دموع تيريزا ماي وفرصة التّطرف في الخروج من الاتحاد الأوروبي

أحمد الصياد |

تُرى، على أي شيء بكت تيريزا ماي وهي تعلن استقالتها من منصب رئيس وزراء بريطانيا؟ سالت دموعها أمام العالم، ووخزت بها ضمير السياسة ومقالبها، وكأنها تقول: ماذا كان يمكنني عمله، فقد كنت من الرافضين للخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكزيت"، ولما تسلمت موقعي، التزمت بنتيجة الاستفتاء الشعبي، ورفضت إجراء استفتاء غيره، وانتقلت أسعى بجدية للخروج، والنتيجة أنني فقدت موقعي، وبينما فرصة البلاد في البقاء داخل الكتلة لم تمُت، فإن الخروج لم يولد، وعليه لم يعد لي مكان في أي مِن الفريقين.


هي "تيريزا ماري ماي"، ولدت في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 1956، وثاني سيدة في تاريخ بريطانيا تتولي منصب رئاسة الوزراء، 2016 ـ 2019، بعد "مارغريت تاتشر"، 1979 ـ 1990، والمُلقبة بالمرأة الحديدية، وصاحبة الكاريزما الساحرة. والسيدتان تنتميان إلى حزب المحافظين، وحفل مشوارهما في العمل السياسي بتاريخ ممتد ومتطور سواء داخل الحزب أم في تقلد عدد من الوزارات.

ومن غير المنتظر أن تتمتع ماي بالتقدير الهائل ذاته الذي نالته تاتشر، التي أُقيم لها تمثال في مجلس العموم عام 2007 وفي مواجهته تمثال ونستون تشرشل أعظم الساسة البريطانيين، كما أُجريت مراسم عزاء فريدة في وفاة تاتشر، 8 نيسان (أبريل) 2013، حضرتها الملكة إليزابيث الثانية. وفي حين انتهجت ماي سياسة حازمة تجاه الهجرة واللاجئين، مُعتبرة أن الهجرة تهدد تماسك المجتمع، وتخصم من فرص وأجور العاملين البريطانيين، اشتُهرت تاتشر بصلابتها في السياسة الخارجية، إلى جانب سياسات الخصخصة الجريئة، وتحفيز آليات السوق الاقتصادية الحرة.

وبينما دموع ماي لم تجف بعد، لم ينتظر الجنيه الاسترليني إلى السابع من حزيران (يونيو)، موعد رحيلها من 10 دواننغ ستريت، فانتعش بسرعة مرتفعاً بنحو أربعة في المئة مقابل الدولار واليورو على السواء، بعد خسائر تواصلت على مدى 14 يوماً. وإن لم ترحل المخاوف من أن يكون خليفتها من المؤيدين بشدة للبركزيت؛ ومن ثم قد يسعى إلى "الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق"، على رغم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر اقتصادية. وهنا يلاحظ التشابك شديد التعقيد بين الاقتصاد والسياسة، على نحو يعادل ذلك الاشتباك الحاصل بين السياسة الدولية والسياسات الداخلية، كسمات رئيسة في العلاقات الدولية المعاصرة. وطبيعي جداً أن يرى الاتحاد الأوروبي أن استقالة ماي "لن تغير شيئاً" من محادثات بركزيت. إذ تعتبر الكتلة أن الكرة في ملعب بريطانيا، وهو شأن داخلي، وبالفعل كانت الكتلة أوصدت الباب أكثر من مرة أمام إعادة التفاوض، ثم تعود للتفاوض بضغوط بريطانية، وربما بتعاطف تُبديه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، بثقلها النسبي الكبير داخل الكتلة، وهي التي طالما أعلنت تعاطفها مع جهود ماي وتفضيلها "خروجاً منظماً". أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو من الداعمين الرئيسيين للاتحاد، إلى جانب ألمانيا، فقد دعا إلى "توضيح سريع" للبركزيت، لكنه أشاد بقرار استقالة ماي واعتبره "عملاً شجاعاً".

ومن جانبه، ذهب رئيس وزراء هولندا مارك روتي إلى أن الاتحاد الأوروبي لن يقبل بإعادة التفاوض على اتفاق البريكزت مع خليفة تيريزا ماي. وصرح الناطق باسم الرئيس الروسي ديمتري بيسكوف بأن "رئاسة ماي للحكومة جاءت خلال فترة صعبة جداً في علاقتنا الثنائية". وأضاف: "للأسف لا يمكنني أن أتذكر أي شيء أسهم في تطوير العلاقات الثنائية بين روسيا وبريطانيا". ما يعكس قوة الترابط الخاص بين واشنطن ولندن، وهو الأمر المرشح للنمو بقوة فيما لو حل وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون محل ماي، وهو صديق للرئيس ترامب، والأخير "يحبه" كما صرح مراراً. وعلق جونسون على استقالة ماي قائلاً: "حان وقت إنجاز البريكزت". وهو بذلك يميل بقوة باتجاه اليمين المتطرف الشعبوي وحليفه في البيت الأبيض، بينما يحقق أمنية غالية لفلاديمير بوتين.

والحال أن ماي هي الضحية الثانية للبريكزت بعد رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، الذي قدم استقالته في الرابع والعشرين من حزيران (يونيو) 2016، بعد ثلاثة أشهر من إعلان نتيجة الاستفتاء الشعبي البريطاني الذي كشف عن موافقة 51.9 في المئة على مغادرة بلادهم الاتحاد الأوروبي. لم يكن كاميرون راغباً في الخروج من الكتلة، وأعلن وقتئذ: "لن أُشرف على الخروج من الاتحاد الأوروبي وسأتركه لغيري"، فكان أن خلفته ماي، الراغبة في المنصب وهي الرافضة أيضاً للخروج، لكنها اجتهدت لتحقق رغبة الشعب وفشلت.

* كاتب مصري.

الأكثر قراءة في الرأي