قمة مكة.. قمة القمم التاريخية

عبدالملك المالكي |

تستحق «قمة مكة المكرمة» المقبلة أن تكون «قمة القمم» الخليجية والعربية والإسلامية، إذ يتقاطر الزعماء العرب والمسلمون في جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربي ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى عقد «قمة مكة المكرمة» القمة الطارئة الخميس المقبل لمناقشة تدهور العلاقات مع إيران، بحيث تستضيف المملكة العربية السعودية الدورة الـ14 للقمة الإسلامية العادية لمنظمة التعاون الإسلامي، بمكة المكرّمة في 31 أيار (مايو) 2019، والتي سيترأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، كذلك أعلن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السعودية أن خادم الحرمين الشريفين وجّه الدعوة لأشقائه قادة دول مجلس التعاون وقادة الدول العربية، لعقد قمتين خليجية وعربية طارئة في مكة المكرمة يوم الخميس 30 مايو 2019، لبحث الاعتداءات الحوثية الإيرانية أخيراً وتداعياتها، لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.


وبذلك تكون القيادة السعودية قد عزّزت دعوتها للدول العربية عبر الجامعة العربية لحضور «قمة مكة المكرمة» بعنوان واضح لا يقبل التأويل «التهديد الإيراني»، لتشمل الدعوة مصوغات التباحث حول الأعمال الإجرامية أخيراً بشأن الهجمات التي استهدفت أربع سفن تجارية في المياه الاقتصادية الإماراتية، وكذلك الهجمات التي شنتها «ميليشيات الحوثي الإرهابية» وكلاء إيران في المنطقة، على محطتي ضخ أنبوب خط «شرق-غرب» في السعودية الأسبوع الماضي، و«ثالثة الأثافي» استهداف منطقة مكة المكرمة عبر صاروخين بالستيين تصدت لهما المضادات السعودية في محافظتي الطائف وجدة.

وهنا تفصيل لا يغيب حضوره عن ذوي الألباب عمّا تأتي به «قمة مكة المكرمة» من وضع الأمور في نصابها الصحيح، بياناً وتبياناً وحزماً وعزماً، وبرؤية تؤصل لتداعيات الأحداث العالمية في المنطقة، والتي أبدأها بالحديث بالداخل الإيراني المتأزم، وفجور نظام الملالي الذي جاوز حدود الصبر عليه وعلى عبثه بأمن المنطقة.

هنا تجدر الإشارة إلى أهمية معرفة حقيقة «إيران من الداخل»، لنأخذ نظرة عن الداخل الإيراني الذي لا شك أن تفككه واضطرابه يشير للكثير ويفسر عدائية النظام الفاسد في إيران.. فالهروب من المشاكل الداخلية يدفع الأنظمة المستبدة غالباً لخلق مناطق محمومة وغير مستقرة مع محيطها الخارجي، بحيث يعمد هذا النظام «العنصري المفكك داخلياً» لتصدير «الإرهاب» والعبث بأمن جيرانه ولا يجعل فرصة للعيش بسلام معهم منذ انطلاق ثورة الخميني قبل 40 عاماً. الداخل الإيراني متعدد الأعراق واللغات والعادات والمعتقدات الدينية، ويجد ظلماً في التفرقة العنصرية عبر أربعة عقود، ما يجعل داخله يتأزم مع كل مُلمة وأزمة تلحق بهذا النظام العنصري الإرهابي، فنجد سرعة الاستجابة للتظاهر ضد النظام على رغم القمع الجائر، وسرعة الاستجابة للخروج على الحكومة المركزية في طهران، وتحديداً للأقاليم البعيدة (كرديستان وزنجان والأهوار) والمتأثرة سلباً بالفقر والبطالة وعدم وجود تنمية حقيقية تستهدف إنسان تلك الأقاليم، فالفرس الذين يحظون بتفضيل عنصري (عند النظام العنصري الإيراني على باقي الأعراق) يشكلون النسبة الأعلى من الأعراق في إيران، 51 في المئة بحسب تقديرات أميركية، إذ لا إحصاءات منشورة معتمدة من الحكومة في طهران، كما يشير منشور وكالة المخابرات المركزية الأميركية السنوي، فيما تأتي الأعراق المهمشة على النحو التالي: الأذريون والأتراك والأرمن الذين يشكلون ما نسبته 20 في المئة من السكان، والأكراد الذين تصل نسبتهم إلى ثمانية في المئة، والعرب ثلاثة في المئة، بينما باقي الأعراق من بلوش وتركمان ولور وبختياري وغيرهم يشكلون مجتمعين نسبة 18 في المئة من السكان.

يُشير الكاتب والباحث العراقي نبيل الحيدري في كتابه القيم «إيران من الداخل»، إلى أن عُقدة إيران الراهنة هي أن نظامها أسير عُقد التاريخ والجغرافيا والمذهب.. التاريخ «الكسروي» الممتد للتاريخ الفارسي والقائم على التفرقة العنصرية ضد الأعراق الأذرية والكردية والعربية، ولعل العنصرية المقيتة ضد «عرب الأحواز» وغيرها تضعف الداخل الإيراني بشكل رهيب! فيما تحل «جغرافية» إيران القابعة بين المحور السني المجاور لها من باكستان شرقاً والعراق ودول الخليج غرباً، يجعل عدم التصالح مع جيرانها يشكل تهديداً لوجود النظام الخميني المتهالك!

ليبقى «اختطافاً» المذهب الشيعي، الذي كان يحمل في بداياته محبة لآل البيت لا تحمل الغلو والتطرف والبدع، ولا تتعارض مع محبة الصحابة وأزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) بعكس ما يحمله النظام الإرهابي اليوم في طهران من امتطاء «العقيدة» لنشر الفتن في مجمل مناطق الأقليات الشيعية في العراق ولبنان واليمن.

ولعل تلك العوامل تلعب - في تقديري الشخصي- مع الاقتصاد المتهالك وارتفاع مستويات البطالة والفقر ومعدلات الجريمة في جعل الداخل الإيراني هشاً بالحد الذي لا يجعل من «نظام الملالي» نظاماً متماسكاً من الداخل كما يحاول أن يصور نفسه، بل إنه أوهن من «بيت العنكبوت». لذا، فإن هذا النظام الإرهابي لا يقوى على حرب من الخارج مع داخل مضطرب، وهذا يؤكد ضعف النظام في إيران وضعف قدرته على المبادرة لشن حروب في المنطقة وجهاً لوجه مع جيرانها، وأخيراً الحزم الخليجي والعربي والإسلامي في مواجهة النظام الإيراني البغيض!

ولعل الفجور الخامنئي تجاوز عبث «أبرهة الأشرم»، وهو يرسل صواريخه عبر «الحوثي بالوكالة» لمكة المكرمة في الثالث عشر من الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك الحالي، والذي لم يكن الأول، إذ سبقه إطلاق الصواريخ (الإيرانية) البالستية يوم الـ27 من شهر الله المحرم ١٤٣٨، وهو «الفعل المشين» الذي هز مشاعر 1.6 بليون مسلم حول العالم وإدانة العالم أجمع.. ليكرر «خامئني الأشرم» فعل أبرهة الذي لم يتجرأ على ذلكم الفعل المشين بعد الجاهلية الأولى سوى النظام الحاكم في طهران ومباركة أذنابه في المنطقة (نظام الدوحة الإرهابي وسفيه الضاحية الجنوبية حسن نصرالله وزمرة إرهابيي العالم من إخوان الشر وعصابات الإرهاب «داعش» ربيبة القاعدة وبقايا مافيا الإرهاب حول العالم)!

والحقيقة أن السعوديين لم ينسوا هجوم علي خامنئي ضد المملكة قبل شهر ونيف من فعلته الشنعاء في سماء قبلة المسلمين «مكة المكرمة»، وتحديداً عشية احتفالات بلاده «المكلومة» بيوم عيد «النيروز» حين صرح قائلاً إن «السعودية دولة مستبدة وديكتاتورية وفاسدة وظالمة وتابعة»، بحسب وكالتي أنباء «تسنيم» و«إرنا» الإيرانيتين، وهو التصريح الذي كشف «النيات الخبيثة» لنظام الملالي باستمرار غيهم وتبرير أعمالهم الإرهابية التي لم ولن يقبل بها العالم أجمع، فضلاً عن أنه العمل الجبان الذي لن يمر مرور الكرام على حماة الحرمين الشريفين في بلد التوحيد.. المملكة العربية السعودية.

لذا، لن تجد غرابة إذا ما اتحدت إدانات دولية واسعة للجرم «الحوثي - الإيراني» وحق الرد السعودي بالمكان والزمان المناسبين، فمنذ استهداف البقعة المشرفة في 28 تشرين الأول (أكتوبر) 2016 والعالم العربي والإسلامي والصديق يدين بشدة استهداف «قبلة المسلمين» من قبل ميليشات الحوثي المدعومة من قبل النظام الإيراني.. إدانات بدأت من إيران ذاتها، التي سجلت منظمة «نشطاء السنة في إيران» إطلاق ميليشيا الحوثي صاروخاً باتجاه مكة المكرمة تبعتها هبة إدانات عربية وإسلامية وعالمية للعمل الجبان حين سجلت الإمارات والكويت والبحرين ومصر والأردن وفلسطين والمغرب والسودان وتونس والجزائر وموريتانيا والعراق وتركيا والباكستان والصومال وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، ما يؤكد حق حكومة المملكة في الرد بالزمان والمكان والآلية التي تراها دفاعاً عن سلامة أراضيها ومواطنيها ومقيميها، وقبل ذلك حماية المقدسات الإسلامية من عبث النظام الإرهابي الحاكم في إيران ووكيله في المنطقة ميليشيات عبدالملك الحوثي وزمرته الباغية في اليمن!

ولعل المخزي من بين المواقف الخليجية والعربية والإسلامية والعالمية التي نددت بوضوح ودانت «الاعتداءات الحوثية - الإيرانية الأصل»، يبقى موقف النظام القطري موقفاً مُشيناً ومُعيباً، إذ لم يتجاوز سياسة «مكانك راوح» من أفعال النظام الإيراني المشينة، حيث المراوغة والبدء كالعادة بالتشكيك في «الدعوة» لحضور القمة الطارئة، فحين قال وزير الدولة للشؤون الخارجية في قطر إن «بلاده معزولة عن جيرانها ولم تتلقَّ دعوة لحضور القمة»، بادرت الجامعة العربية بتبديد أهداف تلك «المراوغة» وقطع الطريق عليها بإعلان «تعميم» جامعة الدول العربية طلب المملكة بعقد قمة طارئة في مكة، في 30 مايو الجاري، وذلك في بيان نشرته الجامعة، الإثنين 20 مايو الماضي. والحقيقة أن تلكم المراوغة القطرية تكررت بل وتوّج مغزاها البغيض انسحاب أميرها من الجلسة الافتتاحية للقمة العربية أخيراً في تونس بطريقة تؤكد خيانة النظام القطري لقضايا أمته الإسلامية والعربية!

وهي ذات محاولات نظام الملالي التأثير سلباً على «القمة» التي باءت بالفشل بحمد الله، إذ لم تهدأ الأذرع الإعلامية للنظام الفاشي الحاكم في طهران عبر أذنابها ووكلائها في المنطقة (الجزيرة ودكاكين الإخوان الفضائية وبقية المرتزقة) في التشكيك بالقمة، وخلق رأي معادٍ ومضاد يبرر فعل «أبرهة الأشرم» على حرم الله في شهره المعظم، ولكن كل تلك الجهود باءت بالفشل الذريع، بل أتت على عكس ما كان يأمل «دعاة الارهاب» بأن وجدت صواريخ وكيل خامنئي الإدانات والتأييد وإنجاح أجندة «قمة مكة» قبل أن تبدأ.

وعوداً على بدء، نقول إن مناقشة «قمة مكة» خليجياً وعربياً وإسلامياً لـ «التهديد» الإيراني للمنطقة يقوم على أساس شرعي، يجعل من مجابهة الخطر الإيراني بنظامه الإرهابي الحالي أمراً محتوماً نقاشاً واتفاقاً يتوقع أن تخلص إليه «القمة». وصدق الله القائل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ).. والقائل جل شأنه في تعظيم بيته الحرام والوقوف بحزم بوجه من يريد بيته العتيق بالظلم والعدوان: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). فلن تفهم السياسة الإيرانية وأذنابها في المنطقة غير لغة «الردع» الحازمة والحاسمة بإذن الله تعالى، إذ اعتادت إيران «الثورية الخمينية» عدم المواجهة المباشرة، والعمل الشرير الجبان عبر أذرعها الإرهابية من ميليشيات وعصابات وخلايا نائمة وأخرى ناعمة مفضوحة ومرصودة ولله الحمد.

ونحمد الله أن مَنّ على العالم الإسلامي بقيادة حكيمة يلتقي حولها العالم الإسلامي بأسره، قيادة سعودية أثبتت عبر الزمن القدرة على الصبر والتحمل، وهي من أعظم صفات الإيمان المتوافقة مع النهج الرباني العظيم ومتى بلغ الصبر حده، فلا يختبرن جاهل حِلْم وأناة وتؤدة «أهل العوجا» والتي لخّص معناها عملياً حزماً وعزماً خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ممثلة ببيت الحزم والعزم الشهير الذي قاله الملك فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - وكان يردده إيماناً بقوتنا التي تُستمد من شرع الله القويم دستوراً ومنهجاً:

حنا هل العوجا ولا به مراواة * شرب المصايب عندنا مثل شرب الفناجيل

@dr__abdulmalek

* دكتور تأهيل وكاتب سعودي.