أزمنة الأفكار الملهمة والأفكار الخائبة.. مقاربة سوسيولوجية

مسفر بن علي القحطاني |

هناك أفكار متزاحمة حول سؤال الزمن وماهيته والظروف التي تسمح بظهور الأفكار الملهمة، وكذلك الزمن الذي تتكاثر فيه الأفكار الخائبة والمميتة، هذا السؤال محاولة للبحث عن إجابة مقنعة من خلال تسليط النظر نحو السياقات الاجتماعية التي تعتبر حاضنة خصبة للأفكار أياً كانت، واليوم تظهر صعوبة بالغة لا أظنها كانت موجودة في العصور السابقة، والمتعلقة بتعقّد مركّب المجتمعات وسرعة تنامي الظواهر الاجتماعية فيها، وتداخلها المتشابك مع كل المجالات التي يعيشها الفرد، ومن ثمَّ تظهر مهمة "السوسيولوجي" في حسن قراءته للواقع وقدرته على تفكيك الظواهر الاجتماعية وحسن ربطها بمصدرها الحقيقي الذي تنبثق منه، وحتى لا أخرج عن السؤال الرئيس للمقال، سأركّز الاهتمام على بعض الأفكار التي تمنحنا رؤية أفضل للميكروبات الخفية والأسباب المنزوية وراء الزخم السمعي والبصري لتلك الظواهر والمظاهر الاجتماعية المؤثرة في وجود الأفكار الملهمة أو الخائبة، أوردها في المسائل التالية:

أولاً: هناك نظرية مشهورة لمالك بن نبي (1905-1973م) لها ما يصدّقها نظرياً وواقعياً، فيرى– رحمه الله- أن عالم الفرد يتألف من ثلاثة مركبات: "أشياء" و"أشخاص" و"أفكار". والفرد يمرّ في طفولته بمراحل ثلاث متلاحقة يتعرف فيها أولاً على "الأشياء" كحاجاته المادية البسيطة ويلتزم بها دون انفكاك، ثم يتعرّف بعدها على "الأشخاص" فتبدأ معه مرحلة المحاكاة والتقليد بلا وعي بصحة الفعل أو خطئه، ثم يتعرف على عالم "الأفكار"؛ حينها نقول أن الفرد قد نضج، وتصرفاته أصبحت تُبنى على معايير وقدر من العقلانية التي تميزه عن غيره، وهذه المراحل البشرية هي ذاتها يمرّ بها المجتمع في تطوره الحضاري، فمرحلة التعلق بالأشياء لدى المجتمعات البدوية لا تعطيها الوقت لأي اهتمام سوى البحث عن الماء والعشب للإبقاء على حياة القبيلة والقطيع، وعندما تستقر المجتمعات وتختزل تاريخها ونجاحها في الزعيم الأوحد؛ غالباً ما تنهار أو تضعف بعده، وكل ما سبق حسب مالك بن نبي هي مراحل دون التحضر الحقيقي، ولا يشق المجتمع طريقه في سلم الحضارة إلا بعد نضوجه بالأفكار الملهمة (عالم الأفكار) التي ترسم له منهجاً ورؤية وتختار طريقه وتنمّي مكتسباته وتعالج أزماته، وحين يشيخ الفرد؛ ينكص وعيه فيعود بعكس الطريق الذي سلكه أولاً، وكذلك تفعل الحضارة حين تشيخ؛ تعود لتتشبث بالقائد المنقذ أو تنزع نحو الأشياء والمتع المادية بنهم لا وعي فيه. (انظر: مشكلة الأفكار لمالك بن نبي، ترجمة بسام بركة وأحمد شعبو، دار الفكر، الطبعة الثانية 2002م، ص 36-40).

هذه الفكرة لو حاولنا إسقاطها على مجتمعاتنا المعاصرة، فإن علاقات الدول والمجتمعات تظهر بشكل بيّن وواضح في هذا التصنيف، فدول (ما دون التحضر) ترسم علاقاتها مع الأقوياء من خلال دائرة الاشباع المادي والاستهلاكي فحسب؛ دون حرص منها على استيراد الأفكار المنتجة لتستقل وتبني نموذجها الاقتصادي دون تبعية لمستغلٍ ومحتكر، وكما ينزوي عالم الأفكار عندما يظهر العداء والصراع في ميدان عالم الأشياء (القوة العسكرية والتسلح المادي) أو الأشخاص (صراع زعامات ونفوذ) فتكون كلفة الصراع في هذين العالمين عالية جداً، ومعاركهما مثقلة بالخسائر والضحايا البشرية، بينما المعارك في عالم الأفكار على رغم شراستها وهول أدواتها الحربية؛ إلا أنها ناعمة وفي غرف مكيّفة لا يشعر بها غالب المجتمع (وحرب جهاز الهواوي بين الصين والولايات المتحدة الأميركية مثال على ذلك)، وإذا أردنا أن نعرف في أي الأزمنة الفكرية نعيش، هل نحن في أزمنة الأفكار الملهمة أو الخائبة؟ فلنطبق معايير احتياجنا وعلاقاتنا وصراعاتنا مع الآخر على أي الأصعدة تقوم، هل نحن نراوح مع ذات الأشياء والأشخاص أم مع الأفكار الصانعة للتغيير؟

ثانياً: هناك معيار لا يختلف أحد على أنه مؤشر أزمنة الأفكار الملهمة أو نقيضتها، وهو معيار العلم، فالمجتمع الذي يحترم المعرفة ويهاب العالم وينفق على البحث الرصين ويجتهد في البحث والاكتشاف عن الجديد، لا شك أنه مجتمع خصب لنمو الأفكار الملهمة وموت الأفكار الخائبة، وهذا الأمر الواضح بدأت تتلبّس به أحوالٌ مشوّهه وتنتحله صور مزيّفة وكلها باسم المعرفة، يظهر ذلك من صعود البسطاء وأشباه الباحثين على منصات المعرفة الجادة، وليس المنصات الشعبوية التي اعتادوها ولا يوثق بها، فترى النظريات العلمية في الفيزياء والطب والفلك التي توارثتها المراكز البحثية والجامعات وأُنفقت لأجلها الأعمار والأموال؛ تُنسف في لحظة وبلا براهين وأدلة، وتسمع من يلغي علاجاً ويصف آخر وهو لم يدخل في حياته مختبراً طبياً أو قرأ دورية علمية، وغالباً ما تظهر هذه الأفكار الخائبة في أزمنة التضييق على المعرفة وتهميش تأثيرها في صحة المجتمع وبقاء قوته، ومن تأمل في ظهور أشهر المخترعات في الأرض فسيجد أن المناخ والزمان المعرفي هو الذي أنبت الأفكار الملهمة في أودية (السليكون) حول العالم.


ثالثاً: طرح عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (1913-1995م) فكرة "التناشز الاجتماعي" وقد استفادها من عالم الاجتماع الأميركي "وليم أوجبرن" في كتابه حول التغيير الاجتماعي الذي صدر عام 1922م، ويقصد بهذا المصطلح وجود ظاهرة اجتماعية تُلاحظ في كل مجتمع يعاني من التغيّر، فمن طبيعة التغير الاجتماعي أن أجزاء المجتمع لا تتغير كلها على وتيرة واحدة أو بسرعة واحدة، فمنها ما يتغير بسرعة كبيرة ومنها ما يتغير ببطء، وأحياناً تحدث فجوة في السلوك عندئذٍ بين نمطين متناقضين في المجتمع بسبب حدوث تغيرات سريعة داخل المجتمع. (انظر: دراسة في سوسيولوجيا الإسلام لعلي الوردي، دار الوراق، الطبعة الأولى 2013، ص 22)، هذه النظرية يمكن تقريبها في واقع مجتمعاتنا اليوم بشكل كبير، فمن شواهدها أن المجتمع الذي ينفتح بسرعة كبيرة على التقنية ومكتشفاتها ويتعايش معها، غالباً ما يصاب بالرخاء العام الذي ينتج عنه بطء على مستوى الأفكار والقيم، فإذا أخذنا نموذج مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر وسنابشات ويوتيوب) والانكباب الكبير عليها، فغالباً ما تصبح العلاقات والاهتمامات مُنكبّةً على هذه الحالة الافتراضية المدهشة في الغواية والتأثير، وحسب نظرية أوجبرن والوردي فإن الأفكار الملهمة لا تزدهر في هذا الزمان، وحتى لو تكاثرت المخترعات وتنامى الانتاج فهو منحصر في الجانب الوظيفي من الاحتياج الحياتي للتقنية الذي يُسهّل المعلومات ولا ينتجها، ويسرّع الاتصالات في مقابل تجميد المشاعر، ويطور وسائل المواصلات ولكن يُضعِف قوة التواصل بين الناس، لذلك نشعر بضمور في المنتج الفكري الملهم في التصورات والوجود والمعارف الإنسانية والقيم.

رابعاً: هل يمكن للفكرة الملهمة أن تنضج في مجال عام يسمح بمناقشتها كما يسمح بمناقضتها بأفكار سلبية؟ هذا السؤال مهم إذا أردنا أن تخرج الأفكار إلى النور بدلاً من الدهاليز الخفية، وإذا أردنا لزمن الأفكار الملهمة أن يطوّر حركة المجتمع ويدفعها للتقدم. ما الذي يضير المجتمع أن يسمح للأفكار المتداولة بين نخبه أن تتحرك في مجاله العام جدلاً ومناظرة وردوداً وتعقيبات، هذه الجدلية من التعبير عن الأفكار وما يناقضها، يدفع بها نحو القوة بدلاً من الهشاشة التي تسقطها عند أول اختبار، وتطوُرها نحو أفكارٍ مواكبة للاحتياج الإنساني، إن هذا الترقي عبر سلم لولبي قد يصل بالأفكار إلى الالهام الحقيقي، أو حسب التعبير الديالكتيكي لهيغل الوصول "للفكرة المطلقة"، وعلى هذا الطريق سار علماء الأصول في تأليفهم لكتب الجدل والمناظرة بغية إظهار القاعدة والدليل الصحيح مما يزيده قوة في الاستدلال ووصولاً للأحكام الراجحة، لذلك قال الإمام الجويني بعدما ذكر منافع الجدل: "وصار إذ ذاك؛ بهذا المعنى: الجدال من آكد الواجبات، والنظر فيه من أولى المهمات، وذلك يعمّ التوحيد والشريعة" (الكافية في الجدل، تحقيق فوقية حسين، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية 1979م، ص24) ، فأزمنة الأفكار الملهمة لا تتوجس من النقد والجدال حولها؛ حتى لو كان في القضايا الدينية، وأي قارئ للقرآن يعلم كم من آيات الجدل ذكرت بين الله تعالى وغيره كما حدث مع الملائكة أو الشيطان، أو حكايات الجدل بين الأنبياء وخصومهم، وكلها في مسائل الربوبية والتوحيد، ولم يزدها هذا الجدل والنقد إلا قوة وتمكيناً، وإظهاراً لأدلة أخرى تزيد الحق يقيناً وقبولاً، أما انعدام المجال الصحي لمناقشة الأفكار وغياب نقدها فهذا الحال قد يسمم المجتمع بالأفكار الخائبة التي تُحسّن النقل الأعمى لأي أفكار دون تمحيص، أو تعشى في قبول أفكار فارغة لم نستطع النظر فيها بسبب شدة الأضواء الإعلامية الماكرة.

وختاماً.. يعيش العالم سباقاً محموماً لأجل الهيمنة والسيطرة الرضائية على موارد العالم من خلال أدوات ناعمة تقوم على غزو الوجدان والعواطف وانقياد العقول بالتسليم، ومجتمعاتنا العربية إما في غفلة حقيقة عن المقاومة والمدافعة، وإما تعيش استغفالاً توهمياً يجعلنا محاربين أشاوس في حلبةٍ مختلفةٍ عن الصراع الحقيقي، وننطح بكل قوة وعنف تلك الخرقة الحمراء المتوهمة التي تستثير غضبنا وانفعالنا بلا توقف، وتستنزف حاضرنا ومستقبلنا بلا رحمة، وأزمنة القوة والنهوض مرّت على بلدان كثيرة وفي حقب تاريخية متعددة لا ينكر الباحث فيها أن الأفكار الملهمة الدافعة لتقدمهم كانت مناخاً عاماً يتنفسه الجميع دون خوف أو وجل.