وداعًا رمضان

علي عفيفي علي غازي |

كنا بالأمس نستقبل شهر رمضان، واليوم نودع شهر رمضان، فها هي العشر الأخيرة من الشهر، أعظم أيامه فضلاً، وأجلها قدرًا، وأكثرها أجرًا، فكم من مذنب يعتق من النار فيها، ويغفر له فيها من الذنوب، قدم لنفسك فيها توبة صادقة، إنها فرصة عظيمة تسنح في العام مرة واحدة، فيها ليلة هي خير من ألف شهر، اغتنم هذه الليلة، فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".


وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في هذه العشر بالعمل أكثر من غيرها، ففي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره"، واعلم أن ليلة القدر يفتح الله فيها باب القبول، ويقرب فيها المحبين، وباب التوبة فيها مفتوح، وعطاء ربك ممنوح، فمتى تجد وتعمل إذا لم تعمل في هذه الأيام، إنها فرصة لا تتكرر ولا تعود، فإنك لا تعلم هل ستعيش إلى عام قادم أم لا، فهل من مجتهد حريص.

ها هو رمضان تنتهي لحظاته وأيامه، جاء وقت الوداع فبأي شيء تودعه، هل تبكي على فراقه، وتتأسف على رحيله، وتندم على انتهائه، لقد مضى شهر العبادة، فهل أحييته بالعبادة، انتهى شهر البر والإحسان، فهل أفطرت صائمًا، أو أعطيت سائلاً محرومًا، انتهى شهر صلة الأرحام، فهل وصلت فيه قريبًا، أو زرت فيه جارًا، انتهى شهر التوبة، فهل صرت من التائبين النادمين، انتهى شهر القرآن، فهل انشغلت فيه بتلاوته.

إن كان قد مضى رمضان فإن عمل المسلم لا ينقضي حتى الموت، فلا تقل ذهب رمضان، وتستهل شوال بالفسوق والعصيان، فقد كنت في رمضان مطيعًا لربك منيبًا، فعلى أي شيء عزمت بعد رمضان، أبعد ما ذقت لذة الطاعة والمناجاة تعود إلى مداراة العصيان، فلا تكن ممن بنى وهدم، "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا" (النحل: 92)، ودّع شهرك بتوبة صادقة، وبقاء على العهد، واتبع الحسنة بالحسنة، فذلك من علامات قبول التوبة.

فإذا كان قد مر رمضان شهر مضاعفة الأجر والثواب، شهر نزول القرآن هدى للناس، شهر التقوى والصلاح، شهر إصلاح القلوب، وغفر الذنوب، وستر العيوب، والعتق من النيران، فإن أيام العام كلها رمضان لتعوض ما فاتك من التقصير، وأدعوا الله أن تكون من عتقائه من النار، وأن يجعل الصيام والقرآن لنا شافعين يوم الدين، وأن يرزقنا فرحتيه: عند الفطر، وعند لقاء رب الجنان، وأن يدخلنا من باب الريان، ويسقنا من حوض نبيه المصطفى العدنان، شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا.

* صحافي وأكاديمي مصري.