اقتداء الغافل باهتداء العاقل للقَسْطَلاَّنِي

إبراهيم البيومي غانم |

كادت مخطوطةُ هذا الكتاب "اقتداء الغافل باهتداء العاقل" أن تسقطَ من يد الزمن ويطويها النسيان، لولا مبادرة الأستاذ أحمد جمعة عبد الحميد بتحقيقها وتدقيقها، ولولا أن المعهد الألماني للأبحاث الشرقية التابع لمؤسسة ماكس فيبر في بيروت قد تبني أمرَ مراجعتها، وتولت وزارة الثقافة والأبحاث العلمية الألمانية تمويل نشرها في طبعة قشيبة، وبهية الإخراج (274 صفحة)، صدرت في سنة 2015م عن دار الفارابي في بيروت. أما أنا فلم أكن أعرف شيئاً عن هذا الكتاب قبل أن يهديني الدكتور رضوان السيد نسخة منه أثناء زيارتي له في نوفمبر الماضي بمكتبه بالجامعة الأمريكية في بيروت.


والمؤلف قطب الدين محمد بن أحمد بن علي القسطلاني (614- 686هـ/ 1218- 1287م). جاء في طبقات الشافعية للسبكي أنه: سمِع من والده العلم، ومن الشيخ شهاب الدين السُّهرَوَرْدِي، ولبس منه خرقة التصوف، وسمع العلماءَ في مصر ودمشق من أصحاب السِّلفي، وأصحاب ابن عساكر، وببغداد من جماعة أخرى من العلماء. وقد قرأَ العلم ودرس وأفتى ورحل في طلب الحديث النبوي؛ فهو محدثٌ وفقيه ومتصوف في آن واحد؛ بل يعدُّه البعضُ من كبار المتصوفة في زمنه.

ولكن أغلبَ ما كتبه في التصوف هو ما بين "المجهول والمفقود"، كما يقول محقق هذه المخطوطة، الذي أفاد أيضاً في هامش الصفحة الثانية عشرة من تقديمه: أن حبيب الله حسن أحمد قد حقق ثلاث رسائل للقسطلاني في التصوف. رسالتان منها طبعتا مع بحثه: "جهود القطب القسطلاني في رسم الطريق إلى الله"، الأولى هي: "تحفة المفيد والمفاد في صفة المريد والمراد"، والثانية: "شعار الإظهار في منازل المقربين والأبرار". أما الثالثة فطبعت ضمن بحثٍ له بعنوان:" الدعوى والشطع عند الصوفية"، وهي رسالة في المنع منهما بعنوان: "نصيحة صريحة من قريحة صحيحة، في المنع من الدعوى والشطح، وما يتعلق بها من الذم والمدح".

وإلى جانب "اقتداء الغافل... ألَّفَ القسطلاني في التصوف أيضاً كتاب "الارتباط" وقد ذكره السَّخاوي صراحة في كتابه "القول المنبي عن ترجمة ابن عربي"، ولكن مخطوطة الارتباط لا تزال ضائعة. ورغم أن جماعات التصوف وتنظيماته وطرقه يرجع تاريخ بدايتها إلى العصر العباسي على الأقل، ورغم كثرة المآخذ على أرباب الطرق الصوفية وشيوخهم واتهامهم بالشطح والتخريف، وادعاء الكرامات وخوارق العادات؛ إلا أن الأعمال النقدية الرصينة لمآخذهم وشطحاتهم لم يصلنا منها سوى ما كُتب في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي؛ حيث يعدُّ كتاب "اقتداء الغافل" من أقدم ما وصلنا من كتب النقد الذاتي عند المتصوفة. وكان القسطلاني معروفاً في زمنه بكثرة الإنكار على أدعياء التصوف، واشتهر بمؤلفاته التي تُشهِّرُ بأولئك الأدعياء.

وقبل المضي في بيان بعض أوجه نقد التصوف والمتصوفة عند القسطلاني، تجدر الإشارة إلى أهم الجوانب الإيجابية. فالتصوفُ الصحيح معناه: "العناية بعلوم التربية والسلوك"، ولا غني عنه في التنشئة الروحية وتزكية النفوس، وفي إعداد الأجيال المتعاقبة وتهيأتها لتحمل المشاق في طريق عمران الحياة، والقرب من الله ونيل رضاه. كما أثبتت وقائع التاريخ أن أغلبَ حركات الجهاد ضد الغزاة قديماً، والمحتلين حديثاً، قد استفادت من خبرة الطرق الصوفية في التنظيم والتدبير والتمويل عبر إقامة شبكة واسعة وقوية من العلاقات العلنية والسرية بين أفراد الجماعة والمجتمع، وكذلك عبر حرية الحركة وحيويتها وقدرتها على الانخراط في الأوساط الشعبية في البوادي والأرياف والمدن على السواء.

كتاب "اقتداء الغافل..." يشي عنوانُه أنه ينتمي إلى المؤلفات النقدية الساعية لإصلاح التصوف وتخليصه من الأوشاب والخرافات التي تفرغه من مضمونه، وتقلب إيجابياته إلى سلبيات. وقد اهتم كثيرٌ من العلماء بهذا الجانب النَّقدي أملاً في المحافظة على نقاء التصوف، وحتى لا تؤدي سوء الممارسات إلى التضحية بأصل فكرة التصوف ورسالته التربوية والروحية باعتبارها مكملة لبقية منظومة القيم الإسلامية الكبرى التي تشكل رؤية متوازنة للعالم في وعي المسلم. ومن أقدم أولئك العلماء النقديين: القسطلاني المتوفي سنة 686هـ/ 1288م، ومن بعده عماد الدين الواسطي المتوفي 711هـ/ 1312م، وابن تيمية المتوفي 728هـ/ 1328م، وسيف الدين السعودي المتوفي سنة 736هـ/ 13136م، وتقي الدين السبكي المتوفي سنة 756هـ/ 1355م، وسراج الدين البلقيني المتوفي سنة 805هـ/ 1402م، وشمس الدين الزبيري المتوفي سنة 808هـ/ 1406م، وتقي الدين الفاسي المالكي المتوفي سنة 832هـ/ 1429م، وشرف الدين بن المقري الشافعي المتوفي سنة 837هـ/ 1434م، والعماد الكازروني المتوفي سنة 860هـ/ 1456م، وجلال الدين السيوطي المتوفي سنة 911هـ/ 1505م. وغيرهم كثرٌ واصلوا نقد انحرافات المتصوفة وشطحاتهم المناقضة للعقل، والمضادة لحسن التوكل على الله في كسب الرزق. ومن أحدثهم الشيخ محمد فتح الله كولن التركي، الذي أضاف لتراث التصوف النقدي مؤلفاً بديعاً من أربعة مجلدات ضخمة بعنوان "التلال الزمردية". هو بكل المقاييس عمل تجديدي للخطاب الصوفي التقليدي. فعباراته واضحة، ووجهته عملية. لا غموض فيها ولا ألغاز. وهو محاولة رصينة لعقد مصالحة بين أهل الشريعة وأهل الحقيقة، أو فقه الظاهر وعلم الباطن. وينطبقُ ذلك أيضاً- وبدرجات متفاوتة- على مؤلفات أخرى صدرت له منها كتاب "ونحن نقيم صرح الروح"، وكتاب" ترانيم روح وأشجان قلب"، و"الموازين" و"طرق الإرشاد في الفكر والحياة". والمضمون العام لهذه المؤلفات يقدم نقلة نوعية وتجديدية في مجال التربية الروحية، وتقويم السلوك، وترجمة الأخلاق إلى نمط حياة يضج بالحيوية والفاعلية، والاستبشار بالمستقبل، والامتلاء ثقة بالله سبحانه وبالنفس، وبالقدرة على النجاح في الدينا والفلاح في الآخرة.

لم يكتف القسطلاني بنقده اللاذع لأحوال المتصوفةِ في زمنه، وإنما قدَّم أيضاً الصورة النموذجية للتصوف الصحيح الفعال، ولما يجب أن يكون عليه الإنسانُ الصوفي الحقيقي، يقول:" فإذا تبين وصفُ هؤلاء للعاقل، تعيَّن عليه أن يعلم وصف حال الرجل الكامل، وهو الرجل الذي فوتح قلبُه بإقبال الإنابة، فدخل من باب التوبة إلى الإجابة، ثم جاهدَ نفسه في خلوته وعزلته بالانفراد، ثم صاحب التقوى والورع والزهد في سيره، ثم ترقى في المقامات والأحوال، ثم إلى مقامِ المعرفة، ثم عمل على ترك مراداتِه، واجتناب الملاحظة لحظوظه، فصار عبداً حقاً، آثر الله على ما سواه في سره ونجواه، ولم يعتمد في أمره شيئاً من هواه". (ص5 مقتبس من نص في مقدمة المحقق).

يفرق القسطلاني بين "الصوفي والفقير" فيقول:" العلومُ المطلوبة تنقسمُ إلى علم وعمل، كالطب والفقه والنحو وغير ذلك. وكذلك علم هذه الطائفة ينقسمُ إلى علم بمصطلح أهلها، وإلى عمل بأخلاقها. وقبل أن نشرع في ذلك يتعين أن ننبه على الفرق بين الفقير والمتصوف في اصطلاح أهل الطريق: هل هما سواء، أم أحدهما أتم من الآخر عند ذوي التحقيق؟ وبين الفقراء والصوفية تشاجرٌ في ذلك، ونحن نوضح الحق في ذلك إن شاء الله تعالى فنقول: قال شيخنا السهروردي: التصوف فوق الزهد وفوق الفقر"، "وقال قوم: هما سواء، وقال آخرون: مسمى الفقر أعلى، فإن الكتاب والسنة به نطقاً" (ص 55 و56). ثم يؤكد على أن "اسم التصوف محْدَثٌ، لم يكن يعهد في السلف الصالح ذلك الاسم، قال تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله" (البقرة: 273)، وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدخل فقراءُ أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمس مئة عام" (أخرجه الترمذي، وقال هذا حديث حسن صحيح).

ويحاول القسطلاني حسم الخلاف فيقول: "وما عُهد تسميتُه سابقاً، وسمع في الكتاب والسنة النطق به، كان الانتهاء إليه، والتعريفُ بسيماه أولى من الاسم المحدث"، ولكنه يعود إلى التسليم بما عليه جل أئمة هذا الشأن، وهو أن اسم الصوفي أعلى رتبة وأولى نسبة وأخص بالمعنى المراد. ويحتجُّ لهذا الرأي بعديد من الحجج العقلية منها قوله: إن النظر في العلوم، إما أن يقع في التكاليف الظاهرة، وهو المسمى بـ"علم الفقه"، أو في ذات الله وصفاته، وهو المسمى"علم الكلام"، أو في الموجودات من حيث التركيب والهيئة والعوارض اللاحقة، واللازمة لها، وهو ما يصح به تقويم المعاني من الألفاظ، وهو المسمى "الفلسفة" المشتملة على المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي، أو في الاعتبار في الموجودات من حيث إتقان الصنعة وحسنها، وإضافتها إلى مخترعها ومبدعها، وقطع النظر عن التعلق بمحبتها، وتطهير النفس وتزكيتها، واعتبار أحكامها الباطنة، وما يؤول أمرها إليه في الدار الآخرة، وإقامتها على قدم الاستقامة، والخروج عن المطالبات البشرية، وترك المرادات الجيدة والردية، والاكتفاء في نفسه وغيره بعلم الله في الموجودات والوقائع المتجددات، فهذا هو "علم التصوف"، وهو عندهم في المصطلح اسم للمقرب من جناب الرب". (ص59، و60).

يلفت النظر في تقسيم القسطلاني لكتابه هذا ما وضعه من عناوين لمحتوياته، فهو يقسمه إلى: مقدمة، وأطراف وفصول وأنواع ومقاصد وعقبات وتتمية هي خاتمة الكتاب. ومثل هذا التقسيم يكاد يكون خاصاً بالقسطلَّاني، وتتجلى فيه أصالة التأليف والاجتهاد وبراعة الصياغة والعرض. أما المقدمة فهي بمثابة توطئة للموضوع، وهي تشتمل على طرفين: الأول "في العلم وبيان شرفه لصاحبه ونوعه وأدبه لطالبه"، والثاني "في بيان المسالك للسالك، وما يتعين عليه أن يتوقى في طريقه من المهالك"، ولكل منهما أنواع ومقاصد: النوع الأول فيما يتوجب من الوظائف على من جدَّ في الخدمة وتعرض لمواهب اللطائف، وفيه ثلاثة مقاصد وجملة من الوجوه والأصناف والعقبات والعوارض. والنوع الثاني: في بيان شرح المقامات لأهل الإرادات وفتح باب الزيادات على من يرغب في الإفادات، وفيه ثلاثة فصول، بكل منها أقوال وأقسام، ثم التتمة وهي في المفاضلة بين "العزلة والمباشرة"، وفيها أربعة أقسام: الأول في أصلها، والثاني في فضلها، والثالث في أدب الدخول في سن الأربعين وما يتوجب المحافظة عليه، والرابع في ثمرتها وما يتجدد بعد فعلها من تركها (ص207- 228).

ومن اختيارات القسطلاني ذات الغزى، أنه مال إلى تقسيم المقامات الصوفية إلى ثلاثة أقسام: مبادئ وهي المعاملات، ووسائط وهي الحالات، ونهايات، وهي الكمالات. وقد اختار هذا التقسيم من بين عشرات من الأقوال المتلاطمات في هذا المجال. وفيما يخص المبادئ قال "إنها عشرة: الانتباه، والتوبة، والإنابة، والمجاهدة، والورع، والزهد، والإرادة، والمراقبة، والفتوة، والصدق". وقد بقيت هذه المبادئ تؤثر في الوعي الجماعي عبر المراحل المتعاقبة من تاريخ الحضارة الإسلامية، واكتسبت مضامين وعناوين مختلفة بحسب طبيعة كل مرحلة؛ حتى جددها أحد رواد الإصلاح والنهضة في العصر الحديث، وأعاد تسميتها بمعان تجعلها في فاعلة في مواجهة التحديات المعاصرة فسماها وهي عشرة: "الفهم، والإخلاص، والعمل، والجِهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوَّة، والثقة". وشرحها شرحاً جديداً، يختلف في جوانب أساسية منه عن شرح القسطلاني لكل مبدأ منها، فقد شرجها شرحاً صوفياً اعتماداً على أقوال كبار أئمة التصوف من أمثال إبراهيم بن أدهم، وأبي يزيد البسطامي، وابن عطاء الله السكندري وغيرهم.

هذا الكتاب ليس إضافة جديدة إلى تراث التصوف النقدي فحسب، وإنما هو إضافة مرجعية جديرة بالنظر والعناية من جانب خبراء التربية والتعليم وعلم النفس؛ ففيه ما ينفع الناس، والله أعلم.