مدينة لوشيرة أو لوجارة التي احتوت المسلمين في وسط ايطاليا حتى عام 699هـ/ 1300م

محمد م. الأرناؤوط |

بعد انحسار وجود المسلمين في صقلية والأندلس يمثل وجود آخر تجمع للمسلمين في وسط ايطاليا، في لوشيرة Lucera أو لوجارة كما اشتهرت عند العرب، حالة دراسية مشابهة للمسلمين في المجر بالنسبة لتمتّع المسلمين هنا بوضعية معينة ومشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية قبل أن تأتي الحروب الصليبية التي كانت جيوشها وروحها تنتقل بالقرب من المسلمين هنا وهناك، مما أثّر في تراجع التعايش والقبول بالآخر. وإذا كانت حالة المسلمين في المجر قد دُرست بفضل رحلة أبو حامد الغرناطي "تحفة الألباب ونخبة الإعجاب"، إلا أن حالة المسلمين في وسط إيطاليا بقيت شبه مجهولة إلى أن كُشفت الآن بفضل كتاب المؤرخ الايطالي بيترو ايجيدي "مستوطنة لوشيرة الإسلامية وسقوطها 1220-1300" الذي صدر منذ أسابيع في بيروت (دار المدار الإسلامي 2019).


وتجدر الإشارة هنا إلى أن المؤرخ المعروف ميكيلي أماري (1806- 1889) الذي تخصّص بدراسة الوجود المسلم في صقلية وأصدر دراسته المرجعية في ثلاث مجلدات عام 1854 بعنوان: "تاريخ مسلمي صقلية" تمنى أن يتولى أحد المؤرخين من بعده تتبّع هذا الوجود المسلم الذي انتقل إلى وسط إيطاليا (لوشيرة أو لوجارة). وقد التقط هذه "الرسالة" المؤرخ بيترو إيجيدي (1872- 1929) الذي بحث طويلاً في مصادر الدول التي كانت تحكم إيطاليا آنذاك ليكتب أول تاريخ لما سمّي بـ "مستوطنة لوشيرة"، التي تبعد عن روما 240 كم فقط باتجاه الجنوب الشرقي. وكان إيجيدي قد بدأ عمله أستاذاً للتاريخ في جامعة ثم انتقل عام 1912 إلى جامعة مسّينا في صقلية، مما جعله على صلة بالحاضنة الأم للمسلمين التي فرّخت مستوطنة لوشيرة أو لوجارة.

ومع أن إيجيدي أنجز عمله في هذا الكتاب عام 1914 إلا أنه بقي مخطوطاً إلى أن صدر الآن بترجمة ممتازة لأحمد الصّمعي ومقدّمة مفيدة للباحث الإيطالي المعروف في الدراسات الإسلامية أنطونيو بلّيتيري (جامعة باليرمو) تعترف بأن كتاب إيجيدى لا يزال "إحدى أمهات الكتب في موضوعها ومرجعاً أساسياً لدراسات وأبحاث معمقة لاحقة"، وتكشف عن مدى تجاهل الكتب المدرسية الإيطالية لتاريخ المسلمين هناك. والمهم هنا أن بلّيتيري يقرّ أنه لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث والمصادر مع تقديره لما قدّمه إماري وإيجيدي وحتى جيوزيبي ستاتشولي في كتابه الأخير "المدينة المسلمة الأخيرة: لوشيرة" الذي صدر عام 2012.

كتاب إيجيدي الغني بالمعطيات التي جمعها بصبر من المصادر المختلفة والتحليلات التي لا تجامل ما هو سائد يفيد في حالة دراسية تفنّد مقاربة الأسود والأبيض بالنسبة لوجود المسلمين في أوروبا. فبعد ازدهار الوجود المسلم في صقلية، الذي جعل منها إحدى بوابات الإشعاع الحضاري في جنوب أوروبا، جاء الحكم النورماندي للجزيرة ليرعى المسلمين اعترافاً بإسهاماتهم الحضارية حتى أن الإدريسي حظي برعاية الملك روجر الثاني خلال عمله في إنجاز كتابه المعروف "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" الذي سمّاه "كتاب روجار". ولكن حكم الأنجوفيين لصقلية وجنوب ايطاليا الذي جاء بعد ذلك تأثر بالظروف المستجدة (الحروب الصليبية)، ولكنه مع ذلك كان الموقف فيه من المسلمين يختلف من كارل الأول الأب (الذي نشأت مستوطنة لوشيرة في عهده) وكارل الثاني الابن (الذي قضى على هذه المستوطنة ).

ويفيد هنا كتاب إيجيدى الغني والممتع في تحليلاته في التعرف على الخلفية السياسية والاقتصادية والدينية التي كانت تحكم تعامل الملكَيْن الأنجوفيَّين الأب والابن مع المسلمين الذين بقوا في البلاد.

كان الملك كارل الأول تلاحقه دعوات البابوية للتعامل بشكل مختلف مع المسلمين الموجودين في صقلية، وحتى كانت تشكك في موقفه "المتسامح" معهم، والحاجة الماسة إلى الموارد المالية لتزويد جيشه بالأسلحة والمعدات والمؤن الذي أصبح يحارب على جبهات عدة. ويبدو أن التشدد الذي أبداه الملك في معاملة المسلمين في صقلية دفعت بهؤلاء إلى التمرد في الوقت الذي كانت فيه الحملات الصليبية تتجه إلى بلاد الشام. ومن هنا رأى الملك أن يجمع المسلمين الموجودين في صقلية ويرحّلهم ابتداء من 1224م إلى قلب ايطاليا ليصبحوا في لوشيرة (التي اختارها لهم) جزيرة مسلمة في محيط كاثوليكي.

كان الملك كارل الأول يقدّر خبرة المسلمين في الزراعة والحرف والخدمة العسكرية، ولذلك اختار لهم هذه المنطقة المقفرة حتى يحيوها بزراعة الحبوب التي يحتاجها لجيشه، ويعملوا في الحرف التي يعرفونها (صناعة الخيم الخ) التي تهمّ الجيش، والمشاركة في الخدمة العسكرية في قتاله للعدو المسيحي الآخر (بيزنطة). وفوق هذا وذاك كان الملك كارل الأول يتعامل مع المسلمين باعتبارهم غنيمة ضريبية توفر المزيد من الموارد للدولة المثقلة بالقروض لبابوات روما والبنوك.

من هنا تنبع قيمة الكتاب من تعريفنا بنظام جديد سبق فيه الملك كارل الدولة العثمانية، التي يمكن إيجاد بعض الشبه بين ما طبّقه الملك كارل وما أصبح عرفاً في الدولة العثمانية لاحقاً. فالمسلمين في الدولة الأنجوفية لم يكونوا متساوين مع سكان البلاد، بل كانوا يُعتبرون أُجراء أو عَمَلة يشتغلون في أراضي الدولة (الميرية) ويدفعون الخراج عليها، كما كانوا في الوقت نفسه يدفعون الجزية باعتبارهم غير مسيحيين. ولكن إذا كانت الجزية في الدولة الإسلامية تُدفع مقابل حماية أهل الذمة وعدم قيامهم بالخدمة العسكرية فإنها في الدولة الأنجوية (أو مملكة نابولي كما أصبحت تُعرف بعد انفصال صقلية عنها) لم تكن تعني ذلك بل تتشابه مع ما أخذت به الدولة العثمانية لاحقاً مع مؤسسة الدفشرمة. فالملك كارل الأول كان يقدّر خبرة المسلمين في القتال ولذلك فسح للأفراد المتميزين منهم بحشد الجنود من لوشيرة والمشاركة في القتال على الجبهات المختلفة للتعبير عن ولائهم والصعود في الهرم الاجتماعي من خلال الألقاب التي كان يمنحها لهم. ولكن بالمقارنة مع الآخرين، كان الولاء هو المعيار الأول ويمكن للملك (كما للسلطان العثماني) أن يعيد القائد المسلم إلى أسفل الدرك الاجتماعي الذي جاء منه.

وعلى رغم ضغوط بابوات روما إلا أن الملك كارل بقي يعامل المسلمين في هذه المدينة، التي تختلف المصادر حول تقدير عدد سكانها من المسلمين ولكن بالتأكيد كانوا أكثر من عدد السكان الحاليين في لوشيرة (حوالى 33 ألف نسمة)، وفق هذه الوضعية التي كانت تخدم الدولة الأنجوية في الدرجة الأولى، التي كانت تسمح لهم بالحفاظ على جوامعهم واختيار قضاتهم الشرعيين الخ. ويتحفنا كتاب إيجيدي بعدد الكتائب التي تشكّلت من المسلمين وأسماء قادتها وعدد أفرادها التي شاركت في الحملة الكبرى على بيزنطة في 1271 وانتهت إلى تأسيس "مملكة ألبانيا" (1872-1281) تحت السيادة الأنجوية.

ولكن هذه السياسة "الحكيمة" التي اتّبعها الملك كارل الأول تغيّرت كلياً مع تولّي ابنه الملك كارل الثاني للعرض في 1289، حيث ورث دولة مثقلة بالديون. ومن هنا يبدو أن هذا السبب هو الذي دفعه إلى التفكير في سياسة أخرى إزاء المسلمين تكسبه ثروة سريعة تساعده في تدبير الأمور. وهكذا قامت وحدات عسكرية، وفق خطة سرية وضعت مسبقاً، بالتسلّل إلى مدينة لوشيرة في آب 1290 للسيطرة عليها وقتل كلّ من حاول المقاومة وأسر كل الباقين لبيعهم كعبيد في العاصمة نابولي والمدن الأخرى وفق قائمة أسعار محددة تختلف حول العمر والجندر والحرفة الخ، وذلك بعد مصادرة كل متعلقاتهم. وفي مثل هذه الظروف لا يستغرب أن يقوم بعض الأفراد بقبول التعميد للحفاظ على مكتسباتهم ومكانتهم الاجتماعية، ولكن الملك كارل الثاني أصدر فيما بعد مرسوماً ينص على أن "العبد لا يصبح حراً بمجرد التعميد".

ما لدينا هنا حالة دراسية مثيرة للوجود المسلم في قلب أوروبا، بل بالقرب من روما، في وقت كانت تجتاح المنطقة روح الحروب الصليبية، ولذلك تفيد هذه الحالة في دراسة الوضعية القانونية والاجتماعية لأقلية مسلمة في دولة كاثوليكية مجاورة للبابوية في ظروف لم تكن مؤاتية للتسامح أو التعايش ولذلك انتهت إلى ما انتهت إليه.

* مدير معهد الدراسات الشرقية في بريشتينا – كوسوفو.