جامع حفصة بنت حمزة بك في سالونيك (872هـ/ 1467م): شاهد على تحولات الزمان والمكان في البلقان

جامع حمزة بك تحت الترميم
محمد م. الآرناؤوط |

لسالونيك تاريخ مجيد سواء في التاريخ المكدوني، الذي وصل إلى ذروته مع الاسكندر الكبير، أم في التاريخ البيزنطي وصولاً إلى الفتح العثماني المبكر منذ 1387 ثم الفتح النهائي عام 1430م لتتطور بسرعة بملامح شرقية جديدة حتى أصبحت تُسمّى "استانبول الصغرى". وفي هذا السياق كان من عادة العثمانيين تحويل إحدى الكنائس إلى جامع لتأدية الصلاة في أول جمعة بعد الفتح، ثم كانت تبنى المساجد الصغيرة التي تتوسع إلى جوامع كبيرة بفضل الأوقاف التي كانت ترصد لها منشآت تدرّ الدخل لتغطية نفقاتها (أسواق وخانات وحمّامات الخ).


ومن هذه المساجد التي تحكي تاريخ سالونيك وما طرأ عليها خلال حوالى 600 سنة لدينا "جامع حفصة بنت حمزة بك" الذي بني بحسب النقش الموجود على باب الجامع سنة 872 هـ (التي تبدأ في 2/8/1467)، والذي عايش تطورات كثيرة تعكس الأحوال المختلفة التي طرأت على تاريخ المنطقة إلى أن بقي بمعجزة حتى الآن في الشارع الرئيسي (فيا أغناتيا) الذي يخترق المدينة.

وفي الواقع، كنتُ قد اهتممتُ بهذا الجامع منذ ثمانينات القرن الماضي بحكم ترددي على سالونيك القريبة من مكان عملي (بريشتينا)، وفوجئت آنذاك أن هذا الجامع الأقدم في سالونيك قد تحول إلى دار سينما باسم "الكازار" أصبحت تعرض الأفلام البورنوغرافية فقط، ولذلك نشرتُ عنه مقالة في مجلة "العربي" الكويتية عام 1986 بعنوان: "مسجد سالونيك..من ينقذه؟" وقد توقعتُ بعد نشر المقال في مجلة "العربي"، التي كانت واسعة الانتشار آنذاك، أن تبادر جهة ما إلى إنقاذ هذا الأثر التاريخي من هذا الاستخدام اليومي المشين له، ولكن بقي على ما هو عليه. كانت جدران الجامع مسنودة بأعمدة خشبية ضخمة، كما ظهرت في الصورة المنشورة في المقال، ويبدو أن الخوف من انهيار الجدار والحرج من استخدام جامع تاريخي بهذا الشكل أدى بعد عشرين سنة أخرى (2006) إلى إلغاء دار السينما الموجودة فيه والبدء بترميم شامل لا يزال متواصلاً بسبب الأضرار البالغة التي لحقت بالمبنى خلال قرن من الزمن.

في غضون ذلك كان من الأصوات البارزة التي كتبت عن هذا الجامع المؤرخ البريطاني هث لوري Heath M.Lowry، الذي يُعتبر من أفضل المختصين في التاريخ العثماني للبلقان. وقد تعرّض لهذا الجامع وتاريخه في كتابه "تشكّل البلقان العثماني" الذي صدر عام 2008، ثم خصّص له كتابه اللاحق بعنوان "عائلة افرنوس ومدينة سالونيك: من بنى جامع حمزة بك ولماذا؟" (استانبول 2010).

في هذا الكتاب الذي يثير الانتباه بعنوانه لدينا هنا جانبان جديدان في المنهج والمعلومات.

أما الجانب الأول فهو الجانب المجهول في الدراسات العثمانية ألا وهو التاريخ العائلي أو تاريخ العائلات التي كان لها شأن محلي أو عابر للحدود. أما السبب في ذلك كما يوضّحه هـ. لوري فهو عدم وجود اسم للعائلة عند العثمانيين، إذ إن الكنية تعبّر عن اسم الوالد أو الجد أو المهنة الخ. ولكن مع نشر كتابه "تشكّل البلقان العثماني" اتصل به حفيدان للأمير افرنوس الذي كان وراء الفتح العثماني لمعظم وسط وشمال اليونان الحالية وقدّما له شجرة العائلة ووثائق أخرى تتعلق بسالونيك، مما حمّسه لمراجعة معلوماته وتأليف هذا الكتاب الجديد بالاعتماد على هذه الوثائق لإنجاز "تاريخ عائلي" لأسرة ممتدة حوالى 600 سنة في التاريخ المحلي والعثماني. والمهم هنا، مع "شجرة العائلة"، أمكن حل لغز يتعلق ببناء "جامع حمزة بك" في سالونيك حيث تبيّن أن حمزة بك ما هو إلا أحد أحفاد رأس العائلة الأمير افرنوس.

وأما الجانب الآخر المرتبط بالأول، فقد أدت هذه الوثائق إلى توضيح بعض الأمور بهذا الجامع الذي يحتل مكانة تاريخية باعتباره أقدم جامع في سالونيك صمد كل هذه القرون في وجه الزلازل الطبيعية والسياسية وما أحدثته من تغيرات كبيرة في المنطقة.

حتى صدور هذا الكتاب، كما يقول هـ. لوري، لم يكن في إمكان أحد أن يجيب عن السؤال: من هو حمزة بك، وكيف تسمى بهذا الاسم مع أن النقش الموجود بالعربية فوق باب الجامع يوضّح أن التي بنته هي حفصة بنت حمزة بك، وهي التي حرصت على توثيق ذلك في الوقفية الخاصة بالجامع.

فبعد عقد من الزمن جاء الإحصاء العثماني الأول للمدينة في 1478م ليكشف عن نواة محلّة باسم جامع حمزة بك تشمل 38 بيتاً. وبعد قرن ونيف (1592-1593) زار سالونيك الجغرافي العثماني محمد بن عمر بن بايزيد العاشق (1555-1613) وكتب عن "جامع حمزة بك" في كتابه "مناظر العالم" الذي أنجزه في دمشق عام 1592. ومن المحيّر هنا أن المؤلف يكشف عن أنه وجد الوقفية الخاصة بهذا الجامع التي تثبت أن حفصة بنت حمزة بك هي التي بنت هذا الجامع ضمن وقف لها، ولكن اسمها لم يعد يذكر بل أصبح الجامع معروفاً فقط باسم "جامع حمزة بك". وهنا حاول المؤلف تفسير عزوف الناس عن ذكر اسم حفصة التي بنت الجامع بقوله إن الاسم الطويل للجامع (جامع حفصة بنت حمزة بك) جعل الناس يميلون إلى تخفيف الاسم ليصبح "جامع حمزة بك".

ولكن المؤرخ البريطاني هـ. لوري له رأي آخر يرتبط بالثقافة الذكورية السائدة، إذ إنه يربط إسقاط اسم حفصة بتحرّج الرجال المصلين من الدخول إلى جامع يحمل اسم امرأة (ص 7). ويبدو تفسير لوري وارداً لأنه يتعلق بأمثلة أخرى في مكدونيا المجاورة. ففي تيتوفو لدينا واحد من أجمل جوامع البلقان الذي بنته الأختان خورشيده ومنصورة في القرن السابع عشر، ولكنه اشتهر باسم "الجامع الملون" وليس باسم "جامع الأختين" اللتان اهتمتا كثيراً بتزيين الجامع في الداخل وحتى جدرانه الخارجية.

وبالعودة إلى حفصة التي يظهر اسمها في النقش المؤرخ للجامع وكتاب الوقف الخاص به، نجد أن هـ. لوري يتوقف طويلاً عند النقش المكتوب بالعربية ليبرز فيه أن حفصة توفيت مبكراً قبل أن تتزوج لأن النقش يشير إلى ذلك بالقول (طاب ثراها)، كما أنه يرى أن مجرد ذكر اسمها بكونها "حفصة بنت حمزة بك" وليست الخاتون أو حرم فلان يعني أنها لم تكن متزوجة. وبناء على ذلك يرى هـ. لوري أنه من الممكن أن الوالد حمزة بك قد يكون هو من بنى أو أوقف الجامع على اسم حفصة بناء على رغبة منها أو وفاء لها.

أما كيف صمد الجامع حوالي 550 سنة في مدينة شهدت الكثير من الزلازل الطبيعية والسياسية فأمر يستحق التوقف عنده. فمن المعروف أنه كان في الأصل مسجداً صغيراً ولكنه تحول إلى مسجد جامع تقام به صلاة الجمعة قبل 1592-1593، ويبدو أنه تعرّض لزلزال أو لخراب حتى أنه بني من جديد سنة 1028 هـ (تبدأ في 19/12/1618) من قبل محمد بك البواب كما جاء في النقش الجديد في العربية أيضاً الذي ورد فيه أن المذكور "بنى هذا الجامع خالصاً لله ذو الفضل الودود".

ولكن القرن العشرين حمل في مطلعه تحديات جديدة لهذا الجامع، الذي كان "لا يخلو من المصلين نهاراً وليلاً" كما وصفه الرحالة العثماني أوليا جلبي خلال زيارته لسالونيك في 1667-1668. فمع اندلاع الحرب البلقانية الأولى في خريف 1912 ضد الدولة العثمانية لم تعد سالونيك عثمانية مع دخول القوات اليونانية - البلغارية إلى المدينة. ولكن رغبة كل طرف في أن تكون سالونيك ضمن دولته القومية فجّر الحرب البلقانية الثانية في 1913 بين حلفاء الأمس لتنتهى سالونيك أن تكون يونانية الآن. ولكن لم تمض سنوات حتى اندلع "الحريق الكبير" في 1917 الذي حوّل ثلث سالونيك إلى أنقاض.

وعلى رغم أن الجامع نجا من هذا المصير إلا أنه كان بانتظاره مصير آخر. فمع اندلاع الحرب بين اليونان وتركيا الكمالية وتبادل السكان عام 1923 مع ما رافق ذلك من مشاعر معادية بين السكان المهاجرين والوافدين جعل سالونيك تفرغ بسرعة من المسلمين وترحّب بالقادمين اليونانيين الجدد من تركيا. في هذه الحالة كانت المنشآت العثمانية هي الضحية، إذ دُمّر منها ما دُمّر باسم تحديث المدينة وحُوّل القسم الباقي لاستخدامات تجارية بعد طرحها للاستئجار. وهذا كان من سوء حظ "جامع حمزة بك" أن استأجرته الشركة المالكة لدار السينما "الكازار" وحوّلته إلى ما يسيء إليه. وربما كانت الشركة تعرض في خمسينات وستينات القرن الماضي أفلام الموسم، ولكن في السبعينات والثمانيات تراجع الإقبال على سينما "الكازار" لعدم قدرتها على منافسة دور السينما الحديثة بسبب قِدَم المبنى، ولذلك تحولت إلى عرض الأفلام البورنوغرافية الرخيصة التي أصبحت تسيء أكثر إلى "جامع حمزة بك".

ولكن لحسن الحظ صدر كتاب هـ. لوري بعد أن قامت السلطات اليونانية بما كان يجب وهو إخلاء المبنى التاريخي من الاستخدامات المخلّة به والبدء بترميم شامل في الداخل والخارج سيستغرق سنوات طويلة، إذ تشير الصور بعد إزالة دار السينما إلى مدى الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبناء التاريخي من الداخل بعد عقود من الاستخدام الجائر له. ومع انتهاء الترميم سيعود النقش الذي يحمل اسم حفصة بنت حمزة بك إلى الواجهة، ولكن الجامع سيبقى معروفاً باسم "جامع حمزة بك".