هيفاء الجهني تتقصى النزعة الإنسانية في شعر القصيبي والشابي

بديعة كشغري تقدم هيفاء الجهني.
جدة – صادق الشعلان |

ذهبت الدكتورة هيفاء الجهني، خلال ورقة قدمتها في صالون بديعة كشغري أخيراً، إلى تقصي النزعة الإنسانية في شعر الشاعرين أبو القاسم الشابي وغازي القصيبي، باعتبارهما في دائرة تجاربها الحياتية.


وكشفت الدكتورة الجهني، في الأمسية التي شهدها حضور متنوع من مثقفين ومهتمين، عن تعدد القيم الإنسانية في شعر القصيبي والشابي، كالعدل والشجاعة والحرية والصدق والإيثار والتضحية، معززة طرحها باستدلالات من قصائد للشاعرين.

وبدأت الجهني الأمسية بقصيدة الشابي «فلسفة الثعبان المقدس»، التي عبّر من خلالها الشابي عن فلسفة القوة في الحياة، والتي لا تلقي للحق والعدل بالاً، التي ربطتها الجهني بأبيات للقصيبي من قصائد عدة له حملت عنوان «حبنا وفيم العناء»، التي جاءت متفقة على أن القوي لا يخشى إلا القوي، وبالتالي لا يسدل ستائر العدل بينه وبين الضعيف بل يحجبها ويطويها ليفترس الضعيف».

وذكرت الجهني أن القصيبي والشابي كانا من أبرز الشعراء المعاصرين الذين بحثوا عن الحرية في كل مكان، «فترنما في أشعارهما طلباً لحضورها، وتأرقا لضياعها أو وقوعها أسيرة في زنازين الطغاة والمستبدين، فالشابي في قصيدته إرادة الحياة يصر على أن الحرية تُنزع ولا تُمنح، ليجد ضالته في أحضان الطبيعة ومعطياتها الثرية وكان هذا عبر قصيدته إلى البلبل، أما القصيبي فقد كان بحثه عن الحرية وتطلعه إليها وحضورها دائرة أمنياته الإنسانية مختلطاً بكم غير يسير من اليأس في كثير من شعره، وهذا ما نجده في قصيدة القمر، ومليكة الغجر، وبعد سنة، وسحيم». وأشارت الجهني إلى أن القصيبي مزج بين الحرية باعتبارها مبدأ إنسانياً والصدق كأحد مقوماتها وخصائصها، كما تراه في قصيدتيه «أفكار صغيرة الحب» و«الموانئ السود».

وعبر عنوان الدفاع عن الحق والوطن، قالت الجهني: «إن احتواء القصيبي آلام أمته ووطنه الكبير لا يقل قدراً عما كان عليه الشابي، فجراح أمته تغوص في أعماقه ولا تغيب عن خاطره، ومآسي العروبة والإسلام في فلسطين خناجر تندس في أحشائه، وتمزق أوصاله».

وتطرقت الجهني الى علاقة الشاعرين بالمرأة والحب، وأنهما «التفتا الى تلك العلاقة في ثوب قشيب من الوصف، والاتكاء على تلك العلاقة لبث الهموم والمآسي التي بنوا عليها قلبيهما».

وتطرقت الناقدة إلى الغربة وأن مظاهرها وأغراضها تتعدد لدى الشاعرين، «فالشابي ينطلق هرباً من الغربة الى شعره، متخذاً إياه رفيقاً يبدد الوحشة ويُنسي الألم، وجانب آخر كان قبلة هروب الشابي تمثل في حنينه إلى العودة الى عالم سماوي... القصيبي لم ينطوِ على نفسه ولم يفكر في فلسفة العودة الى عالم سماوي عندما تلامس الغربة كيانه، بل يظهر لديه مظهر آخر هو اللجوء والدعاء والابتهال الى الله كما في قصيدته دعاء، خذني إليك». وتلفت إلى مظهر من مظاهر الغربة في شعر القصيبي، تمثلت في تحليق خياله ليصل إلى أن يرى نفسه شيئاً آخر غير كونه إنساناً وكما جاء في قصيدة لو، ملخصة ما سبق وعبر رسم بياني أن مظاهر الغربة عند القصيبي تجلت في الحنين الى الطفولة والماضي، والهروب الى المرأة، اللجوء إلى أحضان الأماكن القديمة، الهروب من الواقع ومن خلال الدخول في عالم الرؤى والخيال، الرغبة في الموت، والدعاء والابتهال، أما أبو القاسم الشابي فظهرت تعابيره، كما تقول، عن الغربة عبر الحنين الى الطفولة، الهروب إلى المرأة، الهروب إلى الغاب والطبيعة، الهروب الى عالم الشعر، الميل الى الانطواء، الحنين للعودة الى وطن سماوي.

وفي ختام الأمسية، التي شهدت فقرات موسيقية، أدلى عدد من الحضور بمداخلات عدة، تنوعت بين شكر وتحفظ حول هذه المقارنة، بدأها الدكتور زيد الفضيل بوجود تباين اجتماعي واضح بين القصيبي والشابي، الذي يمنع، في رأيه، أي مقارنة بينهما. وأيّده الكاتب صالح جريبيع، وزاد أن الفارق الزمني بينهما أيضاً يجعلنا نتنبه عند المقارنة بين شعرهما، لتكون إجابة الجهني أنها نظرت للإبداع الشعري من دون النظر للفارق الزمني أو الاجتماعي.