"صحوة" عائض القرني!

فيصل العساف |

قبل الدخول في صلب الموضوع، أجد أن من المهم تحقيق مفهوم "الصحوة الإسلامية" ولو في شكل سريع، ما هي؟ وما كان المقصود منها عند إطلاقها؟ ثم لننظر تبعاً لذلك ما إذا كان الملك الراحل فهد بن عبد العزيز أثنى عليها كما يروّج "الصحويون"، أم لا؟

"الصحوة الإسلامية" في حقيقتها، حركة سياسية ثورية وجدت في الإسلام ضالتها التي ستحقق حلم القفز نحو هدف السيطرة على الدول العربية والمسلمة، مثلها مثل ما يسمى "الربيع العربي"، أسهمت ظروف بعينها، كاحتلال السوفيات لأفغانستان أواخر العام 1979، في إشعال جذوتها، وإن اختلفت عنه في الأدوات التي رسمت شعارات كل مرحلة، ما بين الإسلام والديموقراطية.

عند ذكر "الصحوة"، ثمة دلالتين اثنتين لا ثالث لهما، ففي منابر "خزنتها" تعني بمزيد من التزوير: "لما أيقظناكم من غفلتكم!"، أما ما عداها، فإنها شكل اجتماعي طبيعي، لاحق لاستقلال البلدان الإسلامية أو استقرارها، يشبه التقاط الأنفاس بعد وعثاء جهد جهيد.


في كلمة مرتجلة أمام حضور اجتماع لعلماء المسلمين أقامته "جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية"، كان الملك فهد يصف بتجرد مشاعره تجاه نهضة الإسلام، مذكّرا بمنّ الله وتفضله على الأمة، إذ أزال عن كاهلها أسباب التضييق، وكان محدداً جداً باستدلاله، إذ قرن رأيه ذلك بعودة مظاهر الإسلام (مثل صلاة العيد والجماعة) إلى الجمهوريات الإسلامية التي كابدت بطش الشيوعية في ظل الاتحاد السوفياتي، وجمهورية الصين الشعبية، ما يعني أن الملك الراحل، لم يكن في وارده حسابات "الصحويين" إطلاقا، بمعناها الناقم على الحكومات الإسلامية قبل غيرها، بدليل أنه كان أول من واجه بحزم لا يقبل التأويل أباطيل دعاة "الصحوة" لمّا استشرى شرهم، إذ أمر باعتقال رموزها والتابعين لهم بسوء، أواسط التسعينات.

بناء عليه، فإن إدخال الملك فهد في دهاليز "الصحوة" مقصود، وذلك لإسباغ الشرعية عليها، في محاولة لذر الرماد في عين مواجهة أباطرتها، كيف لا وقد كان "الفهد" من أوائل الذين اكتووا بنار تلبيسهم على الشعوب، بعد أن وصموه بصفات لا تليق به جراء الاستعانة اضطراراً بالقوات الأجنبية في سبيل دحر العدوان العراقي عن دولة الكويت، أو بإطلاق شائعة نيته التطبيع مع الإسرائيليين، تلك التهمة الجاهزة في معلباتهم كلما أرادوا شحن النفوس ضد أحد والتشكيك فيه! لكن الأيام أثبتت بهتانهم وسوء سريرتهم، فلا الملك طبّع، ولا هم كفوا شرورهم عنه وعن السعودية حتى يومنا هذا.

بالعودة إلى الدكتور عائض القرني، الرمز "الصحوي" البارز، الذي أثارت مراجعاته أخيراً حفيظة الكثيرين، بين متوجس يستدل بتقلبات "الصحونج" على مر تاريخهم، دافع باتجاه الانتقام ولا شيء غيره، وبين "صحوي" متضرر من اعتراف القرني بمساوئ طريقتهم، يرى في ذلك خرق للسفينة التي تعاني أمواج التغيير العاتية.

على كل حال، أرى أن الدكتور عائض كان شجاعاً وهو يفتح النار على ماضيه في هذا الوقت تحديداً، خاصة مع كونه غير مضطر إلى ذلك بعد أن تجاوزه "كشف الحساب" بنجاح. أما منتقديه من المتضررين، فإن عليهم الاستفادة من تجربة نهاية الـ "أبارتهايد" أو الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، بلجنة الحقيقة والمصالحة. وتبعا لذلك، فإنهم مطالبون بعدم معالجة الإقصاء بالإقصاء، خاصة وأن الدولة السعودية تحكم قبضتها في وجه الحالات الشاذة التي تسعى إلى التفرقة والقطيعة. وأهم من ذلك أن يقال بكل صدق وشفافية: "من كان منكم بلا خطيئة، فليرم (التائب) القرني بحجر".

* كاتب سعودي.