شهر رمضان في كتابات الرحالة تشارلز داوتي

علي عفيفي علي غازي |

يجوس الرحالة الغربيون، منذ بداية القرن السادس عشر، الفيافي والقفار في الجزيرة العربية، بهدف الكشف عن مجاهيلها، ومعالمها، وآثارها، ومعرفة عادات وتقاليد سكانها، وأخبار وأحوال ناسها، متحملين بصبر وجلد شظف العيش، وقسوة الصحراء. وعلى مدار أربعة قرون امتدت حتى منتصف القرن العشرين شهدت الجزيرة العربية زيارة قافلة من الرحالة والمغامرين الأوروبيين، الذين سجلوا رحلاتهم، وما توصلوا له من نتائج، الأمر الذي يجعل من كتاباتهم مصدرًا مهمًا لا غنى عنه لكل من يتصدى للكتابة عن تاريخ المنطقة وجغرافيتها وآثارها الحضارية والجيولوجية والطبوغرافية، وكذلك عادات وتقاليد مجتمعها، ذلك أن الأوضاع السكانية، وحظيت معيشة البدو في بيدائها القاحلة باهتمام خاص من أولئك الرحالة والمستكشفين والمبعوثين السياسيين، وبالرغم من أن العديد منهم زاروها بدوافع سياسية أو استغلالية، إلا أن كتاباتهم ستظل لها أهميتها كمصدر تاريخي.


لا ريب أن الكتاب الذي وضعه تشارلز داوتي Charles Doughty، أحد رواد قافلة المداد الغربية، عن رحلته في شبه الجزيرة العربية يُعدّ سفرًا ضخمًا وفريدًا من نوعه، إذ قضى سنتين (1876-1877) متجولا في صحرائها، بين مدائن صالح وتيماء والعلا، وجبل شمر وبريدة، وعنيزة وخيبر والطائف إلى أن وصل أخيرًا إلى جدة ومنها إلى الهند، ثم عكف بعدها على إعداد الكتاب الذي ظهرت طبعته الأولى عام 1888، وقام المركز القومي للترجمة التابع للمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة بنشر ترجمة له أعدها صبري محمد حسن، وراجعها وقدمها الدكتور جمال زكريا قاسم، بعنوان: ترحال في صحراء الجزيرة العربية، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، وما سجله داوتي بكل المقاييس أفضل وأشمل دراسة عن كل ما يتعلق بحياة البدو ومعيشتهم، التي تميزت بالقسوة والقحط لقلة مواردهم، وتحدث باستفاضة عن مضارب البدو وخيامهم وطرقهم في استخراج المياه من الآبار، والمهن التي يمارسونها. والخلاصة أنه لم يترك شاردة ولا ورادة لاحظها أو سمع عنها إلا وسجلها وفق أسلوب سهل بسيط بعيد عن التكلف. وهدفنا في هذا المقال هو رؤية مظاهر الاحتفال بشهر رمضان، وعاداته وتقاليده بعين ذلك الرحالة البريطاني في القرن التاسع عشر الميلادي، وكيف رصدها وسجلها أثناء تجواله في الجزيرة العربية مُعلنًا مسيحيته، وكيف نظر إلى المسلمين وهم يقاسون الصيام في طبيعة الحياة القاسية من حرارة الطقس نهارًا، وبرودته ليلا، وقلة المياه، وجدب المعيشة، وهي أمور يتحملها البدو بصبر وأناة. وسوف نكتفي بوضع رقم الصفحة بين قوسين في نهاية كل اقتباس.

يلاحظ تشارلز داوتي استعداد بدو الجزيرة العربية لشهر رمضان مُبكرًا، وذلك بتهيئة نفوسهم روحيًا، فيقول: "كان رمضان، شهر الصوم، على وشك الدخول، وهذا الشهر يشغل أرواح المسلمين، بما في ذلك الأعراب الذين يعيشون في البادية، ويُضفي على تلك الأرواح المزيد من الورع والتدين، هؤلاء البدو يُحاكون ما يحدث في الحضر، ذلك الذي شاهدوه في المدينة المنورة، وهم يخرجون من بيوتهم في مواقيت الصلاة، ويقفون على شكل صفوف، ويستمعون إلى الإمام، ويحنون جباههم الخالية ثم يسجدون، والشيخ مطلق (شيخ مطير) عندما يكون هناك لا يُصلي بالناس إمامًا، ولكنه يقف مثل واحد منهم، والمسلمون جميعًا يتساوون في الدين والعبادة، وأي درويش بوسعه أن يؤنب أميره ويوجه إليه اللوم فيما يتعلق بمسألة الدين، ويتعين على ذلك الأمير قبول ذلك التأنيب واللوم بصبر لا ينفد... قلة قليلة من حريم البدو هن اللائي يصلين أمام بيوتهن في شهر رمضان، ويندر في غير شهر رمضان أن ترى امرأة تُصلي". (ص 317).

يُفاجأ هلال شهر رمضان مرافقي داوتي من البدو، إذ يُشاهدون الهلال في اليوم الثالث من الشهر، وهنا يثور الجدل، و"راح الناس يتساءلون فيما بينهم حول إذا ما كانوا قد جرحوا صيامهم في ذلك اليوم، الذي حدده بعض شيوخ هؤلاء البدو على أنه اليوم الأول من شهر الصوم، ولكن محسن المتحرر، قال إنه لا ذنب على من أكل إلى أن يرى الهلال الجديد، وغالبًا ما تكون تلك الرؤية في مساء اليوم الثالث من الشهر، وبعدها يصوم الناس الشهر اعتبارًا من ثبوت تلك الرؤية، بعض آخر ردوا عليه: "الناس في المدن يعتمدون على الهندي (المقصود علم الحساب الهندي)، وهم يقولون إن ذلك الحساب دقيق ولا يُخطئ مطلقًا، ولكن ما الذي نعرفه نحن البدو، استطعنا في دجنة الليل مشاهدة القمر الجديد عند الغروب، وعمره ثلاثة أيام". (ص 331).

يتجاوز البدو أخيرًا الجدل حول ثبوت هلال شهر رمضان، ومدى صحة بدء صيامهم، "وراح البدو يحيون تلك العلامة السماوية بشيء من الأدعية الدينية، وبخاصة أن تلك العلامة جلبت لهم شهر التدين والتقوى، سكان الصحراء يصومون كل شهور حياواتهم، وهم يلتزمون بذلك الصيام اليومي ويراعونه بدقة بالغة في ذلك الشهر الفضيل، ولكن رمضان عند البدو عبارة عن إرهاق غير عادي يشيع فيه تأوهات هؤلاء البدو وشكاواهم، إذ يُصبح من الصعب على هؤلاء البدو الامتناع عن الشرب وعن تدخين التبغ لحين غروب شمس الصيف، بل إن المتزوجين يفترقون عن زوجاتهم طوال أسابيع الصوم، والبدو الرحل هم والقرويون يقولون إن شهر الصوم الكبير، الذي يتعين الحفاظ عليه نظيفًا وطاهرًا، يتحول إلى موسم للشر والخبث، إذ تنساب فيه رذائل الطبيعة البشرية. والذين يراعون الصيام والصلاة خلال هذا الشهر، من بين البدو لا يزيد عددهم على النصف بأي حال من الأحوال، أما بقية البدو فمن الجُهّال، بمعنى أنهم لا يعرفون كيف يؤدون الصلاة...، وبالنسبة للرعاة الذين تشويهم طول النهار حرارة الصحراء، يصعب ويستحيل عليهم أن لا يشربوا الماء إلا بعد أن ينطفئ فرن الشمس عند غروبها، المسافرون عليهم القضاء، القرآن يُرخص لهم أن يقضوا الأيام التي عليهم عندما يعودون إلى ديارهم". (ص 331).

يحظى البدو بشفقة تشارلز داوتي لمعاناتهم محنة الصيام في ذلك الجو القائظ، إذ يُقرّ بأن "هؤلاء العرب الذين يُعانون معاناة شديدة من العطش في الأيام الأولى من شهر رمضان، يستلقون على صدورهم يتنهدون ألمًا طوال ساعات النهار التي تمر بطيئة عليهم، ويروحون يركزون أبصارهم وأفكارهم على ضوء النهار إلى أن تغرب "عين الشمس" مبتعدة عنهم، وبعد انقضاء خمسة أو ستة أيام من أيام شهر رمضان، يكون هؤلاء العرب قد اعتادوا على الابتعاد عن حرارة وضوء النهار، ويحاولون استغلال الليل إلى أبعد الحدود. وإذا ما صادف شهر الصوم موسم حصاد القمح، أو حصاد محصول التمر، فإن العاملين في جمع هذه المحاصيل يتعين عليهم تحمل العطش البالغ من أجل الدين، والمعروف أن القرويين في شهر رمضان يتنازلون عن كل العمل الجاد باستثناء مسألة إدارة بئر الماء، التي يجب أن لا تتوقف مطلقًا. كان القسم الأكبر من أنواع التمور، التي ينتجها أولئك القرويون قد نضجت وطابت مع انتصاف شهر الصوم، ومع ذلك ترك أولئك القرويون تلك التمور معلقة على أشجارها،... همس لي أحدهم: هذا به ألم للرجال الذين يهدهم العطش والجوع". (ص 334).

يلاحظ تشارلز داوتي أن العاملين في جني المحصول أو في أعمال أخرى "لا يعملون في شهر الصوم إلا مدة نصف اليوم فقط". (ص 339). ويقر أن كل من صادفوه "تعجبوا عندما رأوني آكل دونما اعتبار للصيام العام، ولكني استرضيتهم عندما قلت: أنا على سفر". (ص 340). ولكن هل كان الجميع يتقبل إفطار داوتي في نهار رمضان، يجيبنا بقوله: "في الوقت الذي كان البعض فيه مستاء من النصراني لأني لم أراعي حرمة صيامهم، كان هناك بعض آخر يدافع عني، ولكن لماذا يتعين علينا أن نقسُّوا عليه، في الوقت الذي بالله عليكم لا يصوم فيه نصف البدو، الذين نقول عنهم إنهم مسلمون، خليل مولود في إطار دين غير ديننا، وهم يصومون في أوقات أخر... وبينما كنت أجلس وأروح أتحدث معهم، كانوا يقدمون إليّ التمر، وفي البداية إرضاءً لضمائرهم كانوا يسألوني هل أنت مسافر". (ص 354).

وعلى رغم سفر داوتي معلنا مسيحيته، فإن ذلك لم يمنع البعض عن سؤاله عن صيامه، فكان جوابه "إن النصارى من عادتهم أن يصوموا يومًا واحدًا في الأسبوع، وهم يداومون على صيام شهر الصوم الكبير، بعض النصارى يصومون شهرين أو أكثر، وكيف يكون صيامهم؟ إلى حين غروب الشمس، لا ليس الأمر كذلك، ولكنهم يمتنعون عن أكل اللحوم، والبعض منهم يصوم عن كل ما يخرج من اللحم مثل الحليب والبيض، ولا يأكلون سوى الثمار، التي تخرج من الأرض مثل الخبز والسلطة وزيت الزيتون، وما إلى ذلك، وطوال فترة الامتناع هذه يكون بوسعهم أن يأكلوا عندما يريدون ذلك، آه ها وهل تسمي أنت ذلك صيامًا؟ لا والله يا خليل أنت تضحك وتنكت، ولكنهم يحسبون ذلك حمية صيامية، مثل الموت في تلك البلدان الغنية أن يأكل الإنسان مثل هذه الأشياء الضعيفة، ومثل هذا الطعام الضعيف، الله قادر، حسن ذلك كان صيامًا جيدًا، وصاحوا جميعًا بين الضحك والدهشة، يا ليت الله يكتب علينا مثل هذا الصيام كل يوم". (ص 359).

يواصل داوتي إبداء شفقته على البدو الصائمين، الذين يتحملون الجوع والعطش في نهار قائظ، فيحاولون قضاء جزء من نهارهم في النوم، وجزء آخر في تسلية أنفسهم ببعض الألعاب فيقول: "كان محسن رجلًا مريضًا، وكان الصيام مُتعب له تمامًا، إذ كان الصيام يحول بين البدو بين غلايينهم طوال نهار اليوم، كما كان يمنعهم أيضًا عن "قراب" الماء طوال النهار أيضًا، وكان من عادة هؤلاء البدو في شهر الصوم أن يناموا اعتبارًا من طلوع الشمس، ولا يغيرون أماكن نومهم إلا بحثًا عن الظل، ويستمر ذلك النوم إلى ما قبل العصر بفترة وجيزة...، كان البدو يصحون من نومهم عند دخول وقت الظهر لأداء الصلاة، حيث يستشعرون شيئًا من الارتياح على إثر وضع الماء على أيديهم، وعلى أذرعهم وأرجلهم أثناء عملية الوضوء...، وكانوا أيضًا يستعملون الماء في ترطيب ألسنتهم، نظرًا لأنهم يتمضمضون بالماء، ويخرجونه من أفواههم مرة ثانية، وبعد أن ينتهوا من أداء الصلاة يتجمعون في أسفل الجدار الغربي العالي، الذي بدأت تنكسر عليه ظلال المساء، ويجلسون في ذلك المكان ليمارسوا لعبة "البيطة" التي يُمكن القول عنها إنها لعبة من ألعاب "الداما"، والرقعة التي يُمارسون عليها تلك اللعبة عبارة عن صفين في كل صف سبعة حفر، أو إن شئت فقل بيوت ترى". (ص 355).

يؤكد داوتي على تمسك المرأة البدوية بالصوم، بالرغم من مقاساتها أشد الآلام في ذلك الصيام، ويقدم لنا نموذجًا في "زوجة محسن" فهي تكابد وتثابر على مشقة شهر رمضان في تلك الأجواء شديدة الحرارة نهارًا شديدة الرطوبة ليلًا؛ "لأن لها طفلًا ترضعه من ثديها، وبقوة العزيمة والمثابرة حافظت... على شهر الصوم، ولم تكن تشرب أو تأكل إلا بعد غروب الشمس". ولهذا يسمع داوتي "نساء البلدة، وهن يمتدحنها ويثنين عليها، كانت مثلًا للبدوية البسيطة التي تحظى بإعجاب الجميع، النساء المتدينات الحوامل تصمن أيضًا، وفاء بتعاليم دينهن، وهن يجبرن أطفالهن الصغار على الصيام أيضًا". (ص 356).

ينتظر البدو نهاية ساعات صوم نهار رمضان في شوق كثير، بعد أن يكون قد هدهم الجوع والعطش، وخارت قواهم، فيقفون يراقبون في شوق وفرح قرص الشمس الذهبي وهو يتهادى إلى الغروب معلنًا اقتراب موعد الإفطار، ولكنهم رغم ذلك أول شيء يفكرون فيه بعد تناول بعض تمرات يكسرون بها صيامهم، هو شرب القهوة، ثم ينصرفون أولًا إلى إقامة الصلاة، فيقول داوتي: "بعد غروب الشمس، وفي قرى نجد، يرى الناظر إلى وجار القهوة مجموعة كبيرة من دلال القهوة منها الكبير، ومنها الصغير...، وهم جالسون، وأمعائهم خالية، وكلهم يراقبون ضوء الشمس الذي يختفي رويدًا رويدًا خلف أعراف النخيل، إلى أن سمعنا صوت المؤذن، وهو يرفع الأذان لأداء الصلاة، عند هذه المرحلة فقط يُصبح بوسع الشخص المتدين أن يضع في فمه لقمة من الطعام، ويقوي نفسه، وعلى الفور بدأ تقديم القهوة، وبعد أن تناول كل واحد منهم فنجالا واحدًا بدأ يفرد عباءته أمامه في اتجاه القبلة، وراح يؤدي الصلاة. بعد أداء الصلاة، يجرى تقديم الوجبة الأولى التي يُطلقون عليها اسم الفطور، أو إن شئت فقل الإفطار، كان الإفطار في منزل خلف عبارة عن "عساليج" من التمر الطازج الذي جرى إحضاره من النخلة، تناولوا الطعام، بالرغم من أنهم كانوا يُعانون من العطش طوال النهار، ولم يشربوا ماء طوال تناول الطعام، وبعد التمر وضعوا أمامنا شرائح من بطيخة كبيرة". (ص 344). ثم يذكر داوتي أن المخيم ينام؛ ليستيقظ مرة أخرى بعد منتصف الليل بقليل "لتناول وجبة السحور"، التي عبارة عن "تمر ليس إلا"، وبعد تناول السحور يعودون "مرة أخرى إلى النوم على الأرض في براد النجوم إلى أن طلع نهار صوم اليوم التالي، وعندها نهض الأعراب لأداء الصلاة". (ص 345).

ينتهي شهر رمضان، فتعمّ الفرحة كل المخيم، ويبدأ الاحتفال بعيد الفطر من قبل غروب شمس آخر يوم في شهر رمضان، وعن ذلك يقول داوتي: "أخيرًا غربت شمس آخر أيام شهر الصوم، مُعلنة انتهاء شهر رمضان، ومع طلوع اليوم التالي مشيت مع محسن إلى تيماء؛ لتناول طعام الإفطار هناك، هيا يا خليل اليوم عيد وسوف تفرح وتمرح، الحمد لله، قال محسن إن شهر الصوم قد انتهى، أنت تشبه شخص أطلق سراحه من السجن، صدقت والله، فأنا أبدو مثل رجل خارج من السجن، وأنا من حقي الآن أن أشعل غليوني، أنا ذاهب لتناول طعام الإفطار مع بعض معارفي، ألا تعرف تقاليدنا وعاداتنا التي تبيح لنا أن نأكل شيئًا من كل دار صديقة. سيأكل الناس اليوم حتى الشبع، وأمامنا اليوم سبيلين، إما التجوال وتناول الإفطار مع من تعرفهم، وهنا يتحتم عليك أن تقول عيدك مبارك، في أي مكان تدخله، أو هيا بنا أنا وأنت نتحرك سويًا لتناول الإفطار معًا. كان الانتعاش يبدو على وجوه القرويين في هذا اليوم من أيام العطلات، وبخاصة أثناء شروق الشمس، لقد اكتسبوا جميعًا فوائد الصيام ومزاياه، وهاهم اليوم يرتدون ثيابهم الجديدة، الكثيرون منهم يعطرون غتر رؤوسهم، ولحاهم وعباءاتهم، وذلك بوضعها فوق الدخان المتصاعد من المبخرة، البعض منهم يتعطر أيضًا بماء الورد، هؤلاء هم المعيدون يخرجون من كل الأبواب، ويدخلون من كل الأعتاب، وهم يتزاورون ويحيون بعضهم بعضَا من بيت إلى بيت، وحيثما يدخل الرجال، يقدم لهم طبق العيد الذي يحتوي على الخبز المحلى، وهذه جحافل بشرية تنهال جالسة على ركبها من حول ذلك الطبق، في التو واللحظة، والكل يرفع اليد اليُمنى مملوءة بالخبز، في اتجاه الفم، ويتكرر ذلك، مرة واثنتان وثلاث مرات، إلى أن يظهر قاع الطبق المعدني، وعندها ينهض الجالسون لينتقلوا إلى تناول الإفطار في البيت التالي، ثم البيت الذي يليه، إلى أن يمروا على كل منازل المنطقة، وبعد ذلك، وبعد أن تمتلئ بطونهم، يتجمعون ويدخلوا بيتًا من البيوت الصديقة لتناول القهوة، وحيثما يدخل هؤلاء الناس يقولون: عيدك مبارك، والناس هنا يردون على هذه التحية بقولهم: عدي علينا، وحنا عايدين، بمعنى ونحن أيضًا نحتفل بالعيد. ويمضي الناس النهار بطوله يتجولون هنا وهناك، في ملابسهم الجديدة والمزينة بخطوط حريرية بغدادية ذهبية اللون، ومعها خيوط قطنية وردية اللون، وهذا المنظر يكون له بريقه في هذا البلد الذي لا لون له. وقد رأيت اليوم رجلًا يرتدي ثوبًا قام هو بتلوينه، وكان يقف وسط الشارع الطيني ويلبس عباءة قرمزية اللون". (ص 385، 386). ويختتم داوتي بالإشارة إلى أن "احتفالات العيد تستمر ثلاثة أيام"، ولكنه رغم ذلك شاهد "القرويين في اليوم الثاني وهم يخلعون ملابسهم الجديدة، ويذهبون لاستئناف عملهم في الحصاد". (ص 388).

* صحافي وأكاديمي مصري.