لا حرب «اختيار»، ولكن هل تقع حرب «ضرورة»؟

المثنى حمزة حجي |

في البداية، لا أعتقد بوقوع حرب على رغم أن الوضع يزداد خطورة وبتصاعد سريع وقد يصل لمستوى من الميوعة يصعب السيطرة عليه، ولكن حتى الآن لا يوجد مصلحة لإيران في خوض حرب مباشرة مع أميركا ولا قدرة لها على ذلك، إلا إذا أراد الخامنئي أن ينتهي به الأمر بأن يُخرجه الجيش الأميركي من حفرة في الأرض كما في حالة سلفه صدام حسين.


أما من ناحية الولايات المتحدة، فأعتقد أيضاً بعدم رغبة ظاهرة للرئيس ترامب بالمبادرة بحرب اختيارية أخرى للأسباب التالية:

أولاً: عدم وجود رأي عام أميركي مؤيد، فالتجربة المؤلمة للمجتمع الأميركي بسبب «حروب الاختيار»Wars of choice التي قادها المحافظون الجدد في عهد الرئيس جورج بوش الابن، كحرب احتلال العراق، اتضح أنها اختيارات كارثية بددت ترليونات من الدولارات وآلاف الجنود من الجيش الأميركي وجاءت بنتائج كارثية، وهي استيلاء إيران على المنطقة، وكان «نقد» هذه الحروب من البرنامج السياسي للمرشح ترامب.

ثانياً: رفض أغلب دول العالم لحرب جديدة في المنطقة بما فيها الدول الأوروبية الحليف الطبيعي لأميركا، وعلى رغم عدم اكتراث الرئيس ترامب برأي الآخرين إلا أن قرارا بهذا الحجم سيحتاج دعما كبيرا من حلفائه وهو دعم غير موجود حتى الآن.

ثالثاً: الكلفة الاقتصادية الكبيرة للحرب الجديدة التي يتوقع أن تسبب خسائر عسكرية محدودة على القوات الأميركية، ولكن خسائر اقتصادية جمة ستحدث بسبب الارتفاع الشاهق لسعر النفط التي قد يصل إلى 200 دولار، ما سيهدد الاقتصاد العالمي ويقضي على النمو القوي الذي يشهده الاقتصاد الأميركي، ما سيجر العالم إلى ركود اقتصادي عميق يبدد طموح الرئيس ترامب في الفوز في انتخابات رئاسية جديدة في 2020.

بالتالي، فإن أسلوب الرئيس ترامب في مقاربة الأزمة مع إيران هي استراتيجية «الاقتراب غير المباشر»، وذلك بإعلان رغبة ظاهرة في عدم استخدام الخيار العسكري، ولكن في الوقت ذاته اتباع أسلوب «القضم التدريجي» للسلطة والاقتصاد الإيرانيين، وربما دفعها للانسحاب من الاتفاق النووي عبر سياسات منها:

أولاً: نشر المزيد من القوات الكبيرة في المنطقة لقطع الطريق علي أي محاولة إيرانية للابتزاز العسكري، مع تهديدها بمواجهة سيناريو «يوم القيامة» إذا قصفت أهدفا استراتيجية في المنطقة.

ثانياً: مع استكمال «الطوق العسكري» على إيران، ستزداد الضغوط الاقتصادية عليها. لذا، سنرى تصاعدا خطرا لعقوبات اقتصادية جديدة تستهدف هذه المرة قطاعات التصدير الايراني كلها، بل ربما تصل لمنتجات السجاد والفستق وغيرها لدفع النظام للاختناق مع صرامة في تطبيق العقوبات.

ثالثاً: الاعتراف رسمياً بالمعارضة الإيرانية الممثلة بجماعة «مجاهدي خلق»، ما يضرب شرعية النظام الإيراني، على غرار الاعتراف بأحقية المعارض جوايدو برئاسة فنزويلا وحصار سلطة الرئيس مادورو، لكون هذا إعلان رسمي بالرغبة في إسقاط نظام الملالي ولم يعد الأمر مجرد تصريحات من جون بولتون العام الماضي الذي قال «إن النظام الايراني سيسقط عام 2019»، بل يعني إن قرّرت أميركا أن تتبنى رسمياً مطالب المعارضة الإيرانية بخلخلة أركان نظام الملالي الإرهابي، حتى وإن كان إسقاط النظام ليس هدفاً حقيقياً.

أما حول التساؤلات عن الظروف التي ممكن أن تؤدي إلى اندلاع حرب، على رغم الرغبة الظاهرة حتى الآن بتجنبها، هي:

أولاً: إعلان إيراني عن وقف الالتزام بالاتفاق النووي، وهم قد أعلنوا عن بداية الخروج من الاتفاق وأعطوا مهلة شهرين للأوروبيين لاستثناء القطاع النفطي والمصرفي الإيراني من العقوبات أو عودة إيران إلى التخصيب، وأعتقد هنا بداية الخطأ القاتل، لأن هذا يعني تلقائياً عودة العقوبات الدولية كافة، وليس فقط الأميركية، مع إعادة إيران إلى الفصل السابع من الأمم المتحدة.

ثانياً: قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز وهو موطن القوة الأول لها وهو ما تدربت عليه قواتها مند عقود بهدف ابتزاز العالم وسيكون الرد الأميركي عسكرياً.

ثالثاً: هو وقوع خطأ من احد الأطراف باشتباك محدود يؤدي إلى رد فعل متدرج، ما قد يشعل الحرب إذا لم تتم السيطرة عليه.

الرابع والأخطر: قيام إسرائيل بالاستفادة من البيئة السياسية المناسبة لها تماماً لتوجيه ضربة عسكرية واسعة للقوات الإيرانية في سورية وضد المفاعلات النووية داخل إيران نفسها، على أمل أنه سيكون من السهل جر الإدارة الأميركية الحالية للحرب إلى جانب إسرائيل، فبمجرد هطول الصواريخ الإيرانية على إسرائيل لن تجد الكثير من المسؤولين الأميركيين، سواء في الادارة أم الكونغرس، من سيرفض التورط إلى جانب الإسرائيليين، وهو ظرف نادر الحدوث ففي إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن رفض إمداد إسرائيل بقنابل الأعماق التي طلبتها لضرب المفاعلات النووية الإيرانية خوفاً من قيام إسرائيل بمهاجمة إيران وجر أميركا إلى حرب ليست جاهزة لها كما حذرت إدارة أوباما إسرائيل بشكل واضح من الإقدام على عملية لا توافق عليها أمريكا، ولكن أميركا جاهزة الآن عسكرياً وسياسياً على مستوى مستشارية الأمن القومي.

أعتقد أن في حالة وقوع حرب سيكون الاحتمال الرابع هو الاقوى، خاصة أن نتانياهو لن يفوت فرصة وجود عوامل وظروف لن تتكرر من إدارة أميركية ومستشاريها المتواطئين وظروف سياسية وحشد عسكري مواتية، إلا أن إسرائيل بالتأكيد لن تستعجل، بل سيكون هذا على الأغلب بعد انتهاء مهلة الشهرين الإيرانية لأوروبا ثم عودة إيران للتخصيب العلني ودخول العالم في حيرة حول أسلوب إيقاف إيران، وسيكون هذا هو التوقيت الذي ستضرب فيه إسرائيل إيران بعنف، معتمدة على مباركة أو صمت دوليين وبعد اتفاق مسبق صامت مع الصقور، مثل جون بولتون وكوشنر الذين سيسارعون مع الإعلام الأميركي لمباركة تدخل عسكري أميركي لردع أي رد إيراني، وفي هذه الحالة سيكون العمل العسكري الأميركي عبارة عن قصف جوي هائل من دون تورط القوات البرية مع عدم قدرة روسيا والصين على الاحتجاج أو التحرك ضد أميركا، بل إن بوتين انتقد المهلة الإيرانية لأوروبا وطالبها بالالتزام بتعهداتها الدولية.

بالتالي، أعتقد ستكون السياسة السرّية لمستشاري الرئيس ترامب بالتعاون مع نتانياهو هي تحويل «حرب الاختيار» المرفوضة الآن إلى «حرب ضرورة» War of necessity ، عبر خنق إيران تماماً اقتصادياً وسياسياً وتحريك المعارضة الداخلية لدفعها إما لانهيار داخلي أو للانفجار للخارج أو دفعها عمداً للانسحاب من الاتفاق النووي، عندها تتوافر كل الأعذار التي يحتاجها الصقور لضرب إيران إذا لم تذعن لمجموعة شروط محددة.

بغض النظر عن الطريقة التي ستتحرك من خلالها الأحداث، أعتقد أن الأشهر القادمة التالية لانتهاء مهلة الشهرين الإيرانية وباقي شهور الصيف ستكون شديدة الحرارة والخطورة.

* باحث في الشؤون السياسية.

الأكثر قراءة في الرأي