إيران.. تملك كل شيء وليس لديها أي شيء!

سعود الريس |

قد لا يعجبك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن في الحقيقة هو ليس حريصاً على ذلك، قد لا تتفق أيضاً مع سياساته، لكن الأكيد أيضاً أنه لم يضعها إرضاءً لك، لكن سواء وافقت أم لم توافق، ترامب أثبت أنه داهية سياسية إن جاز التعبير، فهو استطاع وفي شكل غير مسبوق تكبيل إيران بكل مقدراتها ومكوناتها وأذرعها، وشلّها حتى وصلت إلى مرحلة العجز مثلما نشاهدها اليوم، لديها كل شيء، ولا تملك أي شيء.


سنأتي على ذكر ذلك لاحقاً، لكن الأهمَّ اليوم أن جميع المؤشرات تتجه إلى مواجهة أميركية إيرانية، إلغاء الإعفاءات الأميركية الممنوحة لثماني دول مستوردة للنفط الإيراني، تصنيف الحرس الثوري كـ«تنظيم إرهابي»، جولة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الأوروبية، ومن ثم زيارة غير معلنة إلى العراق، حيث قدّم تصوراً للحشد الشعبي والوجود الأميركي، كما تم التطرق إلى مدى إمكان السماح باحتياجات العراق الضرورية من إيران، وإرسال طائرات بي ٥٢ إلى منطقة الخليج العربي، وإرسال حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى المنطقة، والموافقة على نشر منظومة صواريخ باتريوت في الشرق الأوسط.

إيران من جهتها تقع أسيرة خطاب خامنئي العاطفي، وتصعيد الحرس الثوري الإعلامي، وديبلوماسية حسن روحاني من طراز الأربعينات، وظرافة وزير خارجيتها محمد جواد ظريف، وجميعها تصب في خانة التصعيد، لكن المراقب سيكتشف سريعاً أن أوراقها التي كانت تعتدُّ بها احترقت، اعتمدت على الموقف الأوروبي وراهنت عليه، لكنها فوجئت بأن أوروبا ليست في وارد تحدي واشنطن والذهاب أبعد مما ذهبت إليه في محاباتها، أو بالأحرى ما الذي ستجنيه أوروبا وهل يستحق خسارة حليف بحجم الولايات المتحدة؟ سؤال لا شك أنه تم طرحه في الأروقة الأوروبية، ولم تتأخر إجابته، الشعارات التي ترفعها طهران لا تخفف من القيود المفروضة عليها، مخزون اليورانيوم المخصّب بدرجة منخفضة «بنسب محددة»، والماء الثقيل، والذي يعد عنصراً أساسياً في تطوير الأسلحة النووية واتفق على تخزينه في سلطنة عمان، صدر الأمر الأميركي بمنع بيعه أو شرائه، ولن يجرؤ أحد على مخالفة ذلك.

لا شك أن إيران تختبر نوعاً من السياسة لم تخطر لها على بال، ستسعى للمناورة، وقد تجد ثغرة من هنا أو هناك، إلا أن سرعة الإدارة الأميركية في فرض العقوبات تصاعدياً لا تعطي مجالاً لطهران حتى لمجرد التفكير، فالتهديدات التي كانت طهران تلوِّح بها لم تعد ذات قيمة في ظل الحراك الأميركي، وبالتالي الخيارات تتضاءل أمام طهران، والوقت لا يسير في مصلحتها، ولا يبدو أن خطط المماطلة والتسويف تجد لها موقعاً في ظل التسارع الذي نشهده.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً، وهو هل نحن بصدد حرب جديدة في المنطقة؟

بالتأكيد أن المجتمع الدولي وفي مقدمه الولايات المتحدة لا يريد حرباً من جانبها، وبالنسبة لإيران أيضاً هي أضعف من أن تخوض حرباً، لكن طالما الأمر كذلك لماذا هذا الحشد وهذا التوتر؟

الواضح والأكيد أن الولايات المتحدة لن تبدأ بحرب من هذا النوع، لكن هذا لا يعني أنها لن تخوضها، فواشنطن وضعت اليوم المشهد كاملاً أمام المجتمع الدولي، ومفاده أن أي رصاصة تُطلق ضد أي جندي أميركي أو منشأة أميركية أو سفينة أميركية سيعرف العالم أجمع أن إيران خلفها، وهنا قد تندلع المواجهة، وواضح من تدرج العقوبات والرغبة المعلنة في التصدي للإرهاب الإيراني أن ترامب ليس باراك أوباما، وبالتالي لا توجد هناك مغامرات من دون ثمن، ومن الواضح أيضاً أن إيران تدرك الثمن، وهنا يتضح ما أشرت إليه في المقدمة، فأي ثمن ستدفعه دولة وأي حرب أو مواجهة عسكرية ستدخلها وهي مشلولة وعاجزة عن الحركة على رغم كل ما تملكه، سواء على الصعيد السياسي أم الاقتصادي أم العسكري أم حتى الداخلي الذي يئن تحت وطأة العقوبات، لذلك أجواء الحرب التي نعيشها تعيها الأطراف كافة ولاسيما إيران، وهذا يحدد خياراتها، ويجبرها على تقديم ما تعتبره هي تنازلات، وما يعتبره العالم فرصة أمام خامنئي وحكومته للجلوس إلى طاولة المفاوضات ضمن النقاط الـ ١٢ التي حددتها الولايات المتحدة وألمحت إلى مرونة التعاطي مع بعضها، وحذف «الفهلوة» من الذاكرة، والتعامل بجدية مع المرحلة ومتطلباتها، والعيش كدولة لا كميليشيا إرهابية هدفها زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وتهديد المصالح الدولية بأطماع وأفكار تعيش على أنغامها، سواء أكانت بطريقتها التقليدية أم على إيقاعات «الراب» التي تم ابتكارها أخيراً في العراق.

saud_alrayes@

srayes@alhayat.com