الماضي يزاحم الحاضر والمستقبل في فعاليات "مهرجان كان السينمائي": النقاد العرب يوزعون جوائزهم وحبيبا ليلوش يعودان بعد نصف قرن

إبراهيم العريس – كان (جنوب فرنسا) |

لم يكن ينقص "مهرجان كان" إلا اربعة أيام من المطر المتواصل حتى الآن، ليزداد شعور المرارة الذي يخيم عليه منذ اليوم الأول. لكن وسط تلك المرارة، ثمة سعداء بالتأكيد؛ ومنهم عثمان، وهو واحد من الشباب الأفارقة النشطين الذي انتشروا في شوراع المدينة الساحلية الفرنسية يبيعون المظلات بأسعار جيدة لضيوف "كان"، الذين باغتهم مطر لم يكن متوقعاً، فأفسد بدلاتهم الأنيقة وفساتين سهراتهن الرائعة. عثمان قال لنا مبتسماً بفرح، إنه في ساعتين تمكن من بيع 66 مظلة وهو رقم قياسي له منذ خمس سنوات. رجل سعيد آخر في كان المخرج الفرنسي المخضرم كلود ليلوش الذي قدّم أمس، خارج المسابقة الرسمية، وباعتزاز شديد وسط احتفالات "كانيّة" به، فيلمه الـ 49 في مسيرة بات عمرها اليوم أكثر من نصف قرن. عنوان الفيلم: "أجمل سنوات حياة ما" وهو ما سنعود إليه بعد سطور. قبل ذلك، لا بد من التوقف عند بضعة سعداء آخرين عاشوا سعادتهم أمس، تحت زخات المطر الكثيف: هم أهل السينما العرب ولا سيما الصحافيون والنقاد منهم، الآتون من شتى بقاع الأرض، أكثر مما هم آتون من أوطانهم الأصلية، والذين تمكن السوري الأصل المقيم في القاهرة علاء كركوتي ورفاقه، من جمعهم في واحدة من أنشط المؤسسات السينمائية العربية، تحت مظلة "مركز السينما العربية" و"مؤسسة ماد سولوشن" ومجلة "آراب سينما". ذلك أنه للعام الثالث على التوالي، ووسط زحام مدينة كان ومهرجانها، أعلنت هذه المؤسسة الطموحة عن أسماء الفائزين بـ "جوائز السينما العربية" التي تكاد تكون اليوم أهم الجوائز التي تمنح في كل عام للسينمائيين العرب وأعمالهم، إضافة الى الإعلان عن تكريم خاص، بات تقليداً سنوياً، لإنجازات ناقد عربي وآخر أجنبي (مهتم بالسينما العربية). وقد منحت هذه الجائزة هذا العام الى كاتب هذه السطور عن العرب؛ والى الناقدة الأميركية ديبورا يانغ عن الأجانب. أما بالنسبة الى الأفلام والسينمائيين الذين إختارهم 75 صحفياً وناقداً لنيل جوائز هذا العام فكانوا: نادين لبكي (لبنانية عن فئة أفضل مخرج)، فيلم "يوم الدين" للمصري أبو بكر شوقي (عن فئة أفضل فيلم)، الممثل التونسي محمد ظريف (أفضل ممثل عن دوره في "ولدي")، مها العلمي ( جائزة أفضل ممثلة عن دورها في الفيلم المغربي "صوفيا") والمغربية أيضا مريم بن مبارك ( جائزة السيناريو لفيلمها البديع "صوفيا" أيضا)، وأخيرا جائزة أفضل فيلم وثائقي للسوري طلال ديركي عن "آباء وأبناء".


ولعل من الأمور اللافتة أن القسم الأكبر من الأفلام الفائزة كانت عرضت العام الفائت في "مهرجان كان"، ما يفيد طبعا بأن هذا المهرجان الفرنسي الصاخب، بات المنصة الرئيسة لإطلاق أفضل النتاجات العربية، ما يعيدنا الى السؤال الذي لن نملّ عن طرحه: متى نستعيد نحن العرب مقدرات سينمانا العربية، ومتى سيكون لنا منصة حقيقية تطلق المميّز من الأفلام العربية؟ أم أن الإنهيار بات قدرا؟

هذا الإنهيار، صفعتنا صورته أمس بالذات، إذ تصدرت غلاف واحدة من أشهر المجلات السينمائية في العالم، هي مجلة "فارايتي" الأميركية التي تصدر أعدادا يومية خلال انعقاد "مهرجان كان". والتي حملت غلاف عددها الذي صدر أمس، صورة "بروفيل" لتلك الصالة اللبنانية العريقة التي صنعت أمجادا سينمائية بيروتية مدهشة ولا سيما في خمسينات وستينات القرن الفائت: صالة "أمبير" في ساحة الشهداء في بيروت. والمناسبة، أن "فارايتي" نشرت ملفاً تناول صفحات عديدة من التاريخ العريق في مناسبة مئوية تلك المؤسسة، يعبق بالحنين ويعيد الى واجهة ذاكرة المخضرمين من السينمائيين والهواة اللبنانيين، مئة عام من مسيرة سينمائية مدهشة عاشتها العاصمة اللبنانية. مهما يكن، قد تصح المقرنة بين هذا الملف وموضوعه وبين "الأيقونة" اللبنانية الجديدة التي تحتل في دورة "كان" لهذا العام منصب رئيسة لجنة تحكيم تظاهرة "نظرة ما" بصورها المنتشرة في مطبوعات المهرجان وتبدو فيها كعارضة أزياء فاتنة ومتألقة أكثر بكثير مما تبدو مخرجة حقيقية. في الحقيقة تقول لنا تلك المقارنة اين كانت السينما في لبنان وأين صارت.

مقارنة وإن مختلفة، تصح أيضا بين فيلم أول للفرنسي كلود ليلوش، وفيلمه الأخير المعروض اليوم في "كان". فقبل أكثر من نصف قرن، فاز ليلوش نفسه بـ "السعفة الذهبية" عن فيلمه الجميل "رجل وإمرأة"، ليتألق معه بفضل نجاح الفيلم، ممثلاه الرئيسيان آنوك إيميه وجان لوي ترنتينيان وكاتب موسيقى الفيلم فرانسيس لي.

واليوم، وربما على خطر إنغمار برغمان في رائعته و"وصيته" الأخيرة قبل رحيله "ساراباند" الذي عاد فيه الى مصير بطلي فيلمه الكبير "مشاهد من الحياة الزوجية"، ها هو ليلوش يعود، وللمرة الثالثة على أي حال، الى مصير بطلي "رجل وإمرأة" بعد نصف قرن ليقدّم لنا العاشقين ذاتهما في أنفاسهما الأخيرة، ما يكمل ثلاثية تتضمن أيضا فيلم "بعد عشرين عاما" الذي حققه قبل سنوات وتابع فيه أيضا مصير البطلين مع نفس الممثلين. فيلم ليلوش الجديد ليس تحفة بالتأكيد. فلئن كان هذا المخرج الذي بدأ مجدداً حقيقياً في اللغة السينمائية وطموحا في عمله الأول، قد راح يكرر نفسه مستعيداً ذات الفيلم والمواضيع ذاتها في خمسين فيلما حققها حتى الآن، فإنه لم يتمكن أبدا من تجاوز فيلمه الأول الذي يبقى علامة. ومع هذا، لا بد من الثناء على دأبه وصبره وتمسكه بعمله ومحاولاته الطموحة بعد كل شيء، وحس الشباب الذي لا يزال يتمتع به وقد تجاوز الثمانين من دون ريب... وقدرته على أن يكون جزءاً من تاريخ السينما ومن حاضرها أيضاً. وكذلك جزءاً من مستقبلها، إذ يستعد اليوم لتصوير فيلمه الحادي والخمسين، من دون أن يبالي بأن يعتبره النقاد صاحب فيلم جميل واحد، ويرون أن من العبث له اليوم أن يقاوم أكثر مما قاوم حتى الآن، إحالته على التقاعد ووضعه في متحف!