تاريخ طرابلس الغرب - المسمى التذكار

عبدالحميد صبحي ناصف |

التاريخ نوع من الدفاع عن الوطن، فكما أن الإنسان يدافع عن وطنه بسيفه وماله فكذلك يدافع عنه بتقييد حوادثه وبيان ما وقع فيه من وقائع تعلي من شأنه وتظهره أمام الناس بمظهر العظمة والكمال وهذا ما حدا بالأستاذ ابن غلبون إلى تأليف كتابه هذا.


ومخطوطنا (المنشور) عنوانه طويل بعض الشيء: تاريخ طرابلس الغرب المسمى التذكار في من ملك طرابلس وما كان بها من الأخبار وهو شرح لأبي عبد الله محمد بن خليل غلبون الطرابلسي على قصيدة الشيخ أحمد بن عبد الدائم الأنصاري الطرابلسي وعنى بنشره وتصحيحه والتعليق عليه الطاهر أحمد الزاوي الطرابلسي، وطبع في القاهرة عام 1931 في أحد أهم المطابع التي كانت تنشر كتب تراثية وهي المطبعة السلفية لصاحبها محب الدين الخطيب (وللحديث عنها بالتفصيل يرجع إلى كتاب الدكتور محمود الطناحي).

والمخطوط جمع فيه المؤلف ما يتعلق بطرابلس من أخبار وما تعاقب عليها من دول إسلامية وغيرها وما وقع فيها من ثورات وحروب منذ الفتح الإسلامي إلى أواسط حكم أحمد باشا القره مانلي سنة 1711، وفي الحقيقة فهو شرح لقصيدة الأديب الشيخ أحمد الأنصاري التي أنشأها مدحاً لطرابلس ورداً على من ذمها، ويعلمنا مصحح الكتاب أنه وجد مخطوطنا عند العلامة أحمد تيمور باشا عام 1930 ومن ثم استنسخه المصحح . وتلك النسخة مأخوذة بالتصوير الفوتوغرافي عن النسخة الباريسية وهي مكتوبة بخط مغربي جميل كثيرة التحريف وللآن لا توجد نسخة أخرى غير نسخة تيمور باشا فكان استعانة المصحح بتاريخ ابن خلدون وغيره في تصحيح بعض الكلمات والتواريخ.

ومؤلف المخطوط من مصراتة وارتحل إلى الأزهر في طلب العلم ومن ثم رجع إلى بلده عام 1715م وكان يعلم في مصراته التفسير والفقه والحديث وغيرها من العلوم ويأسف المصحح أنه لم يعثر لابن غلبون على ترجمة موثقة فقط يذكر ابن خلدون في الكلام على آل سالم– الذين هم بطن من ابن سليم– ولهذه الأسرة ذكر حسن في طرابلس، أما الشيخ أحمد بن عبد الدائم الأنصاري الطرابلسي كان ذا معرفة بالتواريخ الإسلامية والأخبار الملوكية وشاعراً بليغاً. ومن شعره قصيدة يستنجد فيها بملك القسطنطينية إذ ذاك على الفرنسيس الذين هاجموا طرابلس عام 1822 وله قصيدة جواباً عن سؤال أرسل إلى طرابلس من جزيرة جوبه، إضافة إلى موضوع كتابنا مقدمة الناشر ذكر فيها شيئاً عن طرابلس قبل الفتح الإسلامي وملخصاً عما تداولتها من دول وما مر عليها من أطوار مختلفة من لدن الفتح الإسلامي إلى زمن حكم أشرة القرمنلي.

والكتاب يأتي رداً– على هيئة قصيدة– أنشدها الأديب سيدي أحمد بن عبد الدائم الأنصاري في مدح طرابلس معرضاً فيه بمن هجاها، ويحدثنا المؤلف عن طرابلس من الوجهة الجغرافية والمناخية في عجالة ثم يدخل إلى العرض التاريخي الذي هو أصل الكتاب فيحدثنا عن سبب دخول البربر برقة وأرض المغرب، وفتح برقة على يد عمرو بن عاصي ثم حصار وفتح طرابلس وحيث اعتمد المؤلف على مصدر مهم هو ابن عبد الحكم.

وبعد، فإن القصيدة التي أنشدها أحمد بن عبد الدائم الأنصاري في مدح طرابلس معرضاً فيه بمن هجاها ولم يتعرض أحد من المؤرخين لجمعها وإنما ذُكرت مشتتة في الصحف والدواوين، وعليه فقد كلف الأنصاري من قبل أحمد بن يوسف بن محمود مصطفى الوالي العثماني على طرابلس بجمعها، فكان هذا العمل المسمى "التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخبار" وهاكم القصيدة:

أرى زمناً قد جاء يقتنص ألمها بلا جارح والأسد في فلواتها

رأى القيض مبيضاً بمزبلة الحي فقال كفاني إنه من صفاتها

أتى أهله يهوى وبشر أنه بربقة من ظبيانها ومهاتها

فألقى قشوراً باليات وقد رمى بدائه أرباب انحجى من نهاتها

كمن رام أن يبري العليل يحيه وزارع شوك يرتجي ثمراتها

ألا أيها النحر يرمه عن مذمه فما في الأواني بان من قطراتها

* * * * *

طرابلس لا تقبل الذم أنها لها حسنات جاوزت سيئاتها

إذا أمّها من قد نأته بلاده وأوحشه ذو أمرها من حماتها

تطأمن عن نفس ومال وعشرة ويضحى بعز ما ثوى بجهاتها

فكم من ديور أخربت وكنائس وكم من حصون حوصرت بسراتها

وكم من بلاد للصليبي مركز أحاطوا بها ليلاً فأفنوا طغاتها

وكم من جوار للكوافر ضيقت على سفن الإسلام من نفحاتها

قد أضحت بمرساها أسيرة فلكها وعسكرها في جيرها من حفاتها

* * * *

وكم من أو يسمى بها ذي معارف وكم من جنيدي على شرفاتها

بها فضلاء ما الفضيل يفوقهم فوارس أنجاد وهم من حماتها

قد اختارها الزروق داراً وموطناً كذا ابن سعيد مقتد بهداتها

تواترت الأقطاب تترى بأرضها وكـم سيد رام المقام بذاتها

* * * *

بها علماء عاملون بعلمهم خمول عن الإظهار في خلوتها

ولم تر غشاقط من جمع أهلها ولا قسماً في بيعهم من جفاتها

إذا حان وقت الصلاة رأيتهم سراعاً وخلوا الريح في عرصاتها

* * * *

رويداً فلا تعجل بذمك للتي تباهى بها الإسلام من غزواتها

بها ملك أندى من السحب راحة وأرأف بالإعراب من والدتها

له همّة تعلو لتأييد سنّة بحفظ مبانيها وجمع رواتها

* * * *

لعمرك تلقى سوء قصدك عاجلاً وتسلب نور العلم من بركاتها

فتب وانتصح لله أن كنت عارفاً ودع سوء ما أبديته من صفاتها

فلا تهج أماً للثغور حنونة كفاها مديحاً عدكم هفواتها

ويكفي أهاليها من الفضل إنها رباط لمن قد قام في حجراتها

* * * *

فجاءتك يا شرقي تسعى فراعها وكن منصفاً ثم أجن من ثمراتها

وصل وسلم يا الهي على الذي نهى عن حظوظ النفس مع شهواتها