أسطوانة الاستعمار المشروخة في «باب الحارة»

مسلسل باب الحارة
شيرزاد اليزيدي |

عاد «باب الحارة» هذا الموسم ليُفتح عنوة، بعدما كاد يتحول بابين ويُقدم في عملين وبالاسم ذاته إثر خلافات حادة دبت بين القيّمين عليه، وكأن التكرار كان ينقصه ذلك، لتكتمل رثاثة الإيغال في ما بات يراه بعضهم ظاهرة درامية منفرة تؤشر إلى استغباء المشاهد واستغفاله.


المسلسل الذي بات مضرب مثل في الاجترار والمراوحة وركاكة المعنى والمبنى وإعادة إنتاج الفشل سنة تلو سنة وبعد غيابه المحمود شهر رمضان الفائت، عاد هذه المرة وبصورة مُلتبسة وسط الخلاف بين شركتي الإنتاج على ملكيته والذي وصل الى ساحات القضاء والمحاكم.

واللافت، استهلال هذا الجزء بقصف جوي فرنسي للحارة إياها، ومشهديات وسرديات المقاومة والبطولة والمعاناة جراء الاستعمار الغاشم ومجازره، في قصة باتت مملة ومطروقة بما يكفي في «باب الحارة» وغيره من أعمال عرضت لمرحلة الانتداب الفرنسي.

ففي حين يتقاتل السوريون ويتذابحون منذ سنوات ويقصفون مدنهم وأريافهم ويدكونها على خلفية الانتماءات المذهبية والدينية والقومية بالبراميل المتفجرة والصواريخ والمدفعية وليس انتهاءً بالتفجيرات الانتحارية والإرهابية وسط المدنيين العُزل، يتم القفز على كل هذا الواقع الدامي ليتم النبش مجدداً في أسطوانة الاستعمار والعدو، والنفخ في قرب الوحدة الوطنية والشعب المقاوم الواحد الموحد، ما لا يستقيم مع واقع الحال على الأرض حيث الشعب في حقيقته شعوب وملل ونحل وطوائف ومذاهب وقوميات متنافرة ومتناحرة. وإلا، فما تفسير هذه الحرب الأهلية المجنونة التي دمرت البشر والحجر على مدى السنوات الماضية؟

لا شك في أن المُشاهد، وهو يرى قصف الحارة ومشاهد الدم والعويل، يستحضر في لا وعيه مشاهد البراميل المتفجرة للنظام والعمليات والارتكابات الإرهابية للجماعات التكفيرية، فضلاً عن «داعش» طبعاً، فمحاولة التعمية على هذا الواقع الأسود وعلى هذه الانقسامات والاحتقانات الوطنية والمجتمعية الوجودية بالتكاذب الوطني لا تجدي نفعاً. فمن يقصف ويقتل ويسرق وينتهك الآن حقوق السوريين وأملاكهم وأعراضهم، ليس الاستعمار، إنما هم السوريون أنفسهم، الذين يسعرون بأيديهم نار حربهم الداخلية، التي ليس سراً أن النافخين فيها كُثر، لكن المسؤولية الأولى والأساسية تقع على عاتقهم هم، ما يقتضي معالجات نقدية درامية تساهم في لملمة جراحهم وتحقيق السلام والمصالحة الوطنية والتحول الديموقراطي... وهذا ما لن يحققه بطبيعة الحال باب حارة يتمنى كثيرون قفله بالشمع الأحمر.