محمّد خضر يعرف الشعر في رائحة الأرض بعد المطر

محمد خضر.
فيصل خرتش |

وُلِدَ في عام 1967، وهذا ما يسمّى بعام النكبة، واحتارت النساء بماذا تسميه، فواحدة قالت: سمّوه «بكراً»، وأخرى قالت: تباركت الأسماء نسميه «جمعة»، وثالثة قالت: خير الأسماء ما حمد وعبد، سمّوه «سعداً»، لكن المولود الجديد إلى هذا العالم ظلّ يصرخ رافضاً كلّ هذه التسميات، حينذاك دخلت الجدة إليهم بوقارها الحصيف وقالت للعائلة التي التمت مع إشراقة الصباح: أريد أن يكون له نفس اسمي، ثم ضربت عكازتها بالأرض واستدارت تريد الخروج.


صَّفَّقَتْ البنات والنساء هلهلت، ها قد تَحقّق الحلم، ها هو محمّد يكرج في الدار، ومنذ ذلك اليوم إلى هذه الساعة، البلاد تتقاسم روحه، يبدو كالمذهول، ولكنّه ذكي بالفطرة، لذلك اختار أن يجمع بين طبيعة بلاده ومناخها المعتدل، وارتفاعها عن سطح البحر، وبين حبّه للمغامرة والشعر، ففّضل الثانية، حمل زوادته وقرّر أن يلقي بها في فضاء الله. عام النكبة الذي وُلِدَ فيه يؤرخ كذلك بأنّه العام الذي فيه بدأ البث التلفزيوني لمدينة «أبها» عروس الجنوب التي وُلِدَ فيها، وصاروا يشاهدون الحروب الكبيرة والحروب الصغيرة في التلفزيون، يقعدون وهم يفتحون كلّ شيء فيهم، مذهولون من هذه الآلة التي تريهم العالم وما يجري فيه.

لقد جاء المهنّئون والمباركون إلى حفلة «العقيقة» وانبرت واحدة من النساء المباركات لتهدي أمّه قلادة مطلية بالنحاس، والشاعر يذكرها جيداً، بأن لها رنين الأمطار على الأرصفة البعيدة، وبقيت مرفوعة لم يستخدمها أحد إلى اليوم.

بدأت حفلة الولادة، النساء يقرأن سورة «الفاتحة» والمعوذتين كي لا يدخل الحسد إلى هذا البيت، وكي يبعد الشياطين عنه، اشعلوا البخور ذا الرائحة المنعشة والساحرة، وجاء شيخ الحارة، واستقبل خير استقبال، ووضع في صدر البيت، كما جاءت النساء وهن يحملن الطناجر والصينيات والصحون الكبيرة، لقد عجّ البيت بالناس، في الطابق العلوي بشر، وفي الطابق السفلي بشر، البشر في كلّ مكان، بشر تصفّق وأخرى تزغرد، وواحدة تقول كلاماً غير مفهوم لمحمّد، وهو مذهول من كلّ شيء يجري حوله.

درس محمّد خضر في مدارس مدينة «أبها»، ومنها انتقل إلى كلية الآداب لأنه كان يعتقد أنّ هذه الكلية ستعلمه صناعة الشعر، لكنها لم تعلّمه سوى أن يرفع الفاعل وينصب المفعول به ويجر المضاف إليه، وحفظ بعض الأشعار في الجاهلية والإسلام، لذلك قرّر أن يلتفت إلى نفسه وإلى لغته الخاصة التي تجعله يشعر بحركة رفيف أجنحة الفراشات، وهي تطير، وبرائحة الأرض بعد المطر، إنها تذكره دائماً برائحة شال الجدة وأمّه... تلك الرائحة التي ستبقى في كفك وثوبك بعد غياب أصحابها، لقد وُلِدَ شاعراً، وكبرعلى ذلك واستمر فيه.

جرّب القصيدة العامودية، وكتب بعض القصائد، لكنها لم ترضيه، لقد جرّب كلّ أنواع الموزون والمقفى، ولم يقتنع به، ووجد نفسه تحلّق عالياً حين قال قصيدة النثر... إنّه بها يلتقط الكلمات وكأنها رحيق الزهور، وكأنها الزبد الأبيض في لجة البحر.

ولكن قصيدة النثر تعبّر عن حالة، أو هي صورة في حالة، لذلك راح يفجّر الذي في داخله لينتج هذه الحالة، فكتب لليل هذه الكلمات:

أيها الليل كف

عن هذا التواضع الكاذب

أرنا ما تملكه

ويتشدق به النهار

ويعرّف محمّد خضر الشعر، فيقول عنه: إنّه علاقتنا مع اللغة، ومدى تلك العلاقة، قوّتها وضعفها وعمقها. كذلك تحوّلت الصّور الممتزجة بالغرابة والدهشة إلى أن تجمع خطوطاً متناغمة، وتضم أنسجة لغوية تشكل في تداخلها جسد القصيدة، وهذا الجسد الشعري ينتشر ويتسع، يمتد ويترامى مجاوزاً البعد الواحد والدلالة المفردة، يقول محمّد خضر من قصيدة «شاعر»:

أيُّها الزائر الليلي

ينابيع من نور تتفجّر حولك

وعصافير تنطلق

من أوراقك الساقطة

والصور تنفرد بذلك التكثيف اللغوي الذي يتجسد في ألفاظ ذات معطى حيوي، وتتميز بذلك الأداء اللغوي الذي لا يفقد نصاعته ولا تشجب نضارته، يقول الشاعر محمّد خضر من قصيدة «منديل»:

شيء ما

أسفل هذا الليل

هذا الليل الطويل

ينحسر في الخلوة

لكنه ليس لغزاً

ولا هو مجازاً

ولا سراً

محض شيء

أسفل هذا الليل

وقد تتركّب الصورة من مشاعر وتفور، إنها تكتسب تصميمها الفني من تلك العلاقة التي تقوم على المبنى والمعنى، ومن ذلك الاندماج العضوي الذي يتجسّد في تشابك الكلي والجزئي، ويضم أبعاداً شعورية ولا شعورية تتنامى في دائرة الكون الشعري جميعه، يقول الشاعر من قصيدة بعنوان «اكتشاف»:

البراري التي يركض فيها الدفء

البراري الجرداء

دونما نتوءات أو تجاعيد

المكتنزة بينابيع متدفقة

بهضاب وتضاريس وأحافير

وآثار

البراري الناعمة الملساء أضيع فيها بمحض إرادتي

ظامئاً وسعيداً

إنّ هناك تبادلا عضوياً، بين الصورة والمضمون، وسوف تتكشف ملامحه عن طريق الانفعال، ويقوم النشاط الفكري بعملية تنظيم دائم لجزئيات الصور المتدفقة، وتعمل المشاعر على طبع إلماعات الصور المتدفقة لتتجلى المسارب الغائصة، وتتكشف محاجة القصيدة، يقول من قصيدة «مؤقتاً... تحت غيمة»:

كنت أبحث عن فضاء

يليق بي

واكتشفت أنّ الشمس

تتقصدني باصفرارها

فاختبأت

كنت أبحث

عن وقت أضع رأسي

في عقاربه وأنام

كنت بين يديك

أين ألقاك ؟

ضحكت الريح وقالت

بين نوء وشراع يتمزّق

رحلت... ولكني أخذت قصيدتي

إنها/أنك/إنني

رماد حميد

وقد يتكئ الإداء الفني على إثارة مشاعر إيحائية، إنها تعتمد على النقلات الخاطفة لمجمل الحالة الشعرية مجاوزة سكونية الوصف، ومتعدية رتابة السرد، يقول الشاعر

من قصيدة «شمالاً باتجاه المرأة»:

يا أيها الضوء

الذي يأتي عل شكل امرأة

سجادتي اكتملت نسيجاً... عبقرياً

واحتي حبلى بمثلك... أيها الوهم العتيد

يا أيها الشجر... الموزع في وريدي... استقر

نزفي حميد... إن تساقط

والسفوح وشاية للقاع

والشاعر نراه وقد استحوذت عليه لغة الحياة اليومية، في مستوى العبارات ومستوى تركيب الجمل، وقد برزت فيه قضايا الإنسان المعاصر ومشكلاته وتفصيلات حياته اليومية، بما فيها الإحساس بالضياع والاضطراب الفكري والروحي، ولم يكن مناسباً أن يعبر عن ذلك بلغة الشعر القديم، كان عليه أن يبحث عن لغة جديدة تستطيع أن تصوغ موضوعاته الحياتية الجديدة، يقول من قصيدة «صهيل»:

تنساب في دواخلي

نظراتك التي تفضح قلبك

نظرت إليَّ لأوّل مرة

تسربت إلى الأعماق

أفرجت ما في القلب

من صهيل

لقد ترك أسلوب الحديث اليومي أثره واضحاً عند الشاعر محمّد خضر، وهو بذلك حريص على إفهام السامع، وهو يستخدم هذه اللغة البسيطة بهدف التوضيح والتأكيد.

وينبغي الإشارة هنا إلى أن تمثل اللغة الحديث اليومي على هذا النحو قد زوّد شعر محمّد خضر بقيمة أسلوبية إضافية، تبدو في المناسبة الذكية الواعية بين طبيعة الموضوعات وطبيعة اللغة المستخدمة للتعبير عن تلك الموضوعات، لاحظ بساطة الحياة في المجموعات التالية: مؤقتاً تحت غيمة 2002. صندوق أقل من الضياع 2007 . أتمشّى بنصف سعادة 2008 . تماماً كما كنت أظن 2009. وله رواية واحدة هي: السماء ليست في كل مكان.