ترحال القصد والقراءة الآثمة... نزهة نقدية في شعر حاتم الزهراني

غلاف ديوان حاتم الزهراني
سامي العجلان |

1- بعد فَوات القطار:

«ربّاه ! ماذا لو أنّ كلّ شيء عبارة عن سوء فهم؟..

ماذا لو أنّ الضحك في الحقيقة: بكاء؟».


سورين كيركيغارد

عبر هذه الصحيفة تحديداً: صحيفة «الحياة» صافحتُ شعر حاتم الزهراني لأول مرة، كان ذلك قبل ثلاث سنوات، من خلال قصيدته الفائقة «استعاراتٌ لفوات القطار»، وحالما انتهيتُ من قراءتها أدركتُ أني أمام حالة شعرية شديدة الاختلاف، بالغة العمق، وكان أكثر ما لفت نظري في هذه القصيدة تلك القدرة الشعرية اللافتة على اقتناص ما يمكن أن نسميه: اغتراب الدلالة، وتأرجحها بين المعنى وضده، والشعر حين يُلامس هذه الدلالات المترنِّحة بين الأضداد يبلغ الذروة في العمق والتصوير؛ إذْ يصبح المعنى - نتيجة مفارقات الواقع - أدلَّ على ضده منه على نفسه، وفي مقال نشرتُه لاحقاً بعنوان «لماذا على الشاعر أن يقرأ الرواية؟» توقفتُ عند هذه القصيدة بالتحديد، وكيف استطاع حاتم الزهراني من خلالها أن يغوص في الدلالات الأعمق لمفردة (البذاءة)؛ متجاوزاً المعاني الظاهرية للأشياء، والقالب المسرحي والتمثيلي الذي طالما سُجِنتْ فيه.

يقول حاتم في القصيدة: «البذاءةُ: أن تتخيّر ما سوف يمشي على السطرِ.. أو أن تُسرِّح شَعرَ الحقيقةِ قبل الحِوارْ.. البذاءة: ألّا تُداعبَ سيّدةً في القطارِ: لشَعركِ ليلٌ أليمٌ.. لعينيكِ صبح رخيمٌ.. وها قد تجاذبت النظراتُ خيوطَ الكلام.. وحطّ على دفتر الذكرياتِ/الدقائقِ غيمٌ وريشُ حمامْ... البذاءةُ: ألّا تقول الأذى للأذى.. أن تُربِّيَ عينيكَ أن تتغافلَ عمّا ترى من قذى.. أن تُؤوِّل ضعفكَ بالحكمة المنتقاةِ.. وأن تمحوَ الليلَ في كلمات النهارْ.. البذاءةُ: أن تتأدَّبَ جداً فتستبعدَ الكلماتِ ذواتِ اللهيبِ المدبَّبِ.. خوفَ الظلام المرتَّبِ.. خوفَ الكلام المعلّبِ.. أو قلْ: لأنّ كؤوسَ الملامِ تُصيب الأنا بالدُّوارْ.. البذاءةُ: - دعني أكونُ لطيفاً - هي الشكُّ في نُبلِ هذي القصيدةِ حتى تُبلّلَ فُستانها في دمٍ مُهْدَرٍ بالجِوارْ... لأنّ القصيدة مثلُ الجريدةِ لا ينبغي أن تُسرِّح شَعر الحقيقةِ قبل الحِوار.. وكنْ يا صديقي نبيلاً.. نبيلاً كما ينبغي للبذاءةِ وهي تصير استعارتَنا لِفَوات القِطارْ».

والقصيدة طويلة، وهي ببنائها الهندسي المركّب نموذج للكثافة الرمزية التي تسِم شعر حاتم الزهراني، وإذا أردتُ أن أقتنص تعبير الشاعر الفرنسي رينيه شار، فسأقول: إنّ الحدود الضيّقة لهذا المقال ستحُول دون أن أخصص ما يكفي من الحلم لقراءة هذه القصيدة المختلفة، والواقع أن أيَّ قراءة نقدية لتجربة حاتم الشعرية تبدو وكأنما هي تمثيل عملي لمفهوم «ترحال القصد» الذي طرحه جاك دريدا ليُشير إلى معنى: التنقّل الدائم للدلالة دون وجهة محددة، وضياع مقاصد النص في أثناء رحلته القلِقة بين المرسِل والمتلقي، فمع التفكيكية وتيار ما بعد الحداثة لم يعد الدالُّ اللغوي يشير إلى مدلول محدد، بل إلى دالّ آخر يُحيل بدوره إلى دالّ جديد في تعاقبية لا نهائية لا تؤكد شيئاً سوى التبدُّد الدائم للمعنى المرجعي، وحين يفتقد الدالّ مرجعه المحدد والواضح، سندخل في لعبة الإرجاء والإحالات المتبادلَة، حيث تمتدّ سلسلة من الدوالّ التي يُحيل بعضها إلى بعض، وبناءً على هذه المتاهة الدلالية فإنّ أيّ قراءة للنص – ومنه شعر حاتم تحديداً- هي قراءة آثمة بالضرورة، فيها من غبش التأويل واجتراحات التضليل قدْر ما فيها من جرأةٍ على تقحُّم المجهول.

ثانياً - من الياء إلى الألف:

«دموعي زرقاء.. من كثرة ما نظرتُ إلى السماء وبكيت..

دموعي صفراء.. من طولِ ما حلمتُ بالسنابل الذهبية»..

محمد الماغوط

للشاعر حاتم الزهراني ديوانان: أولهما: ديوان «الياء يائي» الذي صدر عام 2010م، وثانيهما: ديوان «أحتفل بالمثنّى في ييل» الذي صدر هذه السنة: 2019م، وعلى عكس البدايات المتوقعة بدأ حاتم الزهراني مسيرته الشعرية من نهاية الوعي، أو مما بدا له كذلك، فجاء ديوانه الأول «الياء يائي» مبشّراً منذ البدء بالنهايات، حين «يطفو زبدُ الصمت ويجري في النهاياتِ كلامي»، ومن المفارقة أن يحمل الديوان الأول للشاعر احتفاءً بالنهاية، ليس في عنوانه فحسب، بل أيضاً في رؤيته الخاصة لمعنى كونه شاعراً يحلّق «في جوّ الكلام الحرِّ حيث الياءُ يائي»، وإذا كانت البدايات الشهيّة هي قدَر الآخرين، فإن النهايات المرتقبة هي قدَره الذي يحدو عزيمته: «لكَ الفواتح لا يرسو بها قدَرٌ.. ولي الخواتمُ لا يسري لها قدَرُ»، فهو كالصوفي المجذوب الذي يسافر نحو اللامرئي البعيد حتى يدرك المرئي القريب:

هاجرتُ فوق خيول التيه فاجتمعتْ

كلُّ المتاهات من يائي إلى ألِفي

من يائه إذن؛ أي من نهاياته القصوى يتجه هذا الشاعر نحو ألِفه وبداياته في مسار عكسي لا يخلو من اعتداد الفرادة، ودهشة الاختلاف، ومن التقاطٍ ذكيٍّ لمفارقات الطريق التي لا يلحظها معظم الناس، وهو يتلقّى هذه المفارقات المنثورة في الطريق بروح العارفين المدركين بأن التواؤم الظاهري ليس سوى توافق مؤقّت بين مجموعة من المتناقضات، وفي هذا يقول:

وحين تغوصُ في التاريخ كفّي وتكسِر دُرّة الراوي العليمِ

أخبِّئُ لؤلـؤي برمـوز وهْـمي وأسعدُ بانحرافي المستقيمِ!

ثالثاً - اللعبة الخطِرة:

لكنـه غضبٌ طـالتْ أظـافـرهُ

ما أجبنَ الشعرَ إن لم يركب الغضبا

نزار قباني

تبدو الأجواء في ديواني حاتم متباينة الإيقاع، ففي الديوان الأول «الياء يائي» تبرز المعاني الثائرة ويطغى المعجم الفحولي النافر، فيستحيل الشعر «إلى شغفٍ يركُلُ هذي المدينة الخرِبة»، ويسخر من حكمة الضعفاء الخانعين؛ لأن الحكمة الحقّة هي: «حِكمة الغَلَبة»، وحين يُفلسِف هذا العنفوان الطاغي يقول:

لي خُطّة في اختراق الصوت مُعتبرةْ لا الجِنُّ تقرأ كفّيها ولا السحَرةْ

وفي يمينـي عـصــا منقـوعـةٌ بِـدمـي لكلّ هِـرٍّ تعدّى حاجزَ الهِـرَرةْ

أُنـبِّـه الـشـارع الـغــافـي بـأغنـيـةٍ مرفـوعــةِ الرأس زهرانـيّةٍ عـطِــرةْ

وُلِدتُ في وسطِ التيّار أعكِسهُ ولستُ أتقِنُ إلاّ اللعبة الخطِرةْ

خرجتُ من قُمقمِ الأوهام مشتعِلاً كمن يُسائل عن جنّاتِهِ سَقَرهْ

وهو في لعبته الخطِرة لا يملّ من البحث «عن وطنٍ لا تُضيّعه أحرفُ اللافتات»، وحين يُعييه البحث عنه: أفقاً رحباً وتجليات حضور يتوجه إليه بندائه الفحولي الثائر:

يا هذه الأرضُ: سَوطُ البرد يجلِدني وأنـتِ دافــئــةٌ جـداً فغـطّينـي

عـــروسُ بِــيـْدكِ بـخّـــرْنا معــاجـمَــنــا من أجلها فاحتواها كـلُّ عنِّينِ

وحين لا تستجيب هذه الأرض المحبوبة لندائه المدوّي، فلدى هذا العاشق الجريح ما يصنعه: «سأعصِرُ وجه الحبيبةِ.. هذا الترابُ يُخبّئُ تحت دمي النملَ يسجُدُ للسهو فوق جنوني.. وغُنجُ السراب يموءُ فيرتابُ كهلُ ظنوني.. ويُلقي على الشمس ثلجَ يقيني... سأعصِر وجهاً كأنّي به منذ شَدَّ الحلَكْ.. إزاراً عبوساً يخيط الأغاني لعُري الفلَكْ.. يقول نحيبُ الميادينِ أنّا التقينا: ملاكاً يُناغي مَلَكْ.. نغمِّسُ أيديَنا في الغيومِ.. ونُومئُ للنهرِ: من أسدلكْ؟».

هكذا يقدّم «نحيبُ الميادين» عالماً موازياً تُصنع فيه المعجزات، ويغدو المجاز في النهاية هو الوطن الحقيقي للشاعر، ولم يكن غريباً إذن أن يبني حاتم الزهراني ديوانه على قسمين متوازيين، يُعنْون أولهما بعبارة ماكرةٍ موقّعة، وهي: «أسمّي البلادَ مجازاً»، ويُعنْون قسمه الثاني بعبارة تُكمِل الوزن، أو إنْ شئتَ تُشاكسه، وهي: «أسمّي المجازَ وطنْ».

ولم يكن مفاجئاً في هذا الديوان اليائيّ الغاضب أن يتكرر استلهام الثائر الكبير: أبي الطيب المتنبي، فقد صُدِّر الديوان بأحد أبيات قصيدته البائية (المتعتِّبة)، ثم خصّه الشاعر بقصيدة كاملة ذات عنوان استدعائي دالّ: (مآخذ أحمد الجعفي على شُرّاح ديوانه)، كما خاطبه في قصيدة أخرى بندائه المكرر:

يا أحـمـد المتنبـي قـل لنـا لغـةً أخرى لنلقُط شوكاتِ التفاصيلِ

وبلغة أبي الطيب التي لا تقبل المواربة في التعبير عن الغضب الساطع يقول الشاعر: «وحين أراني الظلامُ خناجره ورأيتُ دمي في يديَّ.. لعنتُ الزمانَ الذي جعل الكلبَ ينبحُ فوق سِراج فمي.. ولعنتُ الذي قال لي: نمْ فسوف تُساقِطُ نخلتُك التمرَ من ذاتها.. ولعنتُ يدي حين لم تجمع الذهبَ السهلَ.. وافتتنتْ بالحريق الجميلْ».

وكشأن أيّ غاضب فإن التفاصيل تغدو مع الوقت مجرد أشواك يحسُن انتزاعها وتناسيها؛ ولهذا سيلحظ القارئ أن قصائد الديوان مجرّدة من تواريخ إنشائها، وهو ما يُضعف من فهم بعض الإشارات الظرفية التي تُوحي بها؛ وإنْ كان يُسهِم في إذكاء (ترحال القصد)، وإخصاب التلقي المنفتح.

ولأنه كما يقول حاتم في الديوان: «يكادُ بين الثواني يُورِقُ الأبدُ»؛ فإن اعتداد الشاعر بأبد الانتماء لا حدود له؛ حتى وإنْ كان انتماءً يشُوبه الغضب؛ لأن هذا الغضب بالذات هو أدلُّ دليلٍ على الارتباط الوثيق، ومن هنا تمتدّ مناجاة الوطن في الديوان، وتتكرر معها ثيمة (الجنوب)؛ لا من حيث هي: تموضع إقليمي ضيّق، بل من حيث هي: علامة تكوين سخيّ في جسد الكيان الأرحب الذي يُناجيه الشاعر بقوله:

أحِبّ عينيكَ حباً كلُّه تعبٌ عند الجنوبيِّ يحلو الحبُّ والتعبُ

رابعاً - دهشة الاختلاف:

«قال لي تاريخيَ الغارِسُ في الرفضِ جذورَهْ:

كلما غبتَ عن العالم أدركتَ حضورَهْ»..

أدونيس: أوراق في الريح

في الديوان الثاني لحاتم الزهراني «أحتفلُ بالمثنّى في ييل» نصادف إيقاعاً جديداً، هاهنا احتفالٌ أنيق بالمكان المختلف: أميركا التي حطّ الشاعر رِحاله فيها حيث يتلقى دراساته العليا، وعلى عكس الديوان الأول سنلحظ في هذا الديوان بمتنه وعتباته اهتماماً واضحاً بالتفاصيل الشعرية، وتخفّفاً لافتاً من النبرة الخطابية الواثقة، نعم، سنفتقد في هذا الديوان ذلك المدّ الشعري العالي والموحّد الذي وَسَم الديوان الأول، والروح القتالية السارية فيه؛ ولكننا سنكسب في المقابل بوحاً أكثر شفافية وأصدقَ تعبيراً، والتفاتاً متكرراً إلى التفاصيل المهدرة وخفقات القلب المخبّأة في بُنيّات الطريق؛ ولهذا تكثر في هذا الديوان الوقفات الاستطرادية المتأمّلة، والجمل الاعتراضية المتمهّلة، والحوارات الرشيقة، وسنلحظ أن هناك حرصاً مستجِداً على التعيين الدقيق لظروف انبعاث القصيدة: زماناً ومكاناً، وتسميات، وستتردد في متن الديوان وعتباته أسماء أماكن أميركية كثيرة؛ كمدن: واشنطن، ومكلين، ونيوهيفن، وفيلادلفيا، ونيويورك، وجامعة ييل، وكأنّ الشاعر يتشبّث عبر استحضار هذه الأسماء بذكرياته المتفلّتة فيها، بالطبع لن يتخلى حاتم بسهولة عن أثيريه المفضّلَين: المتنبي، والجنوب؛ ولكنّهما سيصبحان في هذا الديوان مجرد وترين إيقاعيين ضمن أوركسترا شعرية واسعة الأمداء.

في هذا الديوان أيضاً ستبرز نغمة هادئة جديدة: نغمة الانتماء الأَلوف للأسرة؛ بدءاً من كلمة الإهداء، وانتهاءً بآخر قصيدة في الديوان التي احتفى فيها الشاعر بزوجته، مروراً بقصيدة أخرى خصّ بها ابنه البِكر، بالإضافة إلى إشارات منثورة على امتداد الديوان توحي بهذا الحوار العائلي المتجدد.

والسؤال الآن: ما الذي حدث؟ أين تبدّد كل ذلك الغضب الذي كنا نتّقي شَرَره المتطاير في الديوان الأول؟.. في الواقع: لم يتبدد ذلك الغضب؛ ولكنه صار أكثر مكراً وأقدر على التخفّي وراء آليات تعبيرية أشدّ تعقيداً؛ كالسخرية التي نصادفها مثلاً في قصيدة (كرة قلم) حيث يخصّ المثقّفَ صاحب النظّارتين بتصويرٍ لاذع لتنظيراته الجوفاء، وكالبناء الدرامي متعدِّد الأصوات الذي يُتيح للشاعر أن يوزع فائض الطاقة الشعرية على زوايا متعددة للنظر، وهو ما نراه على الخصوص في قصائده: «واشنطن وراء الباب الأبيض»، و«استعارات لفَوات القطار»، و«ديالوج خافت الأضواء»، وكالتعبيرات الوجودية المكثّفة التي تشفّ عن تبدّل عميق في الرؤية نحو العالم، حيث: «يكفي بأن يتبادلَ البشرُ الحقيقيون أطرافَ الكلامِ، هنا على قدمينِ.. يكفي -ربما يكفي- بأن يتحدثَ الأصحابُ للأصحابِ»، وحيث يتأمل حديثَ صديقه المفارق «وهو يمدُّ الخيوطَ الرهيفة» بين الجزر المتباعدة، بعد أن: «صار اليقينُ مناسبةً للحديثِ عن الدالّ حين يُحيلُ إلى نفسهِ.. قبضتُ على جمرة القلبِ، آمنتُ بالحبّ، وجّهتُ نافورةً للسماء».

ومع هذا فإن هذه الآليات التعبيرية الثلاث لا تكفي للإجابة عن سؤال الاختلاف بين الديوانين، وحين نُعيد النظر تتبدى لنا ثلاثة عوامل إضافية أدّت بمجموعها إلى هذه النقلة، أولها: ابتعاد الشاعر عن المشهد المحلي بتفاصيله اليومية الضاغطة، وكثيراً ما يؤدي الابتعاد إلى رؤية أكثر صفاءً وأقلّ ضجيجاً، وإلى هذا المعنى يومئ أدونيس في نصه الشعري السابق، كما يؤكده د. بيرم كَرَسو حين يقول: «إنّ المعنى الروحي العميق للعزلة هو: التوحد أكثر مع العالم، فمِن خلال الابتعاد عن التفاصيل تتضح الصورة الكلية للمشهد.. كأنك تبتعد لتقترب».

وثاني هذه العوامل هو: انعطاف الرؤية الشعرية عند حاتم من المعاني الكلية الصلبة إلى المعاني التفصيلية السائلة، ومن هنا راح يحتفل بكل تفاصيل المكان المختلف، ويندهش أكثر من الهوامش المهمَلة التي لا يلتفت إليها الناس، يقول مثلاً:

أحبُّ ما يتبقى خارج الصورةْ ما تشتهي غِيبةُ الأصحاب تفسيرهْ

ما لا يُقال لجارِ الحيّ يوم غدٍ بين الـلـقـاءيـن قبـل الـشــايِ والـسيــرةْ

ما أخفق الفيلمُ في استبطاءِ شُعلتِهِ فلم يكن.. حين لم (يستدعِ) تصويره

والتفاصيل الصغيرة هي أيضاً ما يستوقفه حتى وهو يرثي، ففي قصيدته المؤثرة ذات الإيقاع التراثي الجليل، التي رثى فيها صديقه عبدالله الزهراني يقول:

أتيتُ على وقتي.. أتيتُ بمفردي وأخلفتَ – يا أوفى الرجاجيلِ- موعدي

خـرجـتَ سـريعـاً لم تـودِّع ولم تُـعِـدْ لــحـصّــالــةِ الأيـــامِ لــــؤلـــؤةَ الــغـــدِ

تُفاجئني بالموتِ أنتَ الذي ترى بأنّ ألـذّ العيـش ضدُّ التعـوُّدِ

كأنْ لم نكوِّرْ قبل يومينِ نُكتةً لنُـلقـيَهـا في الأزرقِ المــتجـمِّـدِ

كأنْ لم نؤجِّر قبل عامينِ قارباً لاِبنـةِ أفـكــارِ الحكيـمِ المشـرَّدِ

كأنْ لم نصمِّمْ قبل عمرين كوكباً وسبعَ فضاءاتٍ لتِيهِ المغرِّدِ

كما أن هذا العامل نفسه هو ما يفسر أيضاً تمدّد المساحة التي تتجول فيها المرأة داخل شعره، أو إن شئت: داخل نفسه، فعلى امتداد الديوان الجديد ستجد دائماً حواراً ظاهراً أو خفياً بين الشاعر والمرأة، وإذا كان حاتم قد أعلن في ديوانه الأول أن المجاز وطنه؛ فإن ديوانه الثاني يهمس بكل حرف منه أن المرأة هي الآن وطنه الأثير.

وثالث هذه العوامل هو: اتساع اطلاعه وتراكم قراءاته وتجاربه، وأكثر ما تتجلى فيه هذه السعة في ظاهرة التناص، وهي ظاهرة بارزة حتى في ديوانه الأول؛ ولكنّ طبيعة النصوص والإشارات الثقافية التي تتناص معها قصائد الديوان الجديد مختلفة، فهاهنا كثافة لافتة في تنوّع الإحالات المرجعية، واتساع حقولها المعرفية، هاهنا حوار مع: سُقراط، ولوسيان غولدمان، وهربرت ماركوز، ونيرودا، وأدونيس، ومحمود درويش، ومع الحداثة، والمستشرقين، والفيلولوجيا، وزمن الرواية، إضافة إلى حوار آخر - كنا قد رأينا أشباهه في ديوانه الأول- يستلهم فيه من القرآن الكريم، ومن أعلام الشعر القديم: امرئ القيس، وأبي تمام، والمتنبي، وأبي العلاء المعري.

خامساً- اختيارات:

عشيةَ أحفى الناس بي: مَن جفوتُهُ

وأهدى الطريقينِ: التي أتجنّبُ!

أبو الطيب المتنبي

ربما لن تكتمل هذه النزهة النقدية في شعر حاتم الزهراني؛ دون أن نشاكسه ببعض الاختلاف، ولن أتوقف هنا عند المواضع النادرة التي لحظتُ فيها خللاً في اللغة والإيقاع؛ لأني أظنّ أن مردّها إلى الأخطاء الطباعية؛ ولكني سأختلف معه في أمور أهمّ، ويمكن تلخيصها في ثلاث وقفات: فالوقفة الأولى هي: ضعف الإيحاء الشعري في عناوين بعض القصائد، ومنها: عنوان القصيدة الذي اصطفاه الشاعر ليكون عنوان الديوان أيضاً، وهو: «أحتفلُ بالمثنى في ييل»، فهو عنوان أقرب إلى روح الصور التذكارية التي تُلتقط لتوثيق مناسبة ما، وكان يمكن أن تُسمّى هذه القصيدة بعنوان آخر مثل: تعرُّجات الكتابة، وحتى هذا العنوان لا يستحق أن يكون عنواناً للديوان، وإذا كان لا بد من اقتناص عنوان الديوان من عناوين قصائده؛ فإن عنوان قصيدة «استعارات لفوات القطار» يبدو هو العنوان الأجدر بالديوان.

كذلك فإن القصيدة الرثائية المحلّقة التي أوردتُ بعض أبياتها قبل قليل كانت تستحق عنواناً أكثر شعرية من عنوانها: «القصيدة/الموت»، كان يمكن أن يكون عنوانها مثلاً: «ضياعٌ في الأزرق»، ومثلها القصيدة الاحتفائية التي تحمل العنوان التقليدي: «أغنية إلى يزيد».

والوقفة الثانية هي: بروز الصياغة النثرية في الديوان الجديد بقدر أكبر من الديوان الأول، كان حاتم يقول مثلاً في ديوانه السابق: «والطريفُ اليومَ أنّ ابنَ المراهقِ لم يجد عذراً لدمعتِهِ..»، فيشعر القارئ بغرابة هذه الصياغة على أجواء الديوان، أمّا في الديوان الجديد فسيصادف القارئ الكثير من مثل هذه التعبيرات، وكانت هذه المعضلة تواجه أيضاً الشاعر محمود درويش، وهي ظاهرة تكاد تكون لازمة للشعراء الذين يُكثرون من القراءة في الفكر والفلسفة وعلوم الاجتماع.

أمّا الوقفة الثالثة فتتجه إلى هذا الاكتناز بالإحالات المعرفية والاستطرادات الثقافية داخل القصائد: إلى أي حد يمكن أن يحتمل الشعر هذه المرجعية المعرفية الثقيلة دون أن يخسر رشاقته الإيحائية الجاذبة، وعفويته الشعورية المؤثرة؟ لو تخففتْ مثلاً قصيدتا: «واشنطن وراء الباب الأبيض»، و«استعارات لفوات القطار» من بعض إحالاتهما الثقافية: ألن يكون هذا في صالح الشعر؟ هل كان البُعد الفلسفي في قصيدة «رمضان: تاريخ أرضي» إضافة لها أم عليها؟

هل كان التأمل الوجودي في مطلع قصيدة «أغنية إلى يزيد»، وهي القصيدة المكتوبة – بحسب نصّ الشاعر- بعد أيام من ولادة طفله الأول: هل كان هذا التأمُّل الوجودي متوافقاً مع أجواء الغبطة بمقدم الوليد؟

يقول حاتم في هذه القصيدة: «لا ليلَ؟ لا طرقات؟ لا وقتٌ لكوبِ الهمّ في المقهى؟ ولا تعقيدُ.. لا لونَ؟ لا إيقاعَ؟ لا متنبيٌ: عيدٌ بحالِ مهنّئيهِ يعودُ؟.. لا ناقةٌ تمشي مع ابن العبدِ عالورقِ الأنيقِ فتستكينُ ثمودُ؟.. لا غيمةٌ – من ثمّ - يغسل ماؤها ما كذّبتْ عادٌ وصدّق هودُ.. لا وجه؟ لا أسماءَ؟ لا مستقبلٌ يمضي إليه الحاضرُ المفقودُ؟.. لا شيءَ في العدمِ الصريحِ يُغيث في العدمِ المقنّعِ من أباه الدودُ؟..لا شيءَ لكني أراك فيختفي رجلُ الدخانِ ويبدأ التغريدُ».

والسؤال الآن: كيف أمكن أن تحتشد كلُّ هذه اللاءات النافية للوجود على مرمى أيام من أكبر إثبات للوجود؟.. كيف تُعجن السعادة بالبؤس والكآبة؟.. وكيف يكون الميلادُ الاستثناءَ الذي يؤكد قاعدة العدم؟ ألا تذكّرك هذه اللاءات المتتابعة كزخّات الرصاص بلاءات المتنبي اليائسة:

بِمَ التعلُّلُ؟ لا أهلٌ، ولا وطنُ ولا نديمٌ، ولا كأسٌ، ولا سكنُ

أقول أخيراً: إن هذه الوقفات الناقدة ليست سوى تعويذة ختامية يعلّقها النقد على صدره حتى يثبت -عبثاً- موضوعيته الرزينة أمام النصوص المبهِرة، وقد كان نص حاتم الزهراني من الإبهار بحيث احتاج إلى ثلاث تعويذات، لا إلى تعويذة واحدة.

ناقد سعودي.