"خمسة ونص"... شجاعة وواقعية نص ومخرج وممثل

خمسة
أمين حمادة |

تبدأ حلقات مسلسل "خمسة ونص" من إنتاج شركة "الصبّاح إخوان"، بتعريف نموذجي بعائلة "الغانم" السياسية وأفرادها ومكانتها وتركيبتها، عبر مقتل ابنها "رغيد" وعزائه. الأب "غانم الغانم" عملاني محنك خائف على "إرثه السياسي" في ظروف يزيد أعداؤه صعوبتها، فيسارع إلى استدعاء "الوريث". أزمة صحية تداهمه جرّاء المُصاب، تستدعي دخول دكتورة أمراض الدم والسرطان "بيان نجم الدين" إلى البيت العريق. الأم "سوزان الغانم" مفجوعة تلقي اللائمة على زوجها، حاقدة على ابنه من عدوتها المقتولة بسببها، المقبل لأخذ ما كان مهيئاً لإبنها. والحقد متبادل من قبل "غمار الغانم" الآتي من دمشق مع حارسه وصديقه الوسيم "جاد"، محملاً بالكره تجاهها، والشعور بالغبن والظلم لاستبعاده من حضن والده الذي يشبهه كثيراً بطبعه. يطلّ منذ اللقطة الأولى له، بسيجار أبيه. البيئة تصبح جاهزة لحبكة أكثر تعقيداً وعمقاً، بعد مرحلة تأسيسية منسوجة بإتقان في نص الكاتبة إيمان سعيد، تزرع بذور العقدة، وتسير الى الأمام محملةً بإسقاطات سياسية لم تقطع فيها دراما في لبنان مسافةً مماثلةً من قبل، وتلامس شعبه من دون تسمية أبطالها المعروفين جيداً، من بينهم من خسر ابنه فأورث الحكم لإبن آخر، وفيهم من قتل زوجته ليرتبط بأخرى، ومنهم من أتى من عالم التجارة الى الحكم فباع واشترى، وضمنهم من استحوذت زوجته "كوتا" دور الأيتام والجمعيات الخيرية، لتنهب الأحياء والأموات معاً، وأيضاً تاجر السلاح والدويلة.


تتحرك الشخصيات الرئيسة في المقترح الحكائي بخطوات مدروسة، فـ"غمار" من تجسيد الممثل السوري قصيّ خولي، يتكئ في بناء الدور على عقدة "أوديب" الذي رماه والده، فعاد وتزوج أمه، بدلالة حبه المرّسخ لـ"عائدة" (رواد عليو) المتزوجة والأم. تتوافق هذه العقدة التي تقول بتقمص الطفل شخصية والده حتى يحل مكانه، مع مسار الأحداث، ومع الأدوات التي يختارها خولي باكتمال معرفي للدور في لغة الجسد المضطرب بخاصة حركة أصابعه، وصوته الجامع الغضب والحزن والتملك معاً، والمتقن للخداع وإظهار عكس ما يبطن بالتعاون مع نظراته، وحتى سحنته الصفراء، فكل زفرة منه، تنبع من المنهج النفساني الداخلي. حنكة الممثل لديه وقراءته الدرامية الثاقبة، تدفع الشخصية المركبة إلى أدق التفاصيل، فيستبدل الـ"مو" السورية بـ"مش" اللبنانية، بما يستدعيه وضع لبناني عاش في سورية، ما يثبت أكثر المبرر الدرامي للخلطة العربية التي لا شك أنها تسويقية في المقام الأول وفق السائد، لكنها تكسب احترامها عند خضوعها للشرط الفني، كما تخسره عند قفزها عليه. ولا يستثني النص سد هذه الثغرة، فيشير بواقعية شجاعة على لسان "سوزان" (رولا حمادة) الى صعوبة تقبل سياسي لبناني بلهجة سورية، كما يعتمد التورية في أسباب رفض الحزب له، فيبطنها ويظهر غيرها، النتيجة لن يكون "غمار" مرشحاً الى البرلمان ولا نائباً.

وترتفع اللبنانية نادين نسيب نجيم درجة جديدة في أدائها، لعلها أصبحت الممثلة اللبنانية الأولى في فئتها العمرية، فلا منافسة في حب الكاميرا لها، ولا في كاريزما حضورها. وتحسن في أدائها الذي ما زال يدور في فلك الأداء الطبيعي تحت "ظرف الشخصية"، اختيار مفردات الطبيبة وسلوكها في حركتها وملبسها رغم هفوة واحدة تمثلت بانتعال كعب عال في جولة طبية، تخلصت منها سريعاً بأزياء عملية وملائمة، والأهم أنها لا تجيّر وهج التمثيل إلى الموضة. تبدأ "بيان" من الملف الصحي الذي يحمل بدوره أزمة الأدوية الفاسدة و"لفلفة" القضايا في بلد الأرز، قبل أن تدخل "قصر آل الغانم" مثل الـ"ليدي ديانا" في قصة حب مفتعلة من قبلهم، لعبور "غمار" الى قلوب اللبنانيين. هي تحمل ايضاً في ذاكرتها ارتكابات وأنانية والدتها بتركها في طفولتها، وتتجه الى مواجهة التجربة عينها بعد حملها ووصول الأحداث الى وضعها في نزاع مع زوجها، مع تقربها من "جاد" (معتصم النهار) بصورة متسرعة، لكانت منطقية أكثر لو بنيت على تراكمات حدثية أكثر إقناعاً، بخاصة أن المماطلة والبطء شابا حلقات عدة، رغم ملامسة خطوط ثانوية تعالج العنف ضد المرأة، وتكشف في حواراتها طبقة سياسية قائمة على الإبتزاز والفساد والصفقات المشبوهة، على جثث شعب يدفع فواتيرها.

ويشكل "خمسة ونص" نقلة نوعية في أسلوب المخرج اللبناني فيليب أسمر الذي يستمر في صورته الجمالية، لكنه اليوم يسّخر مواقع التصوير والديكور فضاءً درامياً حقيقياً، فالأحياء الشعبية وأزقة بيروت وشرفاتها وحبقها، وعربات الفول وأولادها، يرصدهم بلقطات جوية مع العامة برؤية واقعية تستمر خلال تجوّل العدسة فيها، والقصر المنيف الذي يلبي الشرط الدرامي بتوافق مع الإبهار البصري، بما يشكله ساكنوه من سلطة، وأموال منهوبة، لعل الثغرة الوحيدة في هذا الشق، تصوير خطاب "غانم الغانم" من أسفل إلى فوق فقط، من دون عكس الإتجاه بما تعنيه الزاوية من احتقار للهاتفين بحياته مثل قطيع من الأغنام، في محاكاة لمشهد متكرر في حياة اللبناني. وحتى العرس المبالغ به، هو ليس مبالغة درامية، إذ يشكل مرآةً لحفلات زفاف أبناء وبنات المسؤولين في هذا البلد. يعتمد في المواقف المضطربة الكاميرا المهزوزة مع اللقطات القريبة لإبراز داخل الشخصية ومعنى المشهد أكثر، ويتميز في كثير منها بإظهار رمزيات درامية مثل رمي "غمار" هاتفه فيلتقطه "جاد" في إشارة الى أبعاد علاقتهما، وايضاً في لقطة "كلوز" خلال "سجدة عزلة الحزن" على المكتب من قبل "الغانم الكبير" عند مقتل ابنه. مشهد يؤديه الممثل اللبناني رفيق علي أحمد، بأداء يعيد وقاره بعد سقطات كثيرة سبقت "خمسة ونص"، بخاصة في "الهيبة/ العودة".

في سياق الأداء أيضاً، تمسك الممثلة اللبنانية رولا حمادة باقتدار بأطراف شخصيتها، حية في التمثيل بدور "حية" خرجت من جحرها بعدما ثكلت. وأما معتصم النهار، فيؤدي دوره المكتوب بلا زيادة ولا نقصان حتى الآن، حارس وسيم لا يستخدم الا نظراته يميناً ويساراً، محكه الحقيقي يبدأ عند كشف الأوراق مع "بيان و"غمار" من ضمن أوراق كثيرة يحملها نص متين لسعيد التي زرعت في الحلقات السابقة، ما يستطيع أن يقلب الطاولة رأساً على عقب في الحلقات المقبلة ويكشف دلالة اسمه المرتبط بحلم "بيان". يستحق العمل وصفه بـ"دراما لبنانية بعناصر عربية"، على أمل أن يفتح الباب لدراما مستقبلية تماثله وتتخطاه في إقتحام الواقع.