فخار نساء سنجان التونسية تراث عالمي محفوظ منذ القدم

صنع ألأواني المختلفة الأحجام ومجسمات لسلاحف وأحصنة . (أف ب)
سجنان، تونس - أ ف ب |

تضرب صبيحة بازميلها وتقتلع أجزاء من الطين لتملأ بها سطلها الرمادي اللون وتحمله إلى محترف داخل ضيعتها في شمال غرب تونس، حيث تتفن بأناملها في صنع الأواني الفخارية بتقنيات ورثتها واتقنتها عن أسلافها.


وتشتهر نساء سجنان بمهارة وحرفية عاليتين في تطويع الطين وصقله ليصبح لاحقا تحفا فنية مزينة بألوان طبيعية خالصة ما دفع منظمة اليونسكو إلى ادراجه في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية. وتقول صبيحة الخمسينية لوكالة فرانس برس إن الاشكال التي تزين بها الأواني "بربرية وهي نفسها التي تستعمل في اللباس والأوشام التقليدية".

تجلس الحرفية أمام أكداس الطين وتمضي طيلة اليوم تقريبا في صنع ألأواني المختلفة الأحجام ومجسمات لسلاحف وأحصنة فيما تمتد من أمامها حقول خصبة تملكها العائلة.

تعجن بساقها خليط من الطين والآجر المرحي أعدته زوجة شقيقها خصيصا لكي يصبح المزيج أكثر صلابة ويصعب كسره عند الاستعمال. تُطلى التحف إثر عملية التجفيف بطبقة رقيقة من الطين الأبيض ويزين المئات منها بأشكال ورسوم باستعمال محلول طبيعي أحمر اللون.

تتقاسم صبيحة جلستها داخل المحترف أحيانا مع أمّها التي تأتي لإعانتها على صقل الأطباق باستعمال صدفة محار البحر.

لا تتطلب مراحل انجاز العمل وسائل ومعدات معقدة، بل فقط إطارات وهياكل خشبية لوضع الطيف فوقها وبعض الأجزاء من نعل قديمة تستعمل للصقل وأعواد شجر لتزيين ورسم الأشكال. أمّا عملية التجفيف فتتطلب فقط إشعال النار في بقايا الحيوانات وقليل من الحطب. يجمع الطين بألوانه المختلفة من الغابات والأودية المتاخمة لسجنان في منطقة الشمال الغربي حيث تمتد الزراعات والاراضي الفلاحية.

تلجأ نساء سجنان لأوراق شجرة "الضروُ"، تهرسنها ويستخرجن منها سائلا أخضر اللون تغمس فيه الأعواد لتزين بها التحف وليتحول لونها بعد عملية التجفيف الى الأسود القاتم. وتروي صبيحة وهي تشير إلى جرّة قديمة صنعتها جدتها "عندما كنت صغيرة، كنا نصنع كل مستلزمات المطبخ... لم نكن ندرك حقا قيمتها".

تطحن كل الأواني القديمة المكسورة ويُعاد تدويرها ومزجها في خليط جديد تصنع منه تحف جديدة.

ويؤكد الباحث التونسي في علوم التراث الناصر البقلوطي لوكالة فرانس برس أن هذا الصنف من صناعة الفخار يدويا يعود تاريخه الى 3550 سنة قبل الميلاد. ويوضح "لم يطرأ عليه تغيير كبير لا من الناحية التقنية ولا الفنية".

لكن منذ حوالي نصف قرن "تأقلم الحرفيون مع متغيرات نمط الحياة ومروا من مرحلة الانتاج النفعي الى الانتاج من أجل التزويق"، على ما يوضح البقلوطي. تقلص الإقبال على هذه الأعمال الفنية منذ السبعينيات عندما اكتسحت الأواني والصحون المعدنية البيوت في الأرياف ولم تعد نساء سجنان تصنعنها بأناملهن. غير أن "لهذه المصنوعات جمالا في التزويق ما جعلها تدوم"، وفقا للبقلوطي.

تتذكر صبيحة أنها في صباها كانت تجمع القليل من الطين من جوار منزلها وتشكل به حيوانات من الفخار ودمى لعرضها على جنبات الطريق وبيعها في مقابل بضعة نقود. وتقول صبيحة "كنا نجمع مئتي مليم وأحيانا خمسمئة" (حوالى ربع يورو) ما يمثل مبلغا مهما للعائلة الريفية آنذاك.

وتنتشر على الطريق الرئيسية في تلك المناطق بعض الاكواخ التي نصبتها نساء يعرضن فيها القطع للبيع وهي باتت تستعمل كديكور ويحافظن بذلك أيضا على تقنيات رسم الأشكال التي ورثنها. وتشارك بعضهن في معارض في العاصمة تونس وكذلك في تظاهرات دولية في أوروبا وتبيع بعض المحلات في جنوب فرنسا فخاريات سجنان.

تعلمت صبيحة نقش اسمها على تحفها مع أنها أُميّة. ومكنتها حرفيتها العالية وذوقها اللافت في إبداع الأشكال من استقبال طلبيات بانتظام.

تقول صبيحة مرتدية لباسا تقليديا أحمر اللون ووشاحا زهريّا، بفخر كبير "أنا سفيرة لتونس". تعتبر صبيحة من النساء القليلات اللاتي يعتمدن على صناعة الخزف كمدخول أساسي للعيش.

تتطلب صناعة الخزف مجهودا جسديا كبيرا وتمضية وقت طويل وصبر وهو ما لا يتوافر لدى الأجيال الجديدة. وتقول صبيحة "الجيل الجديد متسرع، ولكن (هذا العمل) يتطلب وقتا".

ويبقى التحدي أمام نساء سجنان نقل معارف وتقنيات الحرفة القديمة الى جيل يستطيع الحفاظ عليها مثلما دأبت على ذلك صبيحة مع تدريبها العديد من الحرفيات في المنطقة.

كذلك تسعى صبيحة الى نقل أسرار حرفتها الى زوجة ابن شقيقها خديجة داعية إياها إلى مغادرة عملها في المصنع والعودة إلى البلدة لتتعلم تقنيات الخزف وتحفظ موروث العائلة.

وتقول صبيحة "ستكون حرة أكثر هنا وتحفظ كرامتها".

غير أن خديجة تبدو مترددة وتؤكد "لا يمكن أن تكون مرغما عليها، فهي تتطلب الرغبة".