سحور رمضان وعاداته في ميزان ابن الحاج

محمد فوزي رحيل |

يعد شهر رمضان واحداً من أهم المواسم الإسلامية، بحكم ارتباطه بأحد أعمدة الإسلام الخمسة وهو الصوم، ومن ثم تحرص كل الشعوب الإسلامية على إتمام هذه الشعيرة على النحو الأمثل من صيام في النهار وتطوع في الليل بالقيام والإكثار من قراءة القرآن الكريم، ناهيك عن الإنفاق في وجوه البر. وبالرغم من وحدة الهدف والقواسم المشتركة إلا أن كل شعب من الشعوب الإسلامية له ما يميزه من العادات الرمضانية التي رصدتها كتب الرحالة والمؤرخين، وعليه فقد اهتم الباحثون بالبحث في هذين النوعين من المصادر عن العادات الرمضانية بحكم أنها مظاهر حضارية لا غنى عن الاهتمام بها ودراستها. غير أن الباحث المدقق يجد هناك مصادر أخرى غير تقليدية يمكن أن يلجأ إليها المؤرخون للجوانب الحضارية ومنها كتب الفقه التي لم يتوقف الكثير منها عند ذكر الأحكام المرتبطة بالشعائر لكنها تعدتها لرصد العادات المرتبطة بهذه العبادات ووضعها في الميزان النقدي لبيان مدى مطابقتها للشرع أو مخالفتها، ومن أبرز من اهتم بهذا الأمر الفقيه المغربي المالكي ابن الحاج.


وابن الحاج هو الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري المالكي الفاسي الشهير بابن الحاج المتوفى 737هـ. كان قاضيا وفقهيا مالكيا رحل من فاس إلى مصر وصحب الشيخ أبا محمد بن ابي حمزة، الذي أقترح عليه تأليف أهم مؤلفاته وهو كتاب "المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنتحلة". قال العلامة ابن حجر العسقلاني: "هو كثير الفوائد كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها وأكثرها مما ينكر وبعضها مما يحتمل". ومن خلال تصفح هذا الكتاب القيم يمكننا رصد كثير من العادات والتقاليد الرمضانية في مصر والمغرب والشام، التي وضعها ابن الحاج موضع النقد والتمحيص لبيان مدى شرعية هذه العادات.

ومن العادات التي رصدها ابن الحاج عادات التسحير ومنها: تسحير المؤذنين في القاهرة، حيث يهرع المؤذنون عند منتصف الليل إلى المآذن لتنبيه الناس للسحور، حتى يكون لديهم وقت كافٍ للتسحر والإمساك قبل حلول الفجر فلا يختلط عليهم الأمر حال ضيق الوقت أو ذهابه، وقد سمى ابن الحاج السحور بالغداء المبارك لأنه يساعد المسلم على الصيام، إذ يقول المؤذنون :"تسحروا كلوا واشربوا"، وما أشبه ذلك على ما هو معلوم من أقوالهم ويقرأون الآية الكريمة 183من سورة البقرة وهي قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ويكررون ذلك مراراً عدة ثم يسقون أي يقرأون الآيات الكريمة من سورة الإنسان بدءًا من "إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)" إلى قوله تعالى "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)"، وأحيانا ينشدون القصائد الدينية. وانتقد ابن الحاج التسحير في منتصف الليل؛ لأنه بعيد عن الفجر، وربما يؤدي السحور المبكر لخمول الجسم والنوم عن صلاة الفجر، وسرعة الجوع في أول النهار، وفضل قرب السحور من وقت الفجر حتى لا يجوع سريعا. كما أن أصوات المؤذنين العالية ربما تؤثر على المتهجدين في المساجد سلبا وتشوش عليهم.

وهناك طريقة أخرى للتسحير رصدها ابن الحاج في القاهرة أيضاً وهي التسحير بالطبلة حيث يطوف بها أصحاب الأرباع (الربع تجمع سكني مكون من طوابق يؤجرها عامة الناس) وغيرهم على البيوت ويضربون عليها فينتبه الناس للسحور. وأما أهل الإسكندرية وأهل اليمن وبعض أهل المغرب فيسحرون بدق الأبواب على أصحاب البيوت وينادون عليهم قوموا كلوا. وأما أهل الشام فإنهم يسحرون بدق الطار وضرب الشبابة والغناء والرقص واللهو واللعب وقد استنكر ابن الحاج ذكره وقال عنه :"هذا شنيع جداً". وأشار إلى أن بعض أهل المغرب يفعلون قريبا من فعل أهل الشام، حيث إذا كان وقت السحور يضربون بالنفير على المنار ويكررونه سبع مرات ثم يضربون بالأبواق سبعاً أو خمساً فإذا قطعوا حرم الأكل إذ ذاك عندهم. وبالرغم من انتقاد ابن الحاج لعادات تسحير المصريين إلا أنه حسنها عن عادات المغاربة والشاميين ومن ثم قال : "رأيت بعض المغاربة وكان من البلد الذي يسحرون فيه بالنفير والأبواق لما أن سمع المسحرين في هذا البلد -القاهرة- يقولون تسحروا وكلوا واشربوا قال ما هذه البدعة وأنكرها لاستئناسه بما تربى عليه، وهو أكثر شناعة وقبحا وأقرب إلى المنع بما أنكره هنا فالعوائد قل أن يظهر الحق معها إلا بتأييد وتوفيق من المولى سبحانه وتعالى".

كما رصد ابن الحاج وجها آخر من وجوه التسحير وهو التسحير بالفوانيس المنيرة، التي ترفع فوق الصواري أو الأماكن المرتفعة، حيث اتخذ ضوء الفانوس كدليل على استمرار وقت السحور فإذا أطفئت فهذا يعني أن وقت الصيام قد بدأ. وقد لاقت هذه العادة الانتقاد أيضاً من ابن الحاج لعدد من الاعتبارات منها أن بعض الفوانيس قد يطفئها الهواء في أثناء الليل فيظن من لا يراها موقودة أن الفجر قد طلع فيترك الأكل والشرب وغيرهما وقد يكون مضطرا إلى ذلك فيتضرر صومه. وربما ينساها من هو موكل بها موقودة أو ينام عنها فيظن من يراها كذلك أن الفجر لم يطلع فيأكل أو يشرب فيفسد صومه. وربما يحاول أن ينزلها المسؤول عنها فتشتبك وهي موقودة ولا يقدر على خلاصها، ومع تكرار المحاولة ربما يسقط الفانوس على رأسه فيتعرض لإصابة مميتة. وقد رأى ابن الحاج أن أصح الأمور هو ما كان متبعاً للسنة الأولى من التسحر على أذان بلال والإمساك على أذان ابن ام مكتوم. لكن بالرجوع لرحلة ابن جبير نجد أن ما شاهده ابن الحاج في القاهرة لم يكن محدثاً غريباً بل قديم، ففي زيارة ابن جبير لمكة عام 579هـ صام رمضان كاملاً في المدينة المقدسة، ومما رصده من العادات الرمضانية عادات التسحير التي جمعت بين جميع المظاهر التي رصدها ابن الحاج في القاهرة، ومن هذه العادات ضرب الفرقعة وهي قرع الطبول عالية الصوت ثلاث مرات: أولها عند أذان المغرب والثانية عند أذان العشاء والثالثة في منتصف الليل أو العشاء الآخرة، ثم يقوم المؤذن الزمزمي بالتسحير فوق الصومعة أو المئذنة في ركن المسجد الشرقي بسبب قربها من دار أمير مكة، وتسحيره مثل مسحري القاهرة بالدعاء والذكر والحث على السحور يعاونه في فعله أخوان صغيران يرددان خلفه ويعاونانه في فعله، وفوق المئذنة نصب خشبة طويلة في رأسها عود علق في طرفيه قنديلان كبيران من الزجاج، اتخذا علامة على السحور فما دام وقت السحور دامت الإضاءة فإذا انتهى وقت السحور وجاء الإمساك مع طلوع الفجر أنزل المؤذن القنديلين وشرع في أذان الفجر فيتبعه باقي مؤذني الحرم بالأذان، وذكر ابن جبير أن من لم يسمع نداء التسحير من أهل مكة يصعد فوق داره فإذا وجد المصبحان مضاءان استمر في الطعام والشراب فإذا وجدهما مطفأين أمسك. إذن، ما شاهده ابن الحاج من عادات التسحير في القاهرة كان أمراً قديماً غير محدث، ووجد لعلة وهي توفير وسائل عدة للصائمين يعلمون بها وقت السحور والإمساك في عصر كانت فيه وسائل الإعلام محدودة.

مجمل القول، أن كتب الفقه تعد من أهم المصادر التي لا غنى عنها للمؤرخ بحكم صدور الفتاوى بناء على واقع اجتماعي معاش، وعليه تكون المادة التاريخية المستمدة منها أقرب للواقع الذي كان.