سيكولوجيا «وثيقة مكة»

ساعد الثبيتي |

قراءة الأحداث سيكولوجياً بمنهجية مقننة من أهم الاتجاهات التي تُمكّن من الوقوف على ما وراء تلك الأحداث من دلالات نفسية واجتماعية وتأثيرها على المجتمعات، من خلال الركائز المهمة ومن زوايا مختلفة متمثلة في «التلقي» والتأثير».


ومن أبرز أحداث الساعة التي تستحق التأمل والوقوف على الدلالات النفسية والمجتمعية، «وثيقة مكة المكرمة» التاريخية، التي أُعلنت من رحاب البيت الحرام في المؤتمر الدولي الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي، وشهده علماء المسلمين قاطبة قُبيل انعقاد «القمم الثلاث» لزعماء العالم الإسلامي، لتكون رافداً قوياً لدعم الاستقرار العالمي وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية بين مختلف المكونات الإنسانية.

حملت «الوثيقة» مضامين نفسية مهمة ودلالات على اتحاد الرؤى نحو تكامل الخطاب الإسلامي بمختلف مرجعياته الدينية، وتأكيداً على القيم المعززة للتوافق الذاتي والانسجام بين المجتمعات بمختلف مكوناتها، وبرزت في بنود الوثيقة احتياجات الفرد وفق تصنيف «ماسلو» الشهير، فلم تُغفل الاحتياجات الفسيولوجية اللازمة للحفاظ على الفرد، من خلال التأكيد على تعزيز مبادرات مكافحة الجوع والفقر والمرض والتدهور البيئي وتأمين الحياة الكريمة للإنسان.

وفي مجال الحاجة إلى الأمن، أولت «الوثيقة» التآزر بين المجتمعات أهمية كبيرة لوقف تدمير الإنسان والعمران، ومحاربة الإرهاب والظلم والقهر، وسنّ التشريعات الرادعة لمروّجي الكراهية والمحرضين على العنف والصدام الحضاري، وتحقيق معادلة العيش المشترك الآمن بين جميع المكونات، بينما جاءت الاحتياجات الاجتماعية واضحة وجلية في بنود الوثيقة، من خلال تشجيع الممارسات الاجتماعية، ورفض العبارات والشعارات العنصرية، وإقامة شراكات حضارية وتواصل فاعل يجعل من التنوع جسراً للحوار والتفاهم، والتأكيد على أن المسلمين جزء من العالم بتفاعله الحضاري ولا يمكن له أن يعيش بمعزل عن هذا العالم.

ولم تغفل «الوثيقة» الحاجة للتقدير في المجتمعات؛ فأكدت على أهمية تمكين المرأة وعدم تهميش دورها في المجتمع، والعناية بالطفل وصياغة فكره بما يوسّع آفاقه ويعزز قدراته ويُمكّن لفرص إبداعه ومهارات تواصله، وتحقيق الحرية الشخصية التي تحترم القيم وحرية الآخرين، بينما تصدّرت الحاجة لتحقيق الذات «وثيقة مكة»، من خلال التأكيد على هوية الشباب المسلم وحمايتها من محاولات الإقصاء أو الذوبان المتعمد أو غير المتعمد، وإيجاد منتدى عالمي يعنى بشؤون الشباب، والتنديد بدعاوى الاستعلاء البغيضة التي تزينها أوهام التفضيل المصطنعة.

وتجاوزت «الوثيقة» قالب نظرية ماسلو الشهيرة للاحتياجات الإنسانية التي اعتنت بالجوانب المادية أو المحسوسة آنذاك، إلى احتياجات لا تقل أهمية عما حدده ماسلو وتتعلق بالجوانب الروحية والعقائدية، فشملت التأكيد على احترام الاختلاف العقائدي والتنوع الديني والثقافي، وتجريم الاعتداء على دُور العبادة، وإسناد الأمر إلى أهله من العلماء الراسخين في العلم.

من عهدة الراوي:

الاتساق بين وثيقة مكة المكرمة ووثيقة المدينة المنورة التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل 14 قرناً في رحاب المدينة المنورة مع المكونات المختلفة في أديانها وثقافاتها وأعراقها، لم يكن ليمنعها من التماهي مع معطيات العصر الحديث ومتطلبات المجتمعات واحتياجات الإنسان في القرن الحادي والعشرين، لتحقيق الأمن والسلام الذي هو رمز الإسلام وتحقيق السلم والتعايش بين أطياف ومكونات المجتمع الإنساني كافة.