على خرائب الموصل

مشرق عباس |

في العادة لا يحطّم الخلاف على منصب محافظ مدينة التحالفات السياسية العراقية التي شيدت على أساس صفقات أكبر بكثير من منصب محافظ، لكن ذلك حصل أخيراً مع تفجر الصراع بين القوى العراقية حول منصب محافظ نينوى بعد إقالة محافظها السابق وصدور أوامر اعتقال بحقه، وكان الأمر كفيلاً بشق تحالف "المحور" الذي يضم قوى سنية في كتلة "البناء" وانطلاق الاتهامات المتبادلة ببيع المناصب والمدينة.


ليس الأمر أن ثمة اعتراضا على محافظ نينوى الجديد بحد ذاته، فالأسماء لا تشكل أهمية كبيرة في هذا المجال، بل إن المشكلة تكمن في التعهدات والاتفاقات التي مررت بتمريره، والقوى التي وقفت خلف تنصيبه، والأثمان التي تنتظرها من هذا التنصيب.

ولكن.. كيف لمحافظ مدينة محطمة ما زالت تعاني آثار الحرب، فيما نصف سكانها ما زالوا خارجها مهاجرين ولاجئين، أن يزلزل العملية السياسية العراقية برمتها، ليس على صعيد التوازنات السنية – السنية فقط، بل جوهر صفقات تشكيل الحكومة العراقية والتحالفات التي شيدت على أساسها؟

الجواب.. نعم، بإمكانه أن يفعل ذلك، ليس لأن الموصل التي لم تُمنح ربع موازنتها، ولم تُمد لها اليد لتضميد جراحها، تمتلك عرشاً من السلطة والنفوذ، بل لأن خرائبها وآهات أطفالها، وحسرات سكانها الذين لم تغادر رائحة البارود أرواحهم، هي الفرصة المواتية الدائمة لتعظيم موارد الشركات الحزبية العراقية.

و.. نعم، الصراع محتدم بقسوة، وقد تستخدم فيه كل الأسلحة، لأن الموصل تنتظر تنفيذ عشرات من الدول والشركات تعهداتها بتقديم مبلغ 30 بليون دولار تتكون من منح واستثمارات وقروض خصصها مؤتمر الكويت 2018 لإعمار المدن المدمرة بعد حرب "داعش"، وما زالت تأمل باستقرار سياسي يمرر قرار الإعمار المعترض على تمريره.

وهذا الحال في العراق.. فعندما اختير أخيراً محافظ بابل بالطريقة نفسها، كانت القوى قد تبادلت الاتهامات بشراء المنصب، ومع ذلك اتفقت في النهاية، وأغلب الظن لأن بابل ليست صيداً مالياً كبيراً في الوقت الحالي تحطّم من أجله العروش، وبالتأكيد لن تكون واسط كذلك، ولا حتى بغداد التي تغيرت حكومتها بالجدل والاتهامات والاعتراضات نفسها، ومن ثم أُغلقت القضية.

وعندما تكون الموصل "صيداً" فمن المبرر أن تتجه القوى ليس إلى تحطيم توازناتها المصلحية في الحكومة، بل إلى التهديد بتغيير رئيس البرلمان المعترض، وإلى تدخل قوى شيعية وكردية وسنية من خارج الموصل في تحديد مصيرها.

المفارقة.. أن المعركة المتواصلة تتم على منصب من المفروض أن صلاحيته القانونية انتهت قبل أكثر من عام بنهاية العمر القانوني للحكومات المحلية في العراق، وأن هناك شكوكاً دستورية جادة في الطريقة التي استخدمت لتمديد إعمار مجالس المحافظات، وثمة مساع لتحديد موعد جديد للانتخابات المحلية، وبهذا المعنى فإن عمر المنصب المتنازع عليه قد يكون شهوراً فقط!

.. "حتى لو كان عمر المنصب شهراً واحداً فقط" هكذا سيرد الجميع، فالموضوع لا يتعلق فقط بصفقات الإعمار المنتظرة التي قد يطول انتظارها، بل بالطرف الذي سيمسك السلطة في الموصل وقت إجراء الانتخابات فيها، والذي يمكن من أجله تعطيل خطط إعمار المدن المنكوبة.

أن يمنع أهالي الموصل من ممارسة أبسط حقوقهم بتحديد محافظ لمدينتهم، وأن يتم التلاعب بمصائرهم وتحويل قضية إعمار منازلهم إلى صراع سياسي وحزبي بدلالات إقليمية ودولية، فذلك جوهر الفساد الذي يطالب الجميع بمكافحته.

وأخيراً كان "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في العراق" الذي شكّله رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي، قد طلب من الطاعنين بنزاهة القوى والأحزاب والشخصيات السياسية العراقية أن يقدموا أدلتهم أو تتم ملاحقتهم قضائياً، فيما لسان حال الناس يقول: "تجدون دليلاً في عرش على خرائب الموصل"، وآخر في عرش خرائب البصرة، بل إن كل عرش على خرائب العراق دليل.