أسئلةُ العصرِ حولَ الأسماءِ والصفاتِ

إبراهيم البيومي غانم |

كيف تصبحُ أسماء الله الحسنى، وصفاتُه العليا، هادية لسلوك الإنسان، ومرشدة إلى أقوم السبل، ومقومةً لكل انحراف أو زيغ عن جادة الحق والصواب؟ وكيف تكون برنامج عمل لعمران الأرض ونشر السلام والأمان في العالمين؟ وإذا كان مصدرُ معرفتنا بأسمائه وصفاته واحداً، وهو النص الشرعي من القرآن والسنة النبوية الصحيحة؛ فلماذا اختلف المسلمون بشأن عددها، وبشأن معانيها؟ وكيف يقترب أبناء هذا العصر من الأسماء والصفات دون أن يغرقوا في الخلافات التي نشبت بين الفرق الكلامية القديمة.


هذه جملة من أسئلة العصرِ بشأن ما يتعلق بأسماء الله وصفاته. وقد ظلت تدورُ في خاطري زمناً، وتمنيت أن ينهضَ أحد علماء العصر بالإجابةِ عليها إجابة وافية ومبسطة وبعيدة عن لغة علماء الكلام في الأزمنة الماضية؛ بحيث يفهمها غيرُ المتخصصين في علوم الكلام والعقيدة وأصول الدين. وقد أتيتُ على هذه المسألة عرضاً في محاضرة لي ألقيتها بـ "دار العلم والعلماء" في طرابلس لبنان الشتاء الماضي، وما أن أنهيتُ حديثي حتى إن فضيلة الشيخ الدكتور زكريا عبد الرزاق المصري- عضو هيئة علماء الصحوة الإسلامية في لبنان- وكان من الحاضرين، وجدته يبادرني فور نهاية كلامي بنسخةٍ هدية من كتابه القيم: "صحيح العقيدة الإسلامية في الأسماء والصفات الإلهية" (طبعة لبنان: طرابلس 2019م). وقال لي: في هذا الكتاب جواب عما سألت عنه الآن. فلما قرأتُه و"روَّأت" النظر فيه وجدته بالفعل كما وصفه مؤلفُه. واضح المعنى. سهل العبارة. قريب من الفهم، بعيد عن الألغاز والغموض. لغته معاصرة. وقراءته تشرح الصدر، وتوسع مدارك العقل على أسماء الله وصفاته، وما لها من عظيم الأثر في الإنسان والكون والحياة بجملتها.

يتألفُ هذا الكتابُ من ثلاثة أبواب: أولها بعنوان: "صحيح العقيدة في الأسماء والصفات" (ص15- 82)، والثاني بعنوان: "العقيدة الفاسدة في الأسماء والصفات" (ص83- 106)، والثالث بعنوان:" التحذير من التكفير وضوابطه ونتيجة المخالفة فيه" (ص107- 136). ثم خاتمة أكد فيها على أن موضوع الأسماء والصفات لم يكن محلاً للتنازع بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن منهجهم فيها هو منهج القرآن والسنة؛ الذي تركه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، وأن على الأمة أن تلتزمَ هذا المنهج لكي تتحقق وحدتها، وترجع إليها هيبتُها، وتأخذ مكانتَها اللائقة بها في العالم.

وإذا كان الاختلافُ في أسماء الله وصفاته قد وقعَ في الأزمنة الوسيطة بين الفرق الإسلامية بشأن عددها، وبشأن هل هي توقيفية أم غير توفيقية؛ فإن السؤال الذي بقي له معنى، وفي الجواب عليه كثيرٌ من العبر والدروس حتى اليوم هو: كيف نعللُ هذا الاختلاف، حتى إذا ما عرفنا العلة أمكن تجنّبها؟ أما أغلبية تفاصيل هذا الاختلاف ومسائله الفرعية التي استغرقت فيها فرق: المُشبهة، والجَهمية، والمعتزلة، والأشْعرية الكُلابية، والمفوضة، وأهل السنة والجماعة، فلم يعد لها معنى في الوقت الحاضر، والأفضل أن يظل البحث فيها محصوراً بين أهل الاختصاص في مثل هذه المسائل إن ثمة حاجة لشيء من ذلك.

اختارَ الشيخ زكريا المصري أن يعالج مسألة "تعليل الاختلاف حول الأسماء والصفات" بمنهجية تاريخية، لا بمنهجية نظرية أو كلامية. والمنهجية التاريخية- في نظري- هي الأنسب لمثل هذه المسألة، وهي الأسلم أيضاً من أجل تجنب مخاطر الانزلاق إلى مهاوي الشطط النظري أو الفلسفي. وفي نور هذه المنهجية يقرر الشيخ زكريا كلَّ ما جرى من اختلافات بين الفرق الإسلامية في هذه المسألة كانت له أسباب تاريخية، وهي أسباب متحيزة زماناً ومكاناً. ويؤكد على أن "القرآن الكريم" هو الذي حقق وحدة الأمة أول مرةٍ، وقضى على حالة الفرقةِ التي مزّقت القبائل العربية قبل الإسلام في عصر الجاهلية. ومن أوضح الأدلة التاريخية على ذلك: أن الصحابة عندما اختلفوا في موتِ الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي مكانِ دفنه، كان النصُّ القرآني الثابت والصريح من القرآن الكريم والسنة هو الذي عصمهم من شرور ذلك الاختلاف، وصار النص القرآني سبب وحدتهم وقوتهم، وهو قوله تعالى:" فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن وتأويلاً" (النساء:59).

وثمة دليلٌ تاريخي آخر وهو: جمع المصحف الذي قام به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وحسمَ به مادةَ الفرقة بين المسلمين بشأن اختلاف القراءات بسبب اختلاف القرّاء نظراً لاختلاف لهجات قبائلهم العربية. ثم حصلت محاولة أخرى لشق صف المسلمين من خلال تأجيج الاختلاف بشأن فهم آيات الصفات في الآيات المتشابهات. ومن حكمة الله تعالى أنه أنزل آياتٍ متشابهات لتكشف حقيقة أحوال المنافقين والذين في قلوبهم زيغ. وقد أرشدَ القرآن الكريم إلى كيفية التعامل معهم، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: "إذا رأيتُم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله "فاحذرهم"، يعني: المنافقين، بدليل قوله تعالى: "وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة، يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم" (المنافقون: 4). ويتتبع الشيخ زكريا وقائع تاريخية كثيرة في هذه المسألة، ويخلص منها إلى أن القوى المناوئة للأمة الإسلامية قد سعت باستمرار لتأجيج الاختلاف في أسماء الله وصفاته؛ لأنه اختلاف في مسألة عقائدية تترتب عليها نتائج سلبية كثيرة، ومن أخطرها: تكفير المخالف، ومن ثم إشعال نار الفتنة والفرقة في الأمة؛ حتى تضعف وتكون لقمة سائغة لأعدائها.

وحسمُ الاختلاف في فهم الأسماء والصفات لا يكون وفق ميزان العقلِ، أو وفق ميزان المصلحةِ، بل يجب أن يكون وفق ميزان الشرع وحده. ولهذا كان الصحابة لا يتجاوزون الكتاب والسنة في ذلك، فلا تأويل عندهم ولا تعطيل. وإذا رجع المختلفون جميعاً إلى النص الشرعي في هذه القضية وسلَّموا به، فستلتقي العقول كلها وتكون على رأي واحد، بخلاف إذا ما رجعوا إلى مقتضيات العقول البشرية وحدها؛ لأنهم في هذه الحالة سيتفرقون إلى فرق وشيع متنافرة، كما حصل مع المشبهة، والمفوضة، وكما حدث مع الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الكلابية؛ فكل هؤلاء عندما تركوا النص الشرعي واستخدموا عقولهم في فهم الأسماء والصفات خرجوا عن الطريق المستقيم. وقد أدرك بعض كبار الأئمة خطأ وضع منهج العقل في مقابل منهج النقل في فهم الأسماء والصفات، وقرروا الرجوع إلى النص في هذه المسألة الشائكة ومنهم: الإمام الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل (ت324هـ)، وكان قد تتلمذ على يد أبي علي الجبائي المعتزلي، ولكنه تركه وانتقل إلى ما كان يقوله عبدالله بن سعيد الكلابي (وإليه تنتسب الأشعرية الكُلَّابية)، ثم تركه للسبب ذاته، وانتقل إلى ما يقوله الإمام أحمد بن حنبل، وألف كتاب الإبانة عن أصول الديانة. وقد اعتمد عموم أهل السنة والجماعة في الرد على مخالفيهم على قاعدة ذات أساسين: الأول هو أن القول في الصفات كالقول في الذات الإلهية. والثاني هو أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وفي الأساسين تفصيل يطلب من مظانِّه.

ولما كانت صفات الله تعالى فرعاً عن ذاته، وذاتُه تعالى غيب، فإن صفاته تعالى تكون غيباً أيضاً. والغيب لا يجوز الخوض فيه بالعقول البشرية؛ لأنها محدودة وناقصة وقابلة للخداع، وعليه فلا بد- مرة أخرى- من الاستناد إلى النصوص الشرعية من القرآن والسنة في الأسماء والصفات؛ كي نأمن البعد عن الصواب.

ويحذر الشيخ زكريا في أغلب صفحات هذا الكتاب من خطر استسهال التكفير والتكفير المضاد، وبخاصة في مسألة اعتقادية كمسألة أسماء الله وصفاته. ويرى أنه سلوكٌ يفكك المجتمع، وينشر الفوضى، ويغري الأعداء، وكل من ينتهج هذا الأسلوب التكفيري فإنه يضع نفسه في دائرة الاتهام بأنه يعمل لصالح أعداء الأمة، وإن لم يشعر بذلك. وقد ذاقت الأمة الأمرَّين قديماً وحديثاً بسبب هذه المشاحنات حول هذه القضية، وبخاصة على يد الخوارج والمعتزلة والشيعة الصفويين.

إن أصابع الاتهام في رأي الشيخ زكريا المصري يجب أن تظلَّ مصوبة تجاه كل فرد أو جماعة أو جمعية أو حزب أو فئة تعمدُ إلى إثارة الخلاف في القضايا العقائدية بعيداً عن النص الشرعي، أو بعيداً عن فهم أهل السنة والجماعة؛ الذين اعتمدوا منهج صحابة رسول الله في فهم أسماء الله وصفاته، والعمل في نور هديها. ومنهجهم هو: إثبات جميع ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات دون تشبيه، ونفي جميع ما نفاه الله تعالى عن نفسه من الصفات دون تعطيل، وذلك عملاً بالقاعدة القرآنية في قوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (الشورى: 2)، وقوله تعالى: "هل تعلمُ له سمياً" (مريم: 65)، وهو استفهام إنكاري معناه النفي؛ أي لا سميَّ لله تعالى ولا شبيه ولا نظير، وقوله تعالى: "ولم يكن له كفواً أحد" (الإخلاص:4)، أي مكافئاً ومماثلاً.

هذا الكتاب الجديد للشيخ زكريا المصري، بسيط في عبارته، وصغير في حجمه (137صفحة)، ولكنه ينطوي على فكرة عميقة الغور، ومصاغ بلغة يسيرة المنال، في موضوع من أعقد موضوعات العقيدة وعلم الكلام، وهو يستحق القراءة والمدارسة، ففيه ما ينفع الناس، والله تعالى أعلم.