ألقاب المثقفين وأصحاب الأقلام في عصر سلاطين المماليك

عمرو عبدالعزيز منير |

هل الألقاب تكسب الناس عزًّا، أم أن الناس هم من يكسبون الألقاب عزًّا؟ يمر الزمان ماضياً إلى غايته فتزول الآثار والمعالم ويذهب ذوو المناصب وتتلاشى الألقاب وتظل الأرض حية تروي سيرتهم التي حفروها فوق جدران الزمان وتأتي مفردات ألقاب عالم المماليك الساحر غير مألوفة للآذان تحمل عبير الأزمنة المولية، وتحوي بين طياتها فلسفة أجدادنا وفهمهم العميق لدلالة اللقب لنستخلص منها مفاتيح الشخصية، وفي عصر المماليك احتفظ السلاطين بسلطة وحق منح الألقاب فأغدقوا على رجال دولتهم الكثير من الألقاب، وتميز أرباب الأقلام وأهل العلم والثقافة في المجتمع المصري بما حملوه من الألقاب، بحيث يمكن تمييز الشخص إن كان من فئة المعممين وأرباب القلم والحكمة أم من غيرهم بمجرد مطالعة اسمه وألقابه. فنجد أن القضاة والعلماء اختصوا بالأسماء المضافة إلى لفظ "الدين"، كقولهم في محمد "شمس الدين"، وفي أحمد "شهاب الدين"، وفي عمر "سراج الدين"، وفي يوسف "جمال الدين"، وفى إبراهيم "برهان الدين". والواحد منهم ينادى أحياناً باختصار لقبه مضافاً إلى اسمه، مثل قولهم السراج عمر لمن لقبه "سراج الدين"، أو الجمالي يوسف لمن لقبه "جمال الدين". ثم ترك أعيان القضاة والعلماء وأرباب الأقلام هذه الألقاب لابتذالها، وكثرة استعمال العامة لها، واتجهوا إلى مخالفتهم في استخدامها، وعدلوا إلى ألقاب أخرى ابتدعوها وفق أغراضهم. فقالوا في محمد: "بدر الدين"، و"صدر الدين"، و"عز الدين"، وفي أحمد: "بهاء الدين"، و"صدر الدين"، وصاروا يتعمدون مخالفة المألوف. هذا في حين تلقب الكتّاب من الأقباط بلقب "الشيخ"، فمنهم من تلقب بـ "ولي الدولة"، و"سعد الدولة"، و"شمس الدولة"، و"تاج الدولة". ومنهم من يحذف لفظ "الدولة" ويعرف اللقب بالألف واللام، فيقولون: "الشيخ الشمسي" و"الشيخ الموفق"، وإذا أسلم تحول لقب "الشيخ الشمسي" إلى لقب "شمس الدين"، و"الموفق" إلى "موفق الدين"، وولي الدولة إلى "ولي الدين". وأما غيرهم من أرباب السيوف فقد اختصوا بألقاب: "سيف الدين" و"حسام الدين" و"عز الدين".


وكانت الألقاب من مظاهر التقدير التي اعتز بها المعممون والأدباء، وحرصوا على استخدامها، بحيث إن الواحد منهم إذا قيل له اسمه العلم مجرداً من اللقب مثل أحمد أو محمد غضب من ذلك على من ناداه. وقد وردت حكاية بطلها رجل يدعى الشيخ تقي الدين السروجي (ت 693هـ/1294م)، قيل أنه عندما يدخل على أصحابه فإنهم يستقبلونه بالحفاوة، ولذلك ينادونه بقولهم: "جاء الشيخ تقي الدين"، وبعدما يطول بقاؤه مع أصحابه، ويدب الملل في نفوسهم، نجدهم يعبّرون عن حالتهم عندما ينادونه: بـ "التقي"، أي أنهم لم يعودوا على درجة اللهفة حين استقبلوه، وأما إذا نادوه: بـ "السروجي" أدرك أنه لم يعد له بقاء معهم فينصرف. كاشفاً عن أن التورم بالألقاب مرض عضال، أثقل الشخصية العربية وأعاقها عن تنمية ذاتها.. وهو خلل لم يغادر أياً من الأجيال السابقة منذ زمن المتورم الأكبر "المتنبي" الذي قال يوماً، وذات لحظة عقل: "أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم". وقد انشغلت دراسة "أهل العمامة في مصر عصر سلاطين المماليك" للمؤرخ المصري النابه حسن أحمد بن عبدالجليل البطاوي بإبراز أهم الألقاب التي جرى استخدامها بين أهل الثقافة والعمامة وأرباب الأقلام مثل:

- الشيخ: والشيخ في اللغة هو الرجل المتقدم في السن، ويقصد به التوقير، ومن منطلق التوقير والاحترام انتقل استخدام اللقب إلى العلماء فلازمهم. وكان مجال استخدام هذا اللقب في مصر المماليكية واسعاً، فأطلق على كبار العلماء، وبخاصة مشايخ الصوفية وأهل الصلاح والوزراء ورجال القلم والثقافة والمحتسبين، ولم يقتصر استخدامه على المسلمين وحدهم، بل أُطلق أيضاً على أهل الذمة من الكُتّاب والنابهين، والصيارف أقباطًا كانوا أم يهوداً، كذلك يخاطب به بعض الملوك والكتّاب من غير المسلمين. فيقال لعلماء المسلمين الشيخ عز الدين بن عبدالسلام والشيخ أحمد بن حجر العسقلاني، ويقال الشيخ الخطير والشيخ السعيد من كتاب وأدباء الأقباط.

- شيخ الإسلام: وأطلق هذا اللقب على كبار العلماء، ولم يكن صاحبه مقيداً بوظيفة أو منصب، وإنما ارتبط بأصحاب الشهرة الدينية والعلمية والثقافة الواسعة، والمكانة البارزة في المجتمع المصري. ومن أمثلة من حملوا هذا اللقب شيخ الإسلام عز الدين بن عبدالسلام وابن دقيق العيد وابن تيمية وسراج الدين عمر البلقيني وابن حجر العسقلاني وغيرهم. وقد مارس أصحاب هذا اللقب وظائف متعددة ومتنوعة، وأهم هذه الوظائف؛ التدريس وتلقين العلم في شتى فروعه، وبعض الوظائف الدينية الأخرى مثل القضاء والإمامة والخطابة وغيرها.

- شيخ الشيوخ: هو أحد الألقاب الشهيرة، والتي تعرض معناه للتبديل والتغيير من فترة إلى أخرى. والأصل في هذا اللقب أنه يطلق على شيخ طائفة الصوفية، ففي العصر الأيوبي أطلق على شيخ خانقاة سعيد السعداء. وظل شيخ هذه الخانقاة يطلق عليه "شيخ الشيوخ" حتى أنشأ الناصر محمد بن قلاوون خانقاة سرياقوس في عام 725هـ /1325م، فخص شيخها بهذا اللقب، واستمر ذلك إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ عام 806هـ /1404م، وتلاشت الرتب، فأصبح لقب "شيخ الشيوخ" أو "شيخ خانقاة فلان" يطلق على كل شيوخ الخانقاوات في مصر، وإن ظل شيخ خانقاة سرياقوس صاحب المكانة الأولى واللقب المتميز.

- القاضي: هذا اللقب أُطلق على من يعمل بالقضاء، وخاصة قضاة القضاة ونوابهم، واتسع استخدام لقب "قاضي" في مصر خلال عصر المماليك، فأصبح يُطلق على العلماء والكتّاب والأدباء وموظفي الدولة من المدنيين. وليس شرطاً أن يكون الملقب به قاضياً، وإنما كان اللقب وفقاً لما جرى به عرف العامة، فمثلاً سعد الدين بن غراب وهو أحد مسالمة القبط حمل لقب "القاضي"، والشيخ الخطير وهو أيضاً من المسالمة نُعِت بالقاضي، فاشترك هو وقضاة الشرع الشريف في هذا اللقب، وعلق ابن تغري بردى على ذلك قائلاً أنه كان يمكن للسلطان إذا رقى واحداً من هؤلاء الأقباط والمسالمة إلى رتبة من الرتب أن لا ينعته بالقاضي، بل ينعته بالرئيس أو الكاتب، أو بلقب آخر مثل ولي الدولة أو سعد الدولة وما أشبه ذلك، ويدع لفظة "قاضي" لقضاة الشرع ولكاتب السر وناظر الجيش ولفضلاء المسلمين، ليعطي كل واحد حقه في شهرته والتعريف به.

- الفقيه: وجمعها فقهاء، وهو من ألقاب العلماء المعممين، وأطلق هذا اللقب على القاضي والمدرّس ومؤدب الأطفال والإمام والمؤذن وطلبة العلم وغيرهم، ويبدو أن هذا اللقب شاع استخدامه لطلبة العلم والأدب وعرفوا به أكثر من غيرهم.

ومن أهم الألقاب التي اختص بها أهل الثقافة والعمامة في مكاتبات الدواوين السلطانية:

- المقر: وهو لقب يُكتب لكبار الأمراء، وأما من يكتب لهم "المقر" من المعممين فهم أعيان الوزراء وكتّاب السر وناظر الخاص وناظر الجيش وناظر الدولة وكتاب الدست. وقد يكتب للقضاة والعلماء.

- الجناب: وهو لقب يكتب لأرباب السيوف والأقلام جميعاً، وهو أعلى الألقاب التي تكتب للقضاة والعلماء، ولمن لا يؤهل للقب "المقر" من الوزراء، فيقال "الجناب الشريف العالي"، و"الجناب الكريم العالي"، و"الجناب العالي"، بحسب رتبة صاحب اللقب. على أن أعلى الألقاب التي حصل عليها المعممون لقب "المجلس العالي"، فعندما أحب السلطان الناصر محمد بن قلاوون كاتب سره محيي الدين بن فضل الله، قربه إليه وبالغ في تعظيمه، ثم منحه توقيعاً بلقب "الجناب العالي"، واستكثر محيي الدين هذا اللقب على نفسه، وكشطه من التوقيع، وقال "ما يصلح لمتعمم أن يتعدى لقب المجلس العالي". ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ولّي عماد الدين أحمد الكركي قضاء قضاة الشافعية في عام 792هـ/1390م، وكان هو وأخوه علاء الدين كاتب السر لهما حظوة عند السلطان برقوق منذ خدماه وهو في سجن الكرك عام 791هـ/1389م، وسعى علاء الدين كاتب السر عند السلطان برقوق لأخيه عماد الدين قاضي القضاة، وأمر السلطان بمنحه تقليداً كتب له فيه لقب "الجناب العالي"، ثم لحقه قاضي قضاة الحنفية بالحصول على هذا اللقب في سلطنة برقوق أيضاً، ثم قاضي قضاة المالكية في سلطنة فرج بن برقوق، ولم يبق من هو على اللقب الأول من قضاة القضاة سوى قاضي قضاة الحنابلة.

- المجلس: وهو لقب يكتب للمعممين الأقل رتبة من أصحاب لقبي "المقر والجناب"، ويقال لصاحب هذا اللقب "المجلس العالي"، و"المجلس السامي".

وهناك ألقاب أخرى مثل "مجلس القاضي"، وهو مختص بأرباب الأقلام من القضاة والعلماء والكُتاب، ولقب "مجلس الشيخ" ويختص به الصوفية وأهل الصلاح ومن في معناهم.

وقد أكثر كتّاب الديوان المختصين بمكاتبات الولاية وغيرها من إضفاء الألقاب الكثيرة على المعممين من ذوي الوظائف الدينية والديوانية، فنجد مكاتباتهم تفتتح بسلسلة طويلة من الألقاب، فمثلاً يكتب لقاضي قضاة الشافعية: الجناب العالي، القاضوي، الشيخي، الكبيري، العالمي، العاملي، الأفضلي، الأكملي، الأوحدي، البليغي، الفريدي، المفيدي... وغيرها من الألقاب الكثيرة.

هذا عدا الألقاب التي سبق ذكرها عند الحديث عن الوظائف مثل: الخطيب، والمقرئ، والمحدث، والمدرس، والمعيد والتي تدل على وظيفة بعينها. لتطوى الصفحة الوضاءة بين همسات الماضي، ولم يبق من ذكرى هؤلاء سوى ألقابهم التي نقشت على جدران آثارهم، يأتي كل عصر ويحمل كل ما فيه من معانٍ جميلة، وعند انتهائها تختفي كل المعاني وتتلاشى كل الموجودات بين طيات الزمان، وتلك سنة الله في أرضه.