عهدة عمر بن الخطاب لأهل إيلياء وبناء مسجد الأقصى

منظر من القدس
فيصل خرتش |

ما إنّ مرّ شهر على فتح المسلمين لدمشق حتى جمع أبو عبيدة بن الجراح أمراء المسلمين للتشاور معهم عن الاتجاه القادم، فاتفقوا على سؤال عمر بن الخطاب، إن كانوا سيتجهون إلى القدس أولاً أم إلى قيسارية، فقال الخليفة عمر رضي الله عنه بالبدء بفتح بيت المقدس، وكتب كتاباً إليه جاء في مقدمته: «فإنّ الله سبحانه وتعالى يفتحها على يديك...» وعندما وصل الكتاب إلى قادة المسلمين فرحوا بمسيرهم إلى القدس، وارسل من فوره خمسة من قادته يقود كلٌّ منهم خمسة آلاف فارس، وأشار عليهم أبو عبيدة: «ارفعوا أصواتكم بالتهليل والتكبير، واسألوا الله بجاه بيته ومن سكنه من الأنبياء والصالحين أن يسهل فتحها على أيدي المسلمين».


وقد جرت في اليوم الخامس لحصار المدينة مواجهة بين قادة جيوش المسلمين وبين المدافعين عن المدينة، بدعوتهم إلى تسليم البلاد إمّا بالصلح وإمّا بالقتال، غير أنّ المدافعين عن المدينة، رفضوا عرضه، ولكن تناقص المؤن بعد أربعة أشهر من حصارها، وعدم وصول أية نجدة من بيزنطة لفك هذا الحصار، أدت بحاميتها لتسليم المدينة صلحاً، وتكثر الروايات حول ذلك لكن أغلبها تقول: «إنّ البطريرك صفرونيوس قال لأهل بيت المقدس وبعد أن ألحّوا عليه بتسليم المدينة: «إننا نجد في العلم الذي ورثناه أن الذي يفتح المدينة هو الرجل الأسمر الأحور المسمّى عمر صاحب نبيهم محمّد، فإنّ كان قد قدم فلا سبيل لقتالهم». وحين خرج إلى السور ليتعرف على مدى اتصاف قائد المسلمين بتلك الصفات، فلم يجدها في أحد من الأمراء، فسأله أبو عبيدة: «هل إذا رأيت الرجل تعرفه؟»، فأجابه البطريرك: كيف لا أعرفه، وصفته عندي، وعدد سنينه وأيامه، فقال أبو عبيدة: «هو والله خليفتنا وصاحب نبينا»، فقال البطريرك: «إنّ كان الأمر كما ذكرت... ابعث إلى صاحبك يأت فإذا رأيناه وتبيناه، وعرفنا صفته ونعته فتحنا له البلد...».

وعند ذلك قرر المسلمون الكتابة إلى عمر بهذا الشأن يطلبون إليه الحضور... جاء عمر رضي الله عنه بعباءة مصنوعة من وبر الجمل، وببعير يحمل كلّ متاعه ومؤونته اليومية من التمر، فقال البطريرك صفروينوس: «هذا والله صاحب محمّد بن عبد الله، انزلوا إليه واعقدوا الأمان معه والذمّة...» فخرجوا إليه يسألونه العهد والميثاق والذمّة ويقرّون له بالجزية. ويذكر المؤرخ الطبري هذا العهد الذي قطعه الخليفة عمر رضي الله عنه، نصّه كما يلي:

«بسم الله الرحمن الرحيم ... هذا ما أعطى عبد الله عمراّ أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، وأعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أن لا تسكن ولا تهدم ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحدٌ منهم ولا يُسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود... وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منهم الروم واللصوص فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما علىة أهل إيلياء من الجزية، ومن أحبّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصُلُبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم ومن شاء سار مع الروم وإن شاء رجع مع أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، ولي ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء المؤمنين إذا أعطوا الذين عليهم من الجزية.

شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان».

إن كلمات هذا العهد لم تكن جوفاء، فلم يحصل نهب ولا هدم واحترمت ممارسة الطقوس الدينية والأماكن المقدسة احتراماً تاماً، وضمنت الحرية، وكان فتح القدس ألطف فتح عرفته هذه المدينة حتى أيامنا.

دخل الخليفة عمر رضي الله عنه المدينة المقدسة في يوم الاثنين وخرج منها في يوم الجمعة، فكانت إقامته فيها عشرة أيام، وقد زار برفقته البطريرك كنيسة القيامة، وبينما هو داخلها حانت الصلاة، فصلى على مقربة منها، ثم تابع سيره حتى وصل إلى جبل «موريا» الذي يقع عليه المسجد الأقصى، فوجد المكان المقدس قد تحوّل إلى موقع رمي النفايات بعد أن تمّ تخريبه وتجمعت فيه الأقذار، فأصبح مزبلة ضخمة، وجعل يكنس الزبل، وجعل المسلمين الذين كانوا معه يكنسون الزبل أيضاً، ثم بسط رداءه وقرأ سورة وصلى وسجد، وبعد ذلك سأل كعب الأحبار، أين ترى أن نجعل المسجد. فقال كعب الأحبار خلف الصخرة، فتجمع القبلتين، قبلة موسى وقبلة محمّد صلى الله عليه وسلم. وبنى عمر رضي الله عنه المسجد وصيَر الصخرة في آخر المسجد، وعندما اكتمل بناؤه وافق بلال بن رباح على الأذان مفتتحاً لأوّل صلاة في المسجد، وعندما قال: الله أكبر... خشعت جلودهم واقشعرت أبدانهم، ولمّا قال: أشهد أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمّد رسول الله ... بكى الناس بكاء شديداً.

وكان بناء المسجد خشبياً متواضعاً يتماشى مع مبدأ التقشف لدى المسلمين الأوائل، وقد اهتم عثمان بن عفان رضي الله عنه ببركة سلوان في القدس، وبنى حديقة حولها، وشهدت عمارة القدس أزهى أيامها في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (65 – 86 هـ) وأبنائه من بعده، فقد ابتدأ بإصلاح أسوار القدس وبوابات المدينة وشيدّ دار الإمامة، غير أنّ أعظم إسهاماته سيكون مسجد قبة الصخرة، وقدم من دمشق إلى بيت المقدس، وجمع الصناع وأمرهم أن يصفوا له صفة القبة قبل أن يبنوها، فشحن الأموال ووكل على ذلك رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام، وعلى النفقة عليها والقيام بأمرها، وخصص خراج مصر على مدى سبع سنوات لخدمة بناء الصخرة، وامتازت قبة الصخرة بتصميمها الفريد حيث مزجت ما بين جمال الهندسة المعمارية والذوق العربي مع الاستفادة من الأسلوب البيزنطي.

واصل الوليد بن عبد الملك (48 – 96 هـ) اهتمام والده بعمارة بيت المقدس، حيث بنى المسجد الأقصى، وتم بناؤه على ذات الهضبة التي أقيمت عليها قبة الصخرة، وعلى جوارها جنوباً، وعلى الطرف الجنوبي من الحرم الذي بناه أيضاً ليحصن داخل المسجد وقبة الصخرة، ويشرف على سهول اللطرون من جهة الشرق. لقد كرّس العصر الأموي أبهة القدس وجلالها بما تمّ بناؤه على جبل موريا من ذلك الصرح المعماري العظيم:قبة الصخرة والمسجد الأقصى والحرم، حيث عرج النبي محمّد صلى الله عليه وسلم، وأمّ فيه الأنبياء جميعاً.

المراجع:

الواقدي، فتوح الشام، بيروت

عارف العارف، تاريخ الحرم القدسي، دمشق 1974

المسعودي، مروج الذهب، دمشق 1988

شمس الدين الكيلاني، جمال باروت، القدس، دمشق 2009

خيرية قاسمية، قضية القدس، دمشق 2009