العباس والهاجري: طغيان ثقافة الميديا يقلّص مساحة المتخيل الروائي.. ويحول الكتابة إلى ثرثرة «التشات»

محمد العباس
جدة - صادق الشعلان |

في عصر المعلومات والميديا الجديدة كيف ترى تحولات اللغة السردية في الرواية العربية الحديثة من خلال متابعاتك؟ إلى أين تتجه اللغة الروائية وأي تأثير تتركه فيها مواقع التواصل الاجتماعي؟ سؤالان وجهتهما «الحياة» إلى اثنين من أبرز نقاد الرواية في السعودية.


بداية يقول الناقد محمد العباس: «اللغة الأدبية بشكل عام، وليس السردية وحسب، تأثرت كثيرًا جراء طغيان لغة الميديا والإعلام، أي ما نسميه بالأعلمة. إذ صارت اللغة الإعلامية هي الأداة المهيمنة على كل طرق التعبير البشري في الوقت الحاضر. لأن اللغة شكل من أشكال التواصل وهي هنا في هذا المقام التفاعلي المتبادل تبدو خاضعة للوسيلة الأقوى وهي الإعلام. وفي عصر المعلومة والميديا والاتصال التي تشكل مرتكزات نظرية الموجة الثالثة، حسب تنظيرات الفين توفلر، تمادت اللغة الإعلامية بصورة أكبر من السابق لتستحوذ على أشكال التواصل كافة». ويرى العباس أنه من المنطقي أن تتأثر لغة الرواية بهذا البعد، «لأن الروائي بقدر ما يعيش داخل حواضن ودافعيات أدبية، ينفتح عالمه باتساعه على هذا النمط الكتابي. سواء على مستوى المعجم المستخدم في السرد، الذي يستمد مجمل مفرداته من الميديا، أو سياق التعبير الأدبي، الذي انفتح هو الآخر على طرائق وصياغات التعبير الميديائي. وهو واقع يبدو على درجة من الوضوح في المنجز الروائي العربي، فاللغة لا تكتفي باستنساخ شكل التخاطب اليومي الخاطف، بل تنساق وراء إيقاع اللحظة الميديائية، في خفتها وحركتها المتسارعة، وكذلك تراكيبها القاموسية المستمدة من مرجعيات المرئي والمسموع في وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك ظهرت موجة روائية تتشبه في حواراتها بالأفلام المترجمة، وتعاند بقصدية واضحة وصريحة كل ما له علاقة بلغة الوصف الأدبية البلاغية. إذ يشكل الإخبار ركيزتها الأولى، عوضًا عن التبليغ الجمالي. وكذلك غلب على تلك الموجة ظاهرة النصوص الأفقية، المتخففة من الحبكة وبناء الشخصيات والفضاءات، فهي روايات أقرب إلى الكلام منها إلى اللغة، وبالتأكيد هي أقل من تعاليات الكتابة».

ويخلص العباس إلى أن كل تلك الملامح الجديدة في تحولات اللغة السردية «تعود إلى الذوات الروائية الجديدة، التي تفتقر إلى تقاليد الكتابة السردية، أو بمعنى أدق هي أقرب إلى هواجس لحظة الميديا منها إلى مرجعيات النصاب الأدبي المتعارف عليه. وأعتقد أنها ظاهرة ستتعاظم في ظل تغول السوشل ميديا لتتحول الروائية في جانب كبير منها إلى منظومة من الخواطر المتماهية مع ثرثرة «التشات» وهذا هو التحدي الأكبر للرواية العربية وهي تعبر نحو جيلها الرابع، أي في لحظة تحولها إلى ملكة عامة».

في حين يؤكد الناقد الدكتور سحمي الهاجري أن الرواية بنت الواقع، «وهي إلى ذلك فن لغوي، واللغة من أهم مظاهر واقعها الثقافي، وتنعكس فيها حركة الواقع ومتغيراته، ومن أهم متغيرات الواقع حالياً هذه الموجات الكاسحة في عصر المعلومات والميديا الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي، وتحولات الأنا والهوية في العصر الافتراضي، ومن الطبيعي أن يؤثر كل ذلك في اللغة السردية، تبعاً لتأثيراته في الذات الساردة أولاً وفي مفردات لغتها التي تعبر بها عن نفسها، كما أن طغيان ثقافة الصورة بهذا الفيض وبهذه الوفرة الهائلة قلّص مساحة المتخيل، وأفرغه من مضمونه التأملي والاستشرافي». ويشير الهادري إلى أنه منذ أن تلاحقت هذه الحقائق الحديثة بدأت تأخذ طريقها إلى الرواية في لغتها وفي بنيتها الجمالية، وهو أمر صار يتزايد بشكل متصاعد، وسوف يترسخ أكثر في المستقبل، ولعل المجال هنا لا يتسع لإيراد شوهد وأمثلة ولكن يمكن الإشارة مثلاً إلى ذلك التأثر المبكر بمواقع التواصل في رواية (بنات الرياض ٢٠٠٦) التي صيغ معمارها الروائي على تكنيك الإيميلات وتأثرت بنيتها ولغتها وأنوات شخصياتها بثقافة الإيميلات. وهذه مجرد إشارة وما حدث بعد ذلك ولا زال يحدث فإنه يصعب على الحصر».