الورَّاقة والورَّاقون في الحضارة الإسلامية

خالد عزب * |

تتطور الدراسات التي تتناول تدوين المعرفة في الحضارة الإسلامية، فقد شهدت المكتبة العربية سيل من الدراسات بحيث يصعب الآن تتبعها، لكن بعض هذه الدراسات نستطيع أن نتوقف عنده كثيراً لأهميته ولكونه فارقًا، ومن هذه الدراسات كتاب صدر في أربعة مجلدات عن دارة الملك عبدالعزيز في الرياض، الكتاب معنون "الوراقة والوراقون في الحضارة الإسلامية" وهو من تأليف الدكتور علي النملة الذي له جهود محمودة في تحليل المصادر التراثية والخروج منها بالجديد.


الدكتور علي النملة ينطلق في كتابه هذا من أن الوراقين لم يأخذوا نصيبهم من الدراسة، ثم يأخذنا في رحلة نتبين فيها تطور صناعة الوراقة فيرجع أسباب ازدهار التدوين ودوافعه، ومن ثم صنعة الوراقة إلى عوامل عدة منها:

1- حفظ القرآن الكريم وتفسيره، وكان الاعتماد في البدء على الحفظ في الصدور.

2- حفظ الحديث النبوي الشريف، وكان هناك تحفُّظ في البدء في تدوينه؛ لئلا يختلط بالقرآن الكريم.

3- الحرص على حفظ التراث العربي والتراث المنقول من الحضارات المجاورة للمحيط الإسلامي.

4- التوسع في الفتوحات الإسلامية وانتشار العلماء.

5- اهتمام الخلفاء المسلمين اللاحقين بحركة التدوين وجلب الكتب.

6- انتشار المدارس وحلقات العلم ومجالسه في الحواضر الإسلامية.

7- اهتمام الخلفاء بالعلم والعلماء.

8- اهتمام الخلفاء والولاة والوجهاء والموسرين بجمع الكتب واقتنائها.

9- الاهتمام بحفظ أنساب العرب وأخبارهم وآدابهم.

10- ظهور طبقات متتالية من المؤرخين.

11- صناعة الورق وانتشار حركة الوراقة في الحضارة الإسلامية.

12- ازدهار حركة النقل والترجمة من الثقافات الأخرى.

13- تأليف الكتب ابتداءً، والأمالي خصوصًا. أما الاستملاء فهو أن يتصدر عدد من تلاميذ العالم لينقلوا بالصوت ما يمليه على بقية التلاميذ الذين يفوتهم سماع صوت العالم مباشرة لكثرتهم بين يديه.

14- ظهور خزائن الكتب في الأمصار الإسلامية، والتنافس في إنشائها.

أوائل الوراقين:

هنا نرى الدكتور علي النملة يذكر ورّاقان يعتقد أنهما أول من اتخذ من الوراقة حرفة ينالان عليها أجرًا، تلك الأجرة التي وصفها جابر بن زيد الأزدي بأنها من الكسب الحلال؛ ولذلك يقول ألكسندر ستيبتشفيتش AleksanddarSipcevic عن نسخ القرآن الكريم: "إن نسخ القرآن هو في حد ذاته عمل ديني وسحري. إن هذا الكتاب المقدس ينسخه كل من يطلب التقرّب إلى الله أو ينتظر الرحمة من الله، أو كل من يتمنّى أن يرضي الله بعمله هذا".

أول هذين المصحفيِّين الوراقين مالك بن دينار، والآخر خالد بن أبي الهياج وكانا قد تخصصا في نسخ المصحف الشريف في البدء، فهما مصحفيان، ثم شملت جهودهما الشعر وغيره وكان خالد بن أبي الهياج يكتب للوليد بن عبدالملك هذا إضافة إلى الخطاط قطبة المحرر الذي اشتهر في أواخر العصر الأموي بتحويله الخط العربي من الشكل الكوفي إلى ما يقارب الشكل الذي هو عليه الآن، وقيل: إنه أكتبُ الناس.

وكون قطبة هذا خطاطًا يقود إلى إمكانية الجمع بين الوراقة والخطاطة. فهل يمكن القول: أن كل وراق خطاط؟ لا يبدو ذلك، فقد وُجد وراقون لم يكونوا حسني الخط، وأن الناس قد أعرضوا عنهم. ولذا، نجد في الحديث عن الوراقين المشهورين أنه يقال عن أحدهم: إنه كان حسن الخط أو جيد الخط أو مليح الخط، ويقال عن غيرهم: إنهم كانوا رديئي الخط. على أن خير الله سعيد يعد الخطاطين صنفًا من الوراقين، بل إنه يرى أن مهنة الخطاطة هي أساس مهنة الوراقة، دون أن يلجأ إلى استفزاز المهنيين بالتراث العربي الإسلامي من العرب أو المسلمين أو المستشرقين وإن سعى الخطاطون إلى "الانفصال" جزئيا عن النسخ والتوريق، فأصبح الخطاط يزخرف ويذهب، وصار بجانب المجلد.

ثم نجد بعد دراسة وافية في الجزء الأول من هذه الموسوعة ثلاث مجلدات من تراجم الوراقين غبر مسبوقة، يستخلص منها الدكتور علي النملة عدد من النتائج على النحو التالي:

- ما زالت كثير من أخبار الوراقين في كتب التراث، لم يحصل لها أن أُفردت في عمل مستقل، وإن قامت محاولات لذلك. مع أن القرون الأولى قد حفلت بأخبار النوادر من فئات المجتمع، كما فعل الجاحظ وغيره في رسائلهم وكتبهم.

- يتعذر الإحاطة والسيطرة على هذه الفئة من رجال التراث العربي الإسلامي، مع إصرار الباحث على إعطائهم شيئًا من حقهم في الذكر والتنويه على الجهود التي بذلوها في توصيل المعلومات إلى قرون ممتدة بعدهم، جاعلاً من الحكمة القائلة: "ما لايدرك جُلُه لا يترك كله" عذرًا للباحث في ضعف الإحاطة بالجميع، ولا يدري الباحث هل حظي بالجل، وهو يدري أنه لم يحظ بكُلِّ.

- تمكن الدكتور علي النملة من مسح أشهر كتب التراجم والطبقات مما نتج عنه الوصول إلى وراقين سبقت ترجمتهم في مصادر سابقة، فنقل اللاحق من السابق، وأحيانًا ينقل نص الترجمة.

- وعلى هذا فقد كان معدل الوصول إلى الوراقين عاليًا في البدايات، ثم بدأ يخف شيئًا فشيئًا، حتى وصل الباحث إلى الاقتناع بضرورة التوقف، على رغم أنه لم يصل إلى أفراد من الوراقين لم تتم تغطيتهم فيما سبق من مصادر.

- أن هذه الفئة من خدمة التراث العربي الإسلامي لم تنل حقها من التقدير، كما ناله غيرها من الفئات الأخرى، التي أسهمت في صنع تراث الأمة وتوثيقه؛ إذ إن المتتبع لكتب التراث والرجال والطبقات يجد أن جُل مجالات المعرفة نالت قسطًا وافرًا من التقدير، الذي وصل إلى تخليد ذكرى هؤلاء وأولئك. ومنهم من لا يصل في القدر العلمي والأدبي إلى ما وصل إليه بعض الوراقين، لو نُظر للوراقة على أنها جزء لا يتجزأ من الحركة العلمية والأدبية في القرون الأولى للحضارة الإسلامية.

- معظم من اشتهر من الوراقين اشتهروا على أنهم علماء أو أدباء، ولم يشتهروا على أنهم وراقون. فقد شهرتهم آثارهم العلمية والأدبية التي خلفوها، وقل من اشتهر منهم على أنه وراق.

- كان لإسهامات كل من محمد بن إسحاق النديم وياقوت الحموي أثرٌ واضحٌ في إبراز الوراقين والعناية لهم، وبما كانوا يقومون به وهذا الجهد المقدر منهما قد حفظ للوراقين شيئًا من حقوقهم على المجتمع العلمي والأدبي، وانعكس هذا الاهتمام على إسهامات من أتى بعدهم كابن خلدون.