رمضان «الطيبين» أم «المتعبين»؟!.. مراجعات 4-4

محمد المزيني |

حالما أفرغت الطفرة تقريبا كل حمولتها، زاحمت الاقتصاد السعودي ضوائق مالية أفرغت خزائن الدولة من مدخراتها بعد انهيار أسعار النفط في 1986، ما دفع الدولة للاقتراض لتغطية نفقاتها على كل المشاريع العملاقة، وبمثل ما استشعر الناس مع بداية الطفرة مسحة النعيم الذي غاصوا فيه لاحقا، استشعروا أيضا الجفاف الذي بدأ يحيق بمكتسباتهم، خاصة أولئك الذين لم يستثمروها بشكل جيد ظنّا منهم أنها لن تزول سريعا، إلا أن الحقائق عن واقع البلد الاقتصادي تنهال تترى.


الطيبون أفاقوا على متغيرات دفعتهم للتفتيش عن ذواتهم في مخلفات الطفرة، وقد تحددت معالم الطبقات الثلاث (الفقيرة والوسطى والغنية) بشكل واضح، ما وعوا عليه جيدا أنهم انقسموا إلى قسمين؛ متدين تابع لسلطة الجماعات الصحوية التي تحكمت تقريبا بكل مفاصل البلاد، وشكّلوا قوة ضاغطة على السلفية التي لم يعد لها التأثير الكبير وقد انحسرت في حلقات أهل الحديث، وآخرون لا يؤمنون بهذا «الفكر الدخيل» ويكرهون الارتباط بأصحابه وحتى وجودهم، لاستشعاره أنهم ليسوا إلا باحثين عن منجز دنيوي لا يخدم سواهم.

«الطفرة» كشفت حقيقة مجتمعنا الذي خاض حياته الجديدة المنعمة بلا وعي كامل ولا تجارب حقيقية تفتح لهم نوافذ الاستثمار الحقيقي لمكتسباتها. لا أريد هنا أن أستعيد الماضي الذي نراه في أكثر من مشهدية استرجاعية لتلك المرحلة، نحن طيبون بامتياز، وقد نصل حد السذاجة، الذين اقتحموا علينا بيوتنا واستعمروا أرواحنا وكبلوا عقولنا في سنوات قليلة، جرّبوا اختبار استعدادنا لتقبل كل الأشياء المرتبطة بوشائج دينية فانصاع الناس لإرادتهم، ومن اعترض عليهم أو رفض مجاراتهم على ما يريدون وصم بتهم جاهزة كالعلمانية والنفاق ويغرون بهم أتباعهم ليسلقوهم عبر كل مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت محصورة على مواقع المنتديات وبرامج التواصل التي استبدوا بها كالبالتوك وغيرها، وقد نصبوا أنفسهم حرّاسا للفضيلة، حتى استثمروا الطيبين جدا للارتهان لأوامرهم، ألبوا المجتمع على بعضه البعض، وأحدثوا داخله شقا لا يرتق، فالإخوة باتوا متناحرين لا يجلسون على مائدة واحدة، ساقوا الشباب إلى حروب طاحنة بحفنة مواعظ.

حقيقة يجب أن تربط الطفرة الاقتصادية بالطفرة الدينية، ليس لأنهما متزامنتان فقط، بل لأن المجتمع آنذاك بسيط جدا وفطري يسهل قيادة، انفتح دون وعي على المال، فلم يكن ليستثمره بشكل يحفظ عليه ملاءته، وانفتح على جماعات ذات اتجاهات ديماغوجية، فسلم له الخيط والمخيط، اقتحمنا من هذه البوابة (أعني الدينية المفتوحة على مصراعيها) كل من هب ودب، فاستثمروا سذاجتنا وغرفوا من ثروات البلد الكثير، وغادرونا شامتين ضاحكين على جهلنا وطيبتنا. بعضهم كان يحلق لحيته قبل السفر النهائي ويضعها في مغلّف ويبعث به إلى مديرة قائلاً: «سأترك لكم هذه للذكرى.. لا أحتاجها في بلدي».

لم يقتصر نجاح «الصحويين» على استمالة عامة الناس، بل وحتى بعض من وسموا أنفسهم بالمفكرين وكذلك الوجهاء الذين ركبوا موجة الصحوة ولبسوا عباءتها، كانت التحولات الدراماتيكية التي أعقبت الطفرة قد وضعتهم على المحك، كحرب الخليج الثانية التي استخرجت كثيرا مما يضمره هؤلاء، حرّضهم على ذلك ودفعهم إليه استشعارهم بانتصارهم على الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وأن كلمتهم أصبحت (وهماً) العليا بين الناس، حتى تعجّل بعضهم الانتقال إلى المرحلة الثالثة في مخططهم وهي «الانقلاب» بعدما نجحوا في تحقيق المرحلتين؛ الأولى المتعلقة بـ «الفكرة»، والثانية المتعلقة بـ «الحركة»، لم يكونوا ليقدِموا على هذا بغباء مفرط إلا من إحساسهم المعزّز بالغرور أنهم قادرون عليه، لم يكن يدر في خلدهم أن السلطات السعودية قد وضعتهم في مرمى المراقبة والتحري، بعدما استشرت أشرطة الكاسيت التي تحرضهم بأساليب مبطنة على الثورة. لذلك، أغرقوا المواقع والمنتديات بالضجيج بما يشبه التظاهرات، ولم تكن سوى طبول تقرع لفتنة وشيكة، عندها لم يعد ثمة موقع للتريث، وبالضبط كان العام 1991 حقيقة هو بداية النهاية لـ «الصحوة»، وكما قلت فإن لـ «التعجّل» دور في تحريك المجتمع السعودي باتجاه مسارات لثورة محتملة.

لم يكن شهر رمضان لهؤلاء شهر صوم وعبادة فقط، وبعد تشظّي المجتمع الصحوي إلى فرق وجماعات وبدأت تدب بينهم الفرقة لاختلافات أيديولوجية وأخرى تتعلق بجهلهم في إدارة العمل الانقلابي مع أنهم نجحوا في إدارة الحركة الشبابية بامتياز، لكنهم أمام بوابة الهدف اختلفوا على تسديد الأهداف، كانت اختلافاتهم على الأنموذج الذي ستكون عليه «دولة الإسلام» القادمة وقياداته، وقد تبدّى لنا هذا جليا في الفصائل المتحاربة في ثورات الخريف العربي، وأصبح بعضهم يكفّر بعض، كان رمضان هو بمثابة شهر البيعة الذي يجذب إليه ألوفا من الشباب المنحدرين من أصقاع العالم وكان الحرمان (المكي والنبوي) مكانين ينفيان الاشتباه عنهم، وكذلك المساجد بحيث اتخذت طابعا مسيسا تتقاسمه الجماعات، لذلك ولكي يكون مؤثرا جاذبا لجموع المصلين يُجلب إليه أحسن أصوات القرّاء وأجملها، بعد الصلاة تبدأ المواعظ المطعمة بذائقة الجماعة، بينما الذي يحدث هو بيعة القادة وتنظيم الصفوف وتوزيع المهمات وجمع الأموال، لتسألوا مشايخهم كم كانوا يتقاضون على محاضرة واحدة، لا أريد أن أذكر هنا أسماءً من المعوزين الذين كانوا يلاحقون الكرة في الشوارع، ثم أصبحوا بعد ذلك «طواويس» يصعب الوصول إليها، وإذا تمشي ترافقها طواويس وتلاحقها أيائل، ولا يجوز لك أيها «الطيب» أن تسأل بعد ذلك كيف تحقّقت لهم هذه الثروات، لأنها من الله!!!

سأذكر لكم قصة لأحدهم كان عسكريا برتبة متواضعة من أسرة أقل من المتوسطة، أصبح من «إخوان الصلاح» أي الصحويين، طفق يجوب المدن لجمع الصدقات والزكاة، والكل كان يبارك مسعاه ويدعوا له، واليوم يعد واحدا من ذوي رؤوس الأموال، هذا أنموذج ومثله كثير ممن ركبوا موجة «الصحوة»، واستغلوا طيبة مجتمعنا، لاسيما في شهر رمضان الذي له أكثر من 20 عاما وهو في تحولات دراماتيكية مسكونة بتفشي الخلافات بينهم ومحاولات الاستئثار بقيادة الجماعات، حتى كشفت الملفات علاقات كثير منهم المشبوهة مع ثورات الخريف العربي والوقوف معها. لم يكن هؤلاء الرموز يخفون عن أبناء الشعب الطيب الذي اكتشف أنه كان مستغلاً لأكثر من 40 عاما وقد انكشفوا على الملأ، منهم اليوم من توارى بحجب الصمت وابتعد عن المشهد تماما، ومنهم من وقع مغبة ملفات ثقيلة واقتيد إلى السجن بها وخرج بأقل الخسائر، وراح يتمثل الكفر منهجا حياتيا له، ومنهم من بدا يتنصل منها باعترافات فجة لا تسمن ولا تغني من جوع درء للمساءلة التي قد تطالهم، فكما يقال «بيدي لا بيد عمرو»، وأملا في إعادتهم إلى المشهد الذي كانوا نجومه الاستثنائيين.

أبعد هذه التجارب المريرة التي جاءتنا ويلاتها من طيبتنا المفرطة؛ ألا يجدر بنا أن نتعلّم منها ونفرّق ما بين السذاجة والطيبة؟!

Almoz2012@hotmail.com

almoziani@

* كاتب وروائي سعودي.