حول استمرار تجاهل وثائق مكافحة التعصب والتطرف الديني

محمد بدر الدين زايد |

ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة لي أو لغيري، التي نتعرض فيها لسرعة التحول في المزاج السياسي والإعلامي في العالم، وانتقال اهتمامه من بؤرة أزمة إلى أخرى، بما يصاحب ذلك من تشتيت للجهود، وعدم جدية واضحة في متابعة الأحداث أو الأزمات. وهو أمر ينصرف إلى سلسلة الأزمات والتحديات الكبرى، وهي كثيرة، ولا تقتصر على ما هو سياسي، بل تتعداه إلى ما يتعلق بالمخاطر الكبرى كالتغير المناخي، أو قضايا الإرهاب والتعصب الديني.


لم أكن في حاجة لتوقع تآكل الضجة الكبرى التي أحاطت بعدد من الحوادث الأخيرة المؤسفة، والتي كان من أبرز نماذجها حادث نيوزيلندا ثم حادث سريلانكا وما أسفرا عنه من وقوع مئات من القتلى والمصابين.

الحادثان شغلا إعلام العالم كله لبضعة أيام، ثم أطبق صمتٌ تام وكأن شيئاً لم يكن. انتقل التركيز إلى أحداث أخرى، بالغة الأهمية، مثل التصعيد الحالي حول المسألة الإيرانية، وتزايد وتيرة النقاش العبثي حول "صفقة القرن" المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فضلاً عن ملفات مفتوحة أخرى كالملف الليبي أو الفنزويلي، وبدرجة أقل ملفي سورية واليمن اللذين يشهدان كثيراً من التفاعلات، ولكنها لا تكفي لتصدر الأنباء. وفي المناسبة، فإن فصول أزمة سريلانكا ما زالت مستمرة، ولكن بتغطية إعلامية دولية محدودة نسبياً.

يستمر العالم في عدم معالجة كل هذه الملفات وغيرها، مثلما لا يعالج بأي جدية، قضية التعصب والتطرف الديني، التي تعد أحد جوانب كل هذه الأزمات السياسية سابقة الذكر، في ما يتعلق بالشرق الأوسط، والتي تتم تحت عنوان واحد هو: "التوظيف السياسي للدين"، والذي تدخل ضمنه الظاهرة الصهيونية، والظاهرة الإيرانية.

حتى الموقف الأميركي تجاه هذه الملفات، له جذوره الواضحة في التوظيف السياسي للدين. وسبق أن تعرضت لوثيقتين بالغتي الأهمية في هذا الصدد، الأولى رعتها مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تحت عنوان: "الإيمان بالحقوق"، انطلقت من بيروت قبل عامين. والثانية هي تلك الوثيقة المبهرة، التي وقعها شيخ الأزهر أحمد الطيب، والبابا فرانسيس رأس الكنيسة الكاثوليكية في أبوظبي. علماً أني أشرت مراراً إلى أهمية قيام الحكومات والمجتمع المدني بخطوات جادة وملموسة في تفعيل الوثيقتين، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن.

ثمة جهود متواصلة لتفعيل وثيقة "الإيمان بالحقوق"، تنطلق من محاولة البحث عن المشترك بين كل الأديان، ومن ثم تحاول أن تخاطب كل البشرية من منطلق حقوقي، ينادي بالبدء بتجنب الخلافات الدينية والعقائدية كمدخل ضروري للتعامل مع القضية، وتعطي دوراً بارزاً لما تسميه الأطراف الدينية شرط تمكينها حكومياً وتشريعياً ومؤسساتياً، بحيث تناط بها مسؤوليات محددة في ما يتعلق بالتغيير التعليمي والاجتماعي، من دون أن يعفي ذلك الدول من مسؤولياتها الأساسية. وتكرر الوثيقة بشكل حاسم الدعوة إلى حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية.

وتنطلق وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقَّعها الإمام الطيب والبابا فرانسيس كخطوة أكثر تبلوراً في مخاطبة التوظيف السياسي للدين، باعتباره أخطر التحديات، ومصدر الشرور الرئيس في ما يتعلق بالتطرف والتعصب الديني. وهنا تحديداً، أشرتُ عند صدور هذه الوثيقة، إلى أن أهميتها الكبرى لا تكمن فقط في أهمية مَن وقَّعها، بل أيضاً انطلاقاً من تركيزها على المصدر الحقيقي للخلل عبر العصور والأزمنة المختلفة، وهو التوظيف السياسي للدين، الذي هو أحد الظواهر الكبرى المصاحبة للتاريخ البشري، والتي تفسر العنف والتعصب على مدى الأزمنة كافة.

مهد خطاب حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية الطريق للتعامل ضد خطاب الكراهية على أسس عرقية أو دينية. وكان من الطبيعي التركيز على الأمر نفسه بعد أن خرجت البشرية من تجربة أليمة في تلك الحرب، بسبب خطاب التعصب العنصري والديني، الذي عبَّرت النازية والفاشية فيه عن محطة سياسية بشعة؛ ليس فقط لأن هذا لم يكن موجوداً من قبل بهذا المستوى الواسع، وإنما لاقترانه بأدوات دمار عسكرية واقتصادية غير مسبوقة في التاريخ. وأدركت البشرية أن استمرار هذا الخطاب مع صعود أسلحة الدمار الشامل يهددها بالفناء. ولكن الوثائق الجديدة المشار إليها، تمثّل تطوراً كيفياً مهماً في هذا الصدد، ولكنه تطور يحتاج إلى تفعيل جاد من المجتمع الدولي والدول المختلفة، ومن المجتمع المدني في العالم كله.

كيف ننسى أن اليهود الذين كانوا محل اضطهاد عنصري في الغرب، يتمتعون الآن بحماية قانونية وسياسية، تجعل من المساس بهم جريمة سياسية وجنائية، والشيء نفسه بالنسبة إلى السود في الولايات المتحدة، وإن كان بدرجة أقل، مع صعود اليمين المتطرف. وفي الأحوال كافة، لا نظن أن مكافحة خطاب الكراهية والتعصب في المجتمعات الغربية، بحاجة إلى مزيد من التشريعات بقدر حاجته إلى آليات رقابة وتحقق، خاصة في ما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت المصدر الرئيس للتهديد، ولانتشار أفكار التطرف والتعصب، بينما ما زالت دول الجنوب بحاجة لمزيد من الإجراءات التشريعية وليس فقط آليات المراقبة والمحاسبة.

وفي وقت تتأكد أهمية دور المجتمع المدني في العالم في التصدي لخطاب الكراهية العنصري والديني على صعيد وسائل التواصل الاجتماعي، كونها مهمة لا تقوى عليها الحكومات وحدها، فإن هذا لا يلغي مسؤولية هذه الحكومات في التقاعس عن اتخاذ السبل القانونية والتعليمية اللازمة لنشر أفكار التسامح، ومضامين الوثائق الأخيرة، وتطوير برامج تدريبية للمدرسين ورجال الدين، المؤهلين لنشر خطاب التسامح ورفض التمييز كونه خط الدفاع الأساس في التصدي للتطرف.

إلى أن يحدث هذا، لن تتوقف الحوادث المؤسفة للتطرف والتعصب الديني والعنصري، واستغلال الساسة قصيري النظر لهذه النزعات، وستتجه الأنظار مجدداً إلى هكذا حوادث لأيام عدة، ثم يعود التجاهل ومواصلة عدم الجدية في العلاج، في حلقة مفرغة مؤسفة وبلا معنى، ومن دون تدبر لمخاطر فقدان السيطرة.

* كاتب مصري.