درويش مصطفى الفار.. مكتشف منجم فحم المغارة بسيناء

صفحات عن ما قبل التاريخ في قطر
علي عفيفي علي غازي |

رحل عن دنيانا في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 الجيولوجي المصري درويش مصطفى الفار، ابن مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء عن عمر يناهز 92 عامًا، بمقر إقامته في دولة قطر بعد رحلة حياة حافلة. ولد درويش في 25 آب (أغسطس) 1925، وبدأ تعليمه في قرية "بير الحسنة" بوسط شبه جزيرة سيناء، وأتم دراسته الابتدائية في مدرسة العريش الأميرية، وحاز جائزة الملك فؤاد الأول سلطان ثم ملك مصر (1917- 1936) للامتياز؛ نظرًا لترتيبه الأول لدفعة العريش لسنة 1938، ثم انتقل إلى المدرسة السعيدية بالجيزة، حيث أتم دراسة التوجيهية عام 1943، والتحق بكلية العلوم جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، وتخرج في البكالوريوس عام 1950. ومنحته الحكومة المصرية جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الجيولوجية عام 1964، وتسلمها من الرئيس جمال عبدالناصر، رئيس مصر (1954-1971)؛ تكريمًا لاكتشافه منجم المغارة، المنجم الوحيد للفحم في مصر، والأكبر بالشرق الأوسط. له العديد من الاكتشافات الجيولوجية الأخرى، التي لا تقل أهمية عن هذا الاكتشاف، فضلًا عن العديد من المقالات والأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات الجيولوجية العالمية، وفي الصحف العربية مثل: الأهرام المصرية، والراية القطرية. كما نبغ في الشعر العربي الفصيح والنبطي أيضًا. وله ديوان شعري بعنوان "ديوان الصحراء" يتضمن 61 قصيدة فصحى بقوافي نبطية، منشور بالدوحة عام 2004.


بدأ حياته الوظيفية بشركة فوسفات البحر الأحمر، وتدرج إلى أن وصل إلى مدير عام وعضو مجلس إدارة الشركة في يناير 1976، ثم رئيس الجيولوجيين بالمساحة الجيولوجية المصرية (1957-1967). وفي كانون الأول (ديسمبر) 1975 تولى إدارة المتحف الجيولوجي بالقاهرة، ثم أعير لتولي إدارة متحف قطر الوطني في 8 شباط (فبراير) 1976، فكان ثاني مدير له بعد الفنان التشكيلي القطري جاسم زيني (1942-2012).

ألّف كتاباً بعنوان "سطور عن تاريخ المتاحف"، منشور عن متحف قطر الوطني في عام 2005، بدأه بتعريف كلمة متحف باعتباره مكانًا لعرض ودراسة التحف، ثم يتطرق لأول متحف عرفه التاريخ، ويرجّح أنه متحف الإسكندرية الذي كان ملحقًا بمكتبها البطلمية. ثم يستعرض تاريخ تطور المتاحف في العراق القديم ومصر القديمة وصولاً إلى المتاحف في عصر الإسلام الذهبي، ثم يستعرض تاريخ المتاحف في أوروبا وصولاً إلى القرن السابع عشر وما تلاه حتى اليوم، إذ باتت توجد في أرجاء العالم شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا عدة آلاف من المتاحف متنوعة التخصصات والتوجهات. ثم يشير إلى أن مصر كانت السباقة في مضمار المتاحف وإنشائها وتنويعها في العالم العربي، وفي تأسيس شعبة قومية مصرية للمتاحف برئاسة الدكتور شفيق غربال بك سنة 1947 تابعة لوزارة المعارف، تتولى كل ما يتعلق بالشؤون الدولية للمتاحف، والاشتراك في المعارض الدولية بإعارة بعض المعروضات وتبادل المطبوعات العلمية التي تصدرها المتاحف. وأخيرًا يستعرض نشأة المتاحف في قطر بافتتاح متحف قطر الوطني في 23 حزيران (يونيو) 1975، لكي "يعبر عن البيئة القطرية برًا وبحرًا في الماضي والحاضر". ويشير إلى أنه يتضمن خمسة أقسام أساسية: القصر القديم المبني على الطراز الإسلامي التراثي، القصر الجديد وهو بناء أنشئ أثناء ترميم القصر القديم سنة 1972، القسم البحري الذي افتتح 1977، والبحيرة وما عليها من نماذج القوارب والسفن التراثية، والحديقة النباتية. ويؤكد أن دولة قطر تضم متاحف أخرى كمتحف الخور الاثنوغرافي الذي افتتح 1991، ومتحف التراث الشعبي في الدوحة والذي افتتح 1981، ومتحف قلعة الزبارة للآثار والاثنوغرافيا والذي افتتح 1998، ومتحف مدينة الوكرة الاثنوغرافي الذي افتتح 1988، وذلك في إطار ما تؤمن به الحكومة القطرية من أن للمتاحف رسالة ثقافية وتعليمية وعلمية فضلاً عن الترويحية.

ترجم ثمانية من الأبحاث التي نشرها نخبة من علماء الآثار الدنماركيين في مجلة KUML الدنماركية فيما بين عامي (1956- 1965) في كتاب بعنوان "صفحات عن ما قبل التاريخ في قطر"، نشر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث بدولة قطر، عام 2000، قدم له الشيخ سعود بن محمد بن علي آل ثاني أمين عام المجلس الوطني حينئذ، فكتب يقول: "وها نحن نقدم اليوم مجموعة من الأبحاث الآثارية التي نشرها عدد من علماء الدانمارك، واضطلع بنقلها إلى اللغة العربية الدكتور درويش مصطفى الفار آملين أن يكون من فائدة نشرها باللغة العربية ما يحفز همة الشباب للإسهام في استكمال مشوار البحث والتنقيب عما لا يزال خبيئًا في أرجاء قطر وجزرها المحيطة في مياهنا الإقليمية، مما قد يزيد في معرفتنا العلمية مما يفيد وينفع البشرية كلها". وكان البحث الأول ترجمة لبحث الآثاري الدنماركي ب. ف. جلوب p. v. Galob والمعنون بـ: "استطلاع في قطر عام 1956" يتضمن نتائج ما توصل له الكاتب و ت. ج. بيبي في جولتهما في قطر بين 18 و21 آذار (مارس)، وما عثرا عليه من بقايا ومدافن. أما البحث الثاني فلنفس المؤلف بعنوان: "من مكتشفات ما قبل التاريخ في قطر 1957"، يتضمن تقرير عن بعثة استكشاف ترأسها الكاتب قامت ببحث شامل مستفيض خلال شهر آذار، ومولتها حكومة قطر وشركة بترول قطر، وكان هدف البعثة هو مسح منطقة تقارب عشرة آلاف كيلو متر مربع من قطر بغرض تحديد أكبر عدد ممكن من مواقع ما قبل التاريخ، وإجراء تنقيبات في المواطن التي تبدو مؤاتية للبحث. أما البحث الثالث فلنفس المؤلف أيضًا بعنوان: "أبحاث أثارية في أربع دول عربية"، يتابع في استعراض نتائج أبحاث البعثة الأثارية الدنماركية في أراضي كل من قطر والكويت والبحرين وأبو ظبي والبريمي، في عام 1959. أما البحث الرابع فبعنوان: "آثار صوانية من العصر الحجري الوسيط بمنطقة الوسيل في قطر"، من تأليف فيجو نيلسن Vigge Nielson، والمنشور عام 1961، يتناول فيه بعض الأدوات الصوانية التي عثرت عليها البعثة وعددها 46 قطعة، إضافة إلى عدد من المكاشط ورؤوس السهام وغيرها. أما البحث الخامس فمن تأليف هانز جورجن مادسن Hans Jorgen Madsen، الباحث في متحف ما قبل التاريخ بأرهوس، عن "موقع للأدوات الصوانية (الظران) في قطر 1961"، بحيث يستعرض ما توصلت له البعثة بعد استطلاعها الشامل لساحل قطر الغربي من منطقة أم الماء في الشمال وحتى سلوى قرب الحدود السعودية في الجنوب. ويستعرض ما عثرت عليه من مدببات وسكاكين ومكاشط وحفارات ومناشير وفؤوس وجذاذات ومطارق ورؤوس مغازل وكلها مصنوعة من الأحجار الصونية، إضافة لما عثرت عليه البعثة من شقافات فخارية، ولؤلؤة مستطيلة. أما البحث السادس فقد كتبه البروفيسور هولجر كابل Holger Kapel سنة 1964 عن "اكتشافات العصر الحجري في قطر" من منحوتات ورؤوس سهام وفؤوس غاية في الدقة في جنوب الخور وأم طاقة والجليحة ورأس عوينات علي وجنوب دخان والهملة والجبيجب وغيرها. والبحث السابع "أبحاث آثارية في أربع دول عربية 1962-1964"، فقد ضمنه المؤلف البروفيسور جيوفري بيبي Geoffrey Bibby نتائج ما توصلت له بعثة متحف ما قبل التاريخ الدنماركية في كل من قطر والبحرين والكويت وأبو ظبي، ويواصل المؤلف نفسه في البحث الثامن استعراض نتائج البعثة في ذات الدول لعام 1965.

ومن مؤلفاته "قطرات مداد" يقع في 475 صفحة من القطع الكبير، وطبع في مطابع الدوحة الحديثة في عام 1985، أهداه "إلى كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد"، وقدم له صلاح الدين حافظ، فكتب يقول: "أحسست منذ الوهلة الأولى أنه قلم يمسك به طائر مغرد، يسبح في آفاق بعيدة، عشق الأدب، وإن كان قد درس العلوم، هجر بريق القاهرة المبهر، هاربًا إلى مسقط رأسه، عريش سيناء، حيث عاش كالراهب في تيه الصحراء.... وهكذا جاءت "قطرات مداد" لتشكل إشارات سريعة وانطباعات عميقة عن حياتنا المعاصرة وهمومها العديدة، وفيها يظل درويش الفار كاتبًا متميزًا حين يكتب، لا يقل في ظني، عما هو عالم جيولوجيا، ولعل الفرق الأساسي بينهما، هو دقة المشاعر ورقة الإحساس ومتانة الأسلوب". والكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات نشرها المؤلف في جريدة الراية القطرية، ثم رأى أن يلم شعثها ويجمع شتاتها في كتاب، تتعدد موضوعاتها، وتختلف عناوينها، وتتباين أساليبها، إلا أنه يجمعها التعبير عن "آلام وآمال إنسان عربي يعيش هذه الحقبة الكالحة من تاريخ أمتنا"، وفق تعبير المؤلف. فكتب فيها عن الطبيب الشيخ الرئيس ابن سينا، الإحساس الهندسي، اللغة العربية لغة القرآن، الأزهر الشريف، عادات استقبال شهر رمضان، الإعلام والشباب الجامعي، الأمن الغذائي، بين القاهرة والدوحة، تاريخ قطر، الكويت، التراث الشعبي، الثقافة البترولية، الحج، كذبة أبريل، المتاحف، الإبل، الكمبيوتر، وغيرها.