أسْمِطَة عيد الفطر في مصر زمن العز واللؤلؤ

(الحياة)
سماح عاطف عبد الحليم |

الأسمطة مفردها سماط، ويقصد بها ما يمدّ من الموائد ليوضع عليه الطعام في المآدب والولائم وغيرها، فقد كانت الولائم وموائد الطعام، وسيلة فعالة من وسائل الدعاية الإعلامية التي اتبعها الحكام منذ أقدم العصور في الأعياد والاحتفالات التي كانوا يقيمونها، للتقرب من شعوبهم وضمان تأييدهم وخضوعهم، فيذكر أن الملكة حتشبسوت كانت تعد وليمة عظيمة عامرة بأشهى أصناف الطعام، احتفالاً بعيد الإله حورس، وكان يعبأ الطعام في أقفاص مصنوعة من الجريد، ويعطى كل مصري أو أجنبي ممن حضروا الاحتفال قفص في حجم قفص الفاكهة المستخدم حالياً، يأكل منه في الاحتفال، ويحمل ما بقي إلى بيته.


وظلت عادة نصب أسمطة الطعام في الأعياد قائمة بمصر بعد الفتح الإسلامي، وقد بدأت هذه العادة تأخذ اهتماماً رسمياً من قبل الحكام المسلمين، وذلك مع ظهور الدول المستقلة عن الخلافة العباسية بمصر؛ كالدولة الطولونية والدولة الإخشيدية؛ فقد رأى حكام كلتا الدولتين أنهم بحاجة إلى مزيد من دعم وولاء المصريين لإضفاء الشرعية على حكمهم في ظل استقلالهم السياسي عن الخلافة العباسية؛ لذا فقد بدأوا يتقربون للمصريين ويشاركونهم احتفالاتهم؛ لاكتساب شعبية جماهيرية، وكان من الطبيعي أن تأتي أسمِطة الطعام على قائمة هذه الاهتمامات، حتى أنهم نجحوا في استثمارها كنوع من الدعاية السياسية لحكمهم. فتشير المصادر التاريخية إلى تخصيص الطولونيين مطابخ لصنع الطعام وتوزيعه على الفقراء والمساكين يومياً، ونصب الأسمطة بقصورهم في الاحتفالات ودعوة الشعب إليها، فيذكر ابن تغري بردي أن الأمير أحمد بن طولون "كان يعمل سماطاً عظيماً وينادي في مصر: من أحب أن يحضر سماط الأمير فليحضر. ويجلس هو بأعلى القصر يشاهد ذلك ويأمر بفتح جميع أبواب الميدان ينظر إليهم وهم يأكلون ويحملون فيسرّه ذلك".

كما كان سماط عيد الفطر الذي يقيمه الوزير أبو بكر المادراني- الذي تولى عدة مناصب في الدولتين الطولونية والإخشيدية- مضرب المثل في النوادر والطرائف، فهذا الوزير كما يصفه المقريزي كان "تغلب عليه محبة الملك وطلب السيادة"، وقد اشتهر بالثراء العريض والكرم وأعمال البر والإحسان، ونجح في توظيف ذلك في الإعلام عن نفسه وكسب الشهرة والثناء، فيذكر المقريزي أنه كان يقدّم على سماطه نوعاً خاصاً من الكحك المحشو بالسكر ويسميه "أفطن له"، وكانت العادة أن يحشوه بالفستق والسكر والمسك، ثم جعل مكان ذلك قطع الذهب في أكثرية الكحك، فإذا جاء حظ بعض الآكلين إنه وقعت في يده كعكه محشوة بالذهب، قام أستاذ السماط بالتنبيه عليه قبل أن يأكل قائلاً: "أفطن له"، وكان من العادة أن يخرج بعض الآكلين بحصيلة من الذهب تغنيه، وكان المادراني يتعمّد أن يجعل الكحك المحشو بالذهب موضوعاً في أطباق معروفة على السماط حتى يتناولها الضيوف، فإذا أشار أستاذ السماط إلى كحكه في طبق بأن "أفطن له" عرف الضيوف أن كل الأطباق المماثلة تحتوى على "الكحك الذهبي" فاختطفوه.. ويتحول الحفل إلى مرح وهرج ومرج، فالضيوف يخرج كل منهم من فمه الذهب ويأكل الكحك ويضع الذهب في جيبه.

أما الفاطميون شيعيو المذهب، والذين استقلوا عن الخلافة استقلالاً تاماً– سياسياً ومذهبياً-، فقد كانت الاحتفالات أبرز وسائل الدعاية والإعلام في عصرهم؛ إذ اتخذوها كدعامة لإمامتهم الدينية وملكهم السياسي، وأنفقوا عليها أموالاً طائلة لتأكيد نفوذهم وجذب الأنصار إلى صفوفهم، وإضفاء الشرعية على حكمهم في ظل المنافسة السياسية الشديدة بينهم وبين العباسيين على لقب الخلافة وريادة العالم الإسلامي، فقد نظموا حملة إعلامية لصالحهم باستخدام أسمطة الطعام، التي بلغ اهتمامهم بها حداً فائقاً وأغدقوا عليها بسخاء؛ وكانت أسمطة عيد الفطر من أهمها وأشهرها، فقد كان يتم الإعداد لها منذ منتصف شهر رجب، وخصصوا لذلك إدارة حكومية عرفت باسم "دار الفطرة"، ورصدوا لها مبلغ كبير من المال، لإعداد حلوى وكعك العيد التي تقدم على هذا السماط، وعهدوا بهذا الأمر إلى مئة صانع يبدأون عملهم من منتصف شهر رجب حتى نهاية رمضان، وكان الخليفة يشرف بنفسه على سير العمل خلال تلك الفترة، ويحمل إنتاج هذه الدار في نهاية رمضان إلى قصر الخليفة الفاطمي، ويتم ذلك في احتفال بهيج بالطبول يشهده المصريون. ويوزّع جزء من هذا الإنتاج على مستحقيه، ويخصص الجزء الآخر لسماطي عيد الفطر اللذان يعقدان بقصر الخلافة.

فقد كان السماط الأول ينصب في الإيوان الكبير المطل على الشباك الذي يجلس فيه الخليفة، وقد بلغ امتداده 300 ذراع طولاً في عرض سبعة أذرع، وقد رصت عليه الأطعمة التي بلغت 60 صنفاً من كعك وحلوى العيد، لتبدو وكأنها جبل عظيم، فإذا صلى الخليفة الفجر وقف في شباك قصره بحضور الوزير وأمر بدخول عامة الناس، ثم يعلن الفطر، ويأذن للناس بتناول الطعام، فيأكلون ويحملون إلى دورهم ما يستطيعون حمله، ليأكلوه أو يبيعوه في الأسواق البعيدة عن مدينة القاهرة.

أما السماط الثاني فكان يقام في قاعة الذهب بعد عودة الخليفة من صلاة العيد، ويحضره الوزير وكبار رجال الدولة؛ حيث أعدت له مائدة من الفضة يقال لها- المدورة- وعليها أواني الفضة والذهب التي تحمل الأطعمة المختلفة، وفي نفس الوقت كان يمد السماط الكبير، وهو من خشب مدهون مزين بالورود ليتناول خاصة الخليفة الطعام، وعلى هذه المائدة ترص الأطعمة بطريقة خاصة في صحون يبلغ عددها 500 صحن. وقد أفاضت المصادر التاريخية في وصف هذا السماط، فيذكر المقريزي نقلاً عن المسبحي "وينصب فيه مائدة من فضة، ويقال لها: المدوّرة، وعليها أواني الفضيات والذهبيات، والصيني الحاوية للأطعمة الخاصة الشهية، ثم ينصّب السماط أمام السرير، والسماط خشب مدهون شبه الدكك اللاطية، فيفرش فوق ذلك الأزهار، ويرص الخبز على حافتيه سواميذ كل واحد ثلاثة أرطال من نقيّ الدقيق، ويعمر داخل ذلك السماط على طوله بواحد وعشرين طبقاً في كل طبق واحد وعشرين ثنياً سميناً مشوياً، وفي كل من الدجاج والفراريج وفراج الحمام ثلاثمئة وخمسون طائراً، فيبقى طائلاً مستطيلاً، فيكون كقامة الرجل الطويل، ويسوّر بشرائح اللواء اليابسة، ويزين بألوانها المصبغة، ثم يسدّ خلل تلك الأطباق بالصحون الخزفية التي في كل واحد منها سبع دجاجات، والطيب غالب على ذلك كله، فلا يبعد أن تناهز عدّة الصحون المذكورة خمسمئة صحن، وقد عمل بدار الفطرة، قصران من حلى في كل واحد سبعة عشر قنطاراً وحملاً، فينصّبان أوّل السماط وآخره، وهما شكل مليح مدهونان بأوراق الذهب، وفيهما شخوص ناتئة". ويستمر هذا السماط إلى قرب الظهر، ويحمل ما زاد من طعام السماط إلى منازل حاشية الخليفة بعد انصرافهم من مجلسه، حيث يمد كل واحد منهم سماطاً في منزله لأهله وحاشيته ولعامة الناس.

لم يدخر حكام المماليك أيضاً وسعاً في إقامة مثل هذه الأسمطة والإنفاق عليها بسخاء من منطلق حرصهم على صبغ دولتهم بالصبغة الدينية، وبسط سلطتهم السياسية والروحية على العالم الإسلامي؛ لذا فقد اتخذوا من الاحتفالات الدينية والتوسعة على الفقراء بالأطعمة والحلوى وسيلة للتقرب من العامة والدراويش والمتصوفة-، لاكتساب شعبية في أوساطهم.

فقد كان السلطان المملوكي بعد أدائه صلاة العيد يتوجه إلى الإيوان الكبير بالقلعة؛ ليجلس على سماط عيد الفطر الذي انفق عليه الكثير من المال، وكان يحضره كافة طوائف الشعب، ففي سنة 672ﻫ/ 1273 م جلس السلطان الظاهر بيبرس على أسمطة عيد الفطر بإيوان القلعة وسط احتفال شعبي كبير، وأكل الناس كفايتهم من الطعام، وحملوا منه إلى بيوتهم. وبعد أن صلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون صلاة عيد الفطر بالدهليز ببركة الحاج، قدّم الأمير سلار سماطاً عظيماً بلغت النفقة عليه اثني عشرة ألف درهم، وقد ظلت مصاريف سماط عيد الفطر في تصاعد مستمر خلال عصر المماليك حتى بلغت خمسين ألف درهم كل عام.

لم يختلف العصر العثماني عن غيره من العصور في هذا الأمر، فقد اهتم حكام مصر خلال تلك الفترة بإقامة الأسمطة فى عيد الفطر، والإنفاق عليها بسخاء، فقد وصف الرحالة أوليا جلبى الذي زار مصر خلال هذا العصر مشاهدته لهذه الاسمطة، فذكر أنه بعد أداء الوالي لصلاة العيد في جامع قلاوون، كان يتوجه إلى ديوان الغوري برفقة كبار رجال الدولة، حيث أعد لهم سماطاً عظيماً عليه ثلاثة آلاف صحن مذهب وممسك يحوي أشهى الأطعمة، وفى ساحة ديوان الغوري مدّ سماطاً ثانياً عليه ألفي صحن من الطعام لعامة الناس، كما مدّ سماط ثالث للجند الانكشارية ولموظفي الديوان بالساحة العظيمة للديوان قدّم عليه 12000 صحن من الطعام، وقد علّق الرحالة على هذا المشهد بقوله "حتى أنه من صوت الآكلين وصوت الأطباق النحاسية سمعت القاهرة ما يشبه الرعد".

* كاتبة وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية من مصر.