تهجير المخطوطات العربية نحو الشمال

إبراهيم البيومي غانم |

لا ينفكُّ تاريخُ تهجيرِ مخطوطات التراث العربي الإسلامي عن جغرافيته؛ فكل عملية تهجير لبعض هذه المخطوطات قد انطلقت من مكان جغرافي محلي، إلى مكان جغرافي آخر محلي أو أجنبي. وقد تعددت حوادث تهجير المخطوطات زرافات ووحداناً، وخاصة في خلال التاريخ الحديث والمعاصر لبلدان أمتنا الإسلامية. وجرت تلك الحوادثُ بترحيل المخطوطات بين مناطق مختلفة بين مناطق جغرافيا العالم الإسلامي ذاته، أو منه إلى جغرافيا حضارات أخرى في الغرب والشرق والشمال في أغلب الأحوال.


وعلى رغم وقوع بعض عمليات تهجير المخطوطات في الأزمنة الوسيطةِ، وإبان الحروب الصليبية، إلا أنها كانت حالات فردية متناثرة، وكان أغلبها يحدث بين أقاليم العالم الإسلامي لا يتجاوزها إلى غيرها في أغلب الأحوال. أما التاريخُ الحديث والمعاصر، فقد وقعت فيه عملياتٌ ممنهجة، تندرجُ ضمن الجرائم المنظمة من أجل تهجير المخطوطات وسلبها وترحيلها من جغرافية الحضارة الإسلامية برمتها، إلى جغرافية الحضارة الغربية بوجهيها: الشرقي السوفياتي الشيوعي سابقاً، والغربي الأوروبي والأميركي على وجهِ الخصوص.

حوادث تهجير المخطوطات إلى خارج البلدان الإسلامية هي الأخطر والأسوأ بما لا يقارن مع حوادث التهجير من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي آخر. وقد وقعت أغلبية جرائم التهجير للخارج في خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في زمن الاحتلال الأجنبي لبلادنا. ولا تزال هذه الجرائم تقع بين الحين والآخر حتى اليوم. وهي تندرج كلها تحت حكم "الفعل المحرم شرعاً" في الرؤية الفقهية، والمُجَرَّم قانوناً؛ الأمر الذي يستوجب التحقيق وتوقيع العقوبات على الجُناة، أو المطالبة باسترداد تلك المخطوطات، والحصول على تعويضات عنها على الأقل. أما حوادثُ التهجير الداخلية فتندرج تحت أحكام "الوجوب"، أو "الندب"، أو "المباح"، أو "المكروه" في الرؤية الفقهية أيضاً. وهنا حالات مختارة على سبيل المثال- لا الحصر- من تلك الحوادث الخارجية، لنعرف منها حجم الكارثة التي حلت بذخائر مخطوطات التراث العربي.

الأولى، حادثة التهجير الجماعي لِما كان قد تبقى من مخطوطات المكتبة الملكية المغولية. وقد جرت عملية التهجير من الهند إلى بريطانيا في سنة 1859م. وقد هرَّبتها سلطات الحكومة البريطانية آنذاك. ودفعت ثمناً لها، أو سمسرة بمعنى أدق، قدرُها 14.955 روبية بحسب كولين ف. بيكر؛ كبير القائمين على دراسات الشرق الأوسط بالمكتبة البريطانية. وكانت تلك المكتبةُ تحوي أربعة وعشرين ألف مخطوطة عندما زارها الرحالة ماندلسون في سنة 1638م وقدَّر قيمتها بستة ملايين وثلاثة وستين ألف روبية، وسبعمائة واحد وثلاثين روبية.

وبحسب كولين ف. بيكر أيضاً؛ فإن تلك المخطوطات تُشكل اليوم أهم أقسام مجموعة المخطوطات العربية في المكتبة البريطانية، ويبلغ عدد هذه المجموعة أربعة عشر ألف مخطوط عربي، تم تهجيرها من البلاد العربية والهند وأندونيسيا وغرب أفريقيا عن طريق علماء أجانب، وبحاثة، ورحالة، وجامعي آثار، ومبشرين، وموظفين حكوميين في الإدارات الاستعمارية في تلك البلدان.

وتتمتع مجموعة المخطوطاتِ العربية في المكتبة البريطانية بسمعة عالمية رفيعة المستوى، باعتبارها واحدة من أكبر وأرقى المجموعات في أوروبا وأميركا الشمالية، إذ تضم قرابة خمسة عشر ألف مخطوطة مصنفة في نحو أربعة عشر ألف مجلد. وتتألف المجموعة من اثنين من المجموعات التاريخية: المخطوطات العربية الموجودة في مكتبة المتحف البريطاني القديم، وتلك الموجودة في المكتبة التابعة لمكتب الهند (سابقاً)، والتي كانت جزءًا من عمل وزارة الخارجية البريطانية في المستعمرات، في زمن الاحتلال.

ويقول بيكر إن هذه المجموعة: "تحظى بشهرة عالمية لسببين؛ الأول هو محتوياتها النفيسة، وتنوع موضوعاتها، إذ تحوي المجموعة تشكيلة من أروع المخطوطات النفيسة للقرآن الكريم، وكذلك نسخٍ موقَعةٍ عالية الجودة من الأعمال القانونية والتاريخية والأدبية والعلمية المهمة. والثاني هو تنوّع موضوعات المجموعة تنوّعاً الكبير، بحيث تُغطي علوم القرآن والتفسير، والحديث، وعلم الكلام، والفقه الإسلامي، والتصوف، والفلسفة، والنحو وفقه اللغة العربية، والمعاجم والشعر، وأنواع الأدب الأخرى، والتاريخ والطوبوغرافيا، والسير، والموسيقى وغيرها من الفنون والعلوم والطب، والنصوص المتعلقة بالدروز، والبهائيين، والأدب المسيحي والأدب اليهودي، وغيرها من الموضوعات مثل السحر، والرماية، والصيد بالصقور، وتفسير الأحلام". [كولين ف. بيكر، مجموعة المخطوطات العربية في المكتبة البريطانية، منشور على موقع "مكتبة قطر الرقمية" https://www.qdl.qa. . (2014م). ومقالة بيكر مذيلة بعديد من المصادر الأساسية والثانوية التي تتناول وقائع تهجير المخطوطات العربية، وعناوين هذه المخطوطات، وتصنيفها مكتبياً.].

الثانية: حادثةُ تهجير جماعي أيضاً لمخطوطات مكتبة الدكتور صفوت بيك باشاغيتش الوقفية في البوسنة/سراييفو، وقد رحَّلتها السلطات التشيكية في سنة 1353هـ/1934م غصباً من البوسنة ونقلتها إلى جامعة براتسلافا في تشيكوسلوفاكيا السابقة، وهي جمهورية التشيك حالياً، وكانت تلك المكتبة تحوي خمسة وثلاثين ألف مجلد، وأربعة آلاف وأربعمائة وأربعين مخطوطاً. (أحمد عبد الكريم نجيب، المكتبات وخزائن المخطوطات في البوسنة، منشور على موقع: قصة الإسلام، شبكة الإنترنت، بتاريخ 20/6/2017م. https://islamstory.com/ar/artical/.)

الثالثة: حوادثٌ قام بها فرد أو مجموعة أفراد- وليس مؤسسة أو سلطة رسمية كما في الحادثتين السابقتين- ومنهم: لصٌ يُدعى "إيهود البغدادي"؛ الذي ادَّعى أن جامعة برنستون الأميركية اشترت منه- كما زعم- في سنة 1943م أكثر من ستة آلاف مخطوطة عربية إسلامية مقابل 27 ألف دولار أميركي. أما هو فكان قد استولى عليها بالنصب والاحتيال وبمختلف الطرق غير المشروعة أثناء تجواله في العراق وبلاد الشام.

أما الإسبان فقد استولوا على خزانات ملوكِ الطوائف ومسلمي الأندلس مِنَ الذين هُجِّروا تهجيراً خارج حدود أوروبا. وساعد الإسبانَ قربُهم الجغرافي من المغرب في الاستيلاء على جزء كبير من مخطوطاته بطرق غير مشروعة ولا قانونية من مثل: القرصنة، والسرقة، والتهريب؛ مستغلين الاضطرابات التي عصفت بتلك البلاد إبان وقوعها تحت الاحتلال. وأهم مثالٍ يذكره التاريخ هو: واقعة مكتبة المولى زيدان السعدي، حين قامت ضده انتفاضة ابن أبي محلي، في أوائل القرن السابع عشر، فلاذ بالفرار حاملًا معه في سفينته نحو فرنسا كنزاً من المخطوطات، بلغ زهاء خمسة آلاف مخطوط؛ معظمها كان من خزانة السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي الذي كان يقايض الكتب بالذهب. لكن القراصنة اعترضوا سبيل السفينة، بعد قصة مفتعلة حول التأخير في الوفاء بالتزامات الناقل، وأخذوا ما فيها إلى ملك إسبانيا فيليب الثاني. وقد وضع المستشرق اللبناني ميخائيل غزيري سنة 1770 فهرساً جامعاً لما تضمنته المكتبة الزيدانية من مخطوطات عربية وإسلامية وكتب ومراسلات سلطانية عن ذاك الوقت. كانت هذه المكتبة حسب أغلب المؤرخين النواة الحقيقية لـ "منجم الكتب"، ذي الصيت العالمي تحت اسم مكتبة الإسكوريال، الواقعة على بعد 60 كلم شمالي العاصمة الإسبانية مدريد. فهي التي بوأت الإسكوريال صدارة المكتبات الأوروبية من حيث عدد المخطوطات وأهميتها وتنوعها، متقدمة على كبرى المكتبات العتيقة كمكتبة الفاتيكان، والمكتبة الوطنية الفرنسية.[ محمد طيفوري، المخطوط العربي: صورة للحضارة المنهوبة، جريدة "الاقتصادية" السعودية، على موقع:].

الرابعة: تهجير رسالة الإمام الشافعي، بعمليةٍ إجرامية متعمدةٍ تندرجُ تحت "الجرائم المنظمة"، حيث تمت سرقتها من دار الكتب المصرية بالقاهرة، وذلك أثناء نقلها من مقرِّها في سنة 2002م لعرضها في احتفالية يوم "الوثيقة العربية"!. ولم يُستدل على مكانها حتى اليوم. [محمد الدعدع، سلسلة تحقيقات نشرتها صحيفة "الوطن" القاهرية على حلقات ثلاث: الأولى بتاريخ 10/6/2018م، تحت عنوان :" رسالة الشافعي: إرث الإمام أسيراً ـ الحلقة الأولى". والثانية بتاريخ 11/6/2018م تحت عنوان :" رسالة الشافعي: إرث الإمام أسيراً ـ الحلقة الثانية"، والثالثة بتاريخ 24/6/2018م تحت عنوان :" مخطوطة الرسالة للإمام الشافعي: أول تأصيل فقهي في الإسلام".]. وهذه المخطوطة هي من أنفس ما كانت تمتلِكُه دار الكتب المصرية، وهي نسخة أصليةٌ بخط الربيع بن سليمان المرادي (ت 265هـ)، وقد امتدت إليها يد العدوان، وسربتها بليل إلى المجهول، وغالباً إلى خارج البلاد العربية والإسلامية برمتها، وفقدتها دارُ الكتب المصرية بعد أن ظلَّت محفوظة في حرز خزائن الأوقاف ودور الكتب ما يقرب من 1175 سنة هجرية. ولا حول ولا قوة إلا بالله.