ما قبل «قمم مكة» ليس كما بعدها

خالد دراج |

مؤشرات نجاح القمة والمؤتمر الدولي على مستوى العالم تعتمد على معايير أساسية ثابتة ثلاثة وهي: الإعداد والتنظيم والنتائج، ومتى ما حققت هذه المعايير العلامة الكاملة فإن هذه القمة أو هذا المؤتمر حقق امتياز النجاح.


ولعل المراقب المحايد بخبرة محدودة ولا نقول (كبيرة)، يمكن له أن يقف على حجم التميز والنجاح الذي لم يتحقق للسعودية خلال الأيام الماضية في قمة واحدة ولا اثنتين، بل ثلاث لم يفصل بين كل قمة وأخرى أكثر من ١٢ ساعة عمل.

وحتى نحيّد العاطفة في تقييم نجاح «قمم مكة» الثلاث، علينا أن نسترجع سريعاً في البداية الإعداد المتكامل لهذه «القمم»، والتي جاء الإعلان عن اثنتين منها (الخليجية والعربية) قبل عشرة أيام فقط عن موعدها، وكان إعداداً عالي الجودة، ثم جاء التنظيم والتنفيذ، والذي تعد السعودية فيه من الدول الرائدة والمتمكنة إثر خبرة تراكمية تمتد لعشرات السنين، مع الأخذ في الاعتبار أن «القمم الثلاث» وفي الأيام الثلاثة عقدت في واحدة من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم، إذ كان يوجد على مدار الساعة ما يتجاوز المليوني نسمة من معتمرين وزوار للحرم الشريف، يتحركون في منطقة لا يتجاوز حجمها مساحة مربع واحد داخل حي سكني صغير.

ولأن أهم معايير أي تنظيم ترتبط بالنتائج، وبحكم أن النظام الإيراني المارق كان يمثل المحور الأساس في أجندات «القمم الثلاث»، فإن أكثر المتفائلين بفعالية نجاحها لم يكن يتوقع أن يحدث ذلك الانقلاب السريع في الموقف الإيراني حتى قبل أن يغادر آخر الوفود رحاب مكة المكرمة، إذ أعلن رأس النظام في طهران حسن روحاني امتثال بلاده وانصياعها للتفاوض مع الإدارة الأميركية ونقض موقفها المتصلّب جداً، والذي ربطه أركان النظام بشرف إيران وقيم الثورة، ولعلنا نذكّر روحاني نفسه، الذي علّق على قرار ترامب وقتها عقب إعلان واشنطن عن انسحابها من الاتفاق النووي بقوله: «سنحرق هذا الاتفاق فور انسحاب الأميركان منه».

ولعل تصريحات روحاني تأتي بالتوازي مع تصريحات وزير خارجيته، الذي كان يتحدث باللغة الانهزامية ذاتها عندما قال: «مستعد لزيارة الرياض والجلوس معهم على طاولة الحوار».. فيما كانت المفاجأة الأكبر متمثلة في تصريحات خامنئي، الذي زعم بإصداره فتوى قديمة تحرّم امتلاك إيران السلاح النووي، وكأن بلاده كانت خلال سنوات طويلة تخصب مزارع للدواجن وليس اليورانيوم!

ومن يعد لتصريحات النظام الإيراني قبل انطلاق «القمم الثلاث» بفترة وجيزة يلمس مواقف عكسية تماماً لما يحدث اليوم، من تراجع متسارع وما سيحدث كذلك غداً أمام المعادلة الجديدة التي باتت على حقيقة واقعة وعلى مرمى «حصاة» من المياه الإيرانية، إلى جانب ضيق حلقة الحبل على رقبة الاقتصاد الإيراني الذي يدخل المرحلة الصفرية لإنتاجه النفطي، إلى جانب صراخ هيئة الطيران الإيراني أول أمس من امتناع المطارات الدولية من تزويد طائراتها بالوقود.

كل هذا الحصار الاقتصادي العسكري، يأتي بالتزامن مع موقف خليجي عربي إسلامي، أوصل رسالته بوضوح للنظام الإيراني من مكة المكرمة.. تنفيذ الشروط والعودة للسلام الحقيقي أو تحمل التبعات بكل الخيارات المطروحة، فالرضوخ الإيراني لوحده ولغة الاستعطاف والتسويات التي عادة ما يلجأ لها النظام الإيراني، كما يفعل هذه الأيام، لم تعد كافية، بل حتى لم تعد مقبولة أبداً لا من قبل الإدارة الأميركية ولا من قبل تكتل «القمم الثلاث» الذي تقوده السعودية.

khaliddarraj@

* باحث إعلامي وكاتب صحافي.