الخاصة به عن تلك الفترة. وفي تلك الأعمال يظهر قلقه النفسي من شعوره بهامشية دوره الفكري في نطاق الثورة الناصرية وما كانت ترفعه من شعارات، وشعوره بالقلق من احتمال انهيار الثورة الجزائرية عبر مؤتمر الصومال الذي انعقد في 20 آب (أغسطس) 1956 الموافق لـ 14 محرم 1376 هـ في مدينة بجاية الجزائرية، وما ظهر منه من افتقاد أي رؤية- بحسب بن نبي لمفهوم الثورة. وكان يرى أن مفهومها الصحيح هو الذي يتخذ من الجزائر مساراً لنهضة شاملة في العالم الإسلامي.

أما الثالثة، فهي مرحلة «العائد إلى الجزائر» من سنة 1383هـ/1963م إلى وفاته في سنة 1393هـ/ 1973م. وقد بدا بن نبي متفائلاً في تلك المرحلة، كونه عاد إلى بلده المستقلة بعد حرب تحرير طويلة وتضحيات فاقت المليون شهيد، ولكن السنوات الأخيرة من حياته أعادته إلى حالة القلق، وحتى اليأس في أن يرى الجزائر الجديدة التي فكر فيها وحلم بها ضمن مشروعه الفكري الضخم، ولكنه أبداً لم يفقد إيمانه بالله، وبأن المستقبل لحضارتنا، وبأن الحضارة الإسلامية: «هي الكلمة الأخيرة في صلاح الإنسانية». وقد تركزت مقالاته في نقد الحكم في مرحلة الاستقلال، وسعى لتأسيس مفهوم إسلامي حول القضايا المعاصرة الكبرى، واجتهد من أجل تحقيق استقرار وحدة المجتمع في الجزائر.

وفي تلك المرحلة الثالثة يقرأ مسقاوي الأوراق الخاصة لمالك قراءةً متعمّقة، منذ اتصاله بالحكومة الجزائرية في بداية الاستقلال، واجتماعه بالرئيس أحمد بن بِلَّه، وتسلمه مهام رئاسة جامعة الجزائر، والتعليم العالي، ثم محاضراته الأولى التي صدرت بكتاب «آفاق جزائرية»، ثم أوراق الخاصة التي توضح تطور كتاباته التي نشرها في مقالات «بين الرشاد والتيه»، ثم عودته إلى سورية ومحاضراته في منتدياتها الفكرية، وقد جمعها مسقاوي ونشرها بعنوان: «مجالس دمشق».

يرسم مسقاوي مسارَ حياة مالك بن نبي في أعوامه الأخيرة بعبارات مفعمة بالشجن، ويذكر أن مالكاً حضر في شباط (فبراير) 1970 مؤتمر المجلس الأعلى للبحوث الإسلامية في القاهرة، وأصبح عضواً نشيطاً فيه، وأنه وجد في هذه العضوية تعويضاً عن تهميشه في وطنه الجزائر على يد الجماعة العسكرية الحاكمة بقيادة بومدين، ويذكر أنه حضر حفل زفاف ابنة الشيخ أحمد حسن الباقوري في 11/6/1971م بعد أن قاطعه رفقاؤه في حكومات البكباشى عبدالناصر، ثم ذهب إلى باريس في تشرين الأول 1971 واتصل بزوجته الأولى الفرنسية وبقي معها أسبوعاً لمواساتها في مرضها الذي توفيت على أثره بعد عامين تقريباً، وقام بن نبي بأداء فريضة الحج في كانون الثاني (يناير) 1972، وكتب وصيةً لمسقاوي في أيار (مايو) 1971 بمتابعة أفكاره وإصداراته بعد وفاته. وسجل أيضاً وصيته «لجيل القرن الواحد والعشرين، وقد امتلأ قلبُه بنصرة الإسلام وظهوره على الدين كله؛ لأنه خلاصة كلمة الله لاستقامة الإنسانية على الأرض».

أوراق بن نبي الشخصية التي سجَّل فيها يومياته مليئة بمسائل ومواقف تاريخية وقفها أثناء عضويته في المجلس الأعلى للبحوث الإسلامية، ومن ذلك يومياته عن أول مشاركة له فيه ما بين 25/2 و5/3/1970. ينقل مسقاوي منها فيقول: إنه وصل إلى مطار القاهرة، ولم يكن في انتظاره أحد(!)، وفي المؤتمر لاحظ أن الحضور هم أنفسهم في العام السابق، وانهمرت دموعه عند سماع القرآن في افتتاح المؤتمر، الذي شارك فيه آنذاك الشيخ عبدالحليم محمود شيخ الأزهر، ووزير الأوقاف عبدالعزيز كامل. وتولى هو مع الشيخ محمد أبي زهرة صوغ قرارات المؤتمر. ويقول أيضاً: إنه قدم مداخلةً حول مفهوم الجهاد، وكان مندوب شيعي قد طلب عدم إدخاله في القرارات بحجة أن «الرأي العام الدولي غير محضَّر لذلك!».

أما المقترحات التي قدمها فكان منها: مشروع مجلس خليفي للعالم الإسلامي، وطبع مشروع توسع الصهيونية في العالم العربي، وإدخاله إلى البرامج التعليمية في العالم الإسلامي» (في صحبة مالك، ج2/1174و1175).

ما يقرب من نصف قرن بعد رحيل مالك بن نبي، وأفكاره آخذة في الازدهار والانتشار، وسائرة على قانون التطور والارتقاء، بعكس أفكار كثيرين من أصحاب الأفكار التغريبية والعلمانية، التي تختفي يوم وفاتهم، وأحياناً قبله. وعلى رغم أنه عانى التهميش أحياناً في حياته إلا أنه ظل صلباً في رؤيته الحضارية، مؤمناً أنه سيأتي يوم تجد من يقرأُها ويفهمها ويعمل في ضوئها، وقد عبر عن ذلك باقتباس نقله عن ميكافيللي، ونشره على صفحة كتابه «شروط النهضة» في طبعته الأولى بالفرنسية سنة 1949، وترجمتها هي: «على الرجل الشريف أن يعلِّم الآخرين الخير، فإذا لم يستطع تحقيقه في أزمان الطغيان والفجور والعمى في الفكر، فهناك أمل كبير في زمان آخر، سيأتي فيه من يقرأه، ويعلمه بكفاءة تتيح الازدهار والتقدم».

وأكثر ما تزدهر أفكار بن نبي اليوم تزدهر عند الشباب في مختلف أرجاء العالم الإسلامي على محور «طنجة - جاكرتا» كما كان يحب أن يصف الكيان الحضاري الإسلامي الفسيح، في مقابلة حضارية لم تعد خافية اليوم على أحد، مع ما كان يسميه أيضاً «محور واشنطن - موسكو». وتجد الشباب أيضاً يدرسون أطروحاته المركزية عن «شروط النهضة»، و«الصراع الفكري في البلاد المستعمرة»، و«البناء الجديد»... إلخ ويستلهمون مقولاته التي تفتح الأذهان مثل: معادلة: الإنسان والوقت والتراب. وتمييزه بين «الأفكار الميتة، والأفكار المميتة»، وقوله الملهم «إذا غابت الفكرة بزغ الصنم»،...إلخ.

بل إن مفكرين كباراً يستلهمون أفكاره في رؤيتهم للواقع واستشرافهم للمستقبل، ومن هؤلاء مثلاً المستشار طارق البشري، الذي يقول: «بحسب تعبيرات بن نبي، فإن لواقعنا التاريخي الحاضر جانبين: الاستعمار والقابلية للاستعمار. الاستعمار هو العدوان الآتي إلينا من الخارج، عسكرياً كان أو سياسياً أو اقتصادياً أو فكرياً؛ أي هو أثر الخارج فينا؛ ذلك الأثر الذي يجري بغير رضائنا وبغير صالحنا. والقابلية للاستعمار في هذا الوضع الذي نكون عليه، والذي يمكن من غلبة الغير لنا، هو ما نتصف به من الضعف والتردي، والجمود ووهن العزيمة، واضطراب القيم والجهل». (طارق البشري: اجتهادات فقهية، تقديم إبراهيم البيومي غانم، القاهرة دار البشير 2017م- ص84).

ما يقرب من نصف قرن على رحيل بن نبي، ولا يزال عمر مسقاوي في صحبته؛ مرابطاً للوفاء بوصيته الفكرية التي أودعها عنده حين زاره في طرابلس الشام في 1971 وسجلها في المحكمة الشرعية. وذلك بأن يرعى تراثه الفكري، وينشر كتبه بعد وفاته ما دام مسقاوي على قيد الحياة. وبعد أن أنجز كتابه «في صحبة مالك...»، عكف على كتابة مقدمة ضافية للأعمال الكاملة لمالك، وهي تضم آثاره من المؤلفات والمقالات والمذكرات، وقد أصدرتها سنة 2017م دار الفكر في خمسة مجلدات.

ويكاد النشاط الفكري لمسقاوي أن يكون «وقفاً خيرياً» من أجل الوفاء بوصية أستاذه؛ وهذا ما يتبين من مشاركاته في الندوات الفكرية وآخرها ندوة الدوحة في شباط 2019 عن «أسئلة النهضة في الذكرى السبعين لكتاب شروط النهضة»، وهذا ما يتبين أيضاً من موقعه الفكري على شبكة الإنترنت: «عمر مسقاوي. كوم»، إذ إن أغلب مواده الثقافية والعلمية تندرج ضمن هذه الصحبة الفكرية الخصبة.