عيدنا أعياد

محمد المزيني |

عُدت يا عيد بحال غير تلك التي كنا نستقبلك بها، تلك الملتبسة برتابة مسكونة بهم وحزن على واقع أمتينا العربية والإسلامية، حتى ضاقت بنا طرقات المتعة والفرح، وأصبحت أزقتها مظلمة، بحيث أخذ الناس على حين غرة إلى نوافذ فضاءات أقل ما يقال عنها انها مخيفة، كان خطباء الأعياد في ذاك الزمن القريب ينكأون جراحات أمتينا العربية والإسلامية، ويصورونها جيفة نتنة، ثم يكرهوننا في كل مظهر من مظاهر العيد الذي يتحول إلى مناسبة جنائزية، لقد طويت صفحات أعيادنا القديمة البائسة إلى غير رجعة بالتحول الشامل الذي تشهده بلادنا على كل الأصعدة، إذ أزيحت ستائر غرفاتنا المظلمة على الحياة الطبيعية، وصرنا نرى بعضنا البعض بلا شكوك أو ريبة، أصبحت مسؤولية الحياة مشتركة، وصناعة الفرح أيضا مشتركة، حتى أقدارنا التي بدأنا نخطط لها مشتركة، لم يعد الخوف يناصفنا أحلامنا أو يحد من طموحاتنا، في هذا العيد لم نعد كما كنا في أعيادنا السابقة، لأننا بكل ببساطة ألقينا عن أجسادنا أثوابا لم تكن على مقاسنا ألبسنا إياها غصبا فاغتصبت فرحتنا عنوة.


لقد حل عيدنا اليوم ونحن نزهو بأثواب اخترناها نحن تلونها مظاهر هذا العيد في برامج متنوعة تشهدها مختلف مناطق المملكة، لتكن إشعارا صغيرا بما يستقبلنا من أيام، ولتكن مذاق الفرح الأول للسعودية الجديدة بقيادة خادم الحرمين وولي عهده، اللذين – بجسارة فذة ومسؤولية تامة – صاغا الواقع السعودي برمته بما يحقق الفرح الحقيقي؛ الفرح الذي أدركا بوعي كامل أنه لن يتحقق إلا من خلال رؤية تنظر إلى مسلمات الواقع كما هي وتعالجها بما تستحقه وسائل وطرق عملية بلا مواربة أو تجاوز لها، فوضع القضايا في أطرها الحقيقية والتعامل معها بكل تجرد هو بداية الحل.

لذا، كان السلام الشامل في عالمينا العربي والإسلامي هو الخطوة الأولى التي ستجلب الفرح لقاطني أراضيها، من هذا الاستشعار الإنساني النبيل كانت الرؤية الجديدة للمستقبل بعيدة المدى، لا تقبل التهاون أو الاسترخاء أمام ما يتهدد استقرارها، ولا يمنحها فرصة لبناء مستقبلها، لذلك جاءت ذاكرة العيد لهذا العام العيد مشغولة بهموم أمتينا العربية والإسلامية التي لا تزال تعاني من حالة تمزق تشظّت معها هويتها ووقع بعضها في مصيدة ملالي طهران المتآمرين المدفوعين بغلواء التمدد والاستعلاء، فهم كالدود الذي لا يعيش إلا على الأعضاء الفاسدة، وبما أن رمضان هو بمثابة اللغة الواحدة التي تربط أواصر أمتينا الذي سيتوج بأيام فرح، فقد جاء هذا بعد انعقاد ثلاث قمم إسلامية وعربية وخليجية، دعا لها خادم الحرمين واحتضنتها أشرف البقاع مكة المكرمة وعقدت في أقدس الأيام وهي العشر الأواخر من رمضان، لم يكن ليحدث هذا لولا القلوب البيضاء المتسامحة لقيادة هذا البلد، الذين في كل مرة يستشعرون معاناة الآخرين ويسعون بكل ما أتوا من قوة لحلها وقد وضعوا لها كل الاحتمالات الممكنة، والخيارات والبدائل الكفيلة بحلها، ولكي تكتمل صدقية هذا التوجه فهم يشهدون الله والناس قريبا من بيته المعظم على صدق نواياهم، لديهم القدرة التي لا تؤتى إلا للعظماء على تجاهل كل الإساءات والنكران للجميل وما يتبعها من شتيمة تلحق بأصحابها الخزي والعار، ولا يفت في عضدهم أصوات المرجفين والمثبطين، يبسطون قلوبهم بالمحبة وأياديهم الكريمة بالعطاءات بلا من أو أذى، تشهد على ذلك كل القمم والمصالحات التي عقدت بجوار الحرم الشريف.

السؤال: لماذا تفعل السعودية كل هذا؟ لاستشعارها الكامل بواجبها تجاه أمتينا لحمايتها من التمزق والاضمحلال، كما حدث في الخريف العربي، خصوصا بعدما تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن إيران وراء كل مصائب عالمنا العربي، وقد اشتد أوار كراهيتها وحقدها الأسود على المملكة العربية السعودية بعدما فشلت فشلا ذريعا في الوصول إلى عمقها وتحريك أذرعها الفاسدة في منطقة الخليج التي بترت تماما في البحرين واستؤصلت شأفتها، وكانت «عاصفة الحزم» هي المعركة الحاسمة لتنظيف بقايا أوساخها من الحوثيين في المنطقة، لذلك فإن الحرب بدت اليوم مكشوفة، ولم تعد تحركات دولة قطر بالاتجاه الإيراني سرا، فالفايروس الإيراني تسلل إلى نخاع سياستها الخارجية، فأصابها حول أعمى بصيرتها، لذلك كان لرمضان كلمته، ووضع القلوب كلها على طاولة واحدة، ورأينا بأي اتجاه تحركت بوصلتها، قلت ان الحرب باتت مكشوفها، فروحانية رمضان والمكان المقدس كانت لهما لمستهما الخاصة، السعودية في قمم رمضان الثلاث كانت تتحدث بلغة السلام مؤكدة على البعد الإنساني في تعاطيها مع العالم ليكون أساسا لنبذ الخلافات، تلك التي تدفع إليها العنصرية والاثنية والطائفية جاعلة من الإنسان محور البناء وأساس السلام، بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو أرومته، ليصبح مبدأ انطلاق في لغة الحوار مستقبلا، وبهذا سيكون الطريق مقطوعا تماما أمام استحضار ملالي إيران لدعاياتهم المذهبية الفجة التي يرون أنها بطاقة للمرور إلى شيعة المنطقة العربية، وهي التي خولتهم لمناصرتهم أوباش الحوثيين وأطماع حزب الله في لبنان واستبداد الحشد الشعبي على المشهد السياسي في العراق.

في القمم الثلاث كانت الرسالة واضحة، وهي نقلة جديدة في أساليب التعامل مع إيران وأذنابها في المنطقة. السعودية التي قالت كلمتها واضحة جلية لا لبس فيها بأنها لن تتوانى بقطع كل الأيدي التي تحاول المساس بأمنها واستقرارها، لقد استبعدت المذهب من علاقتها بالعالم، لتبدأ مرحلة جديدة من المصالحة القائمة على المصلحة. رسالة القمم الثلاث تقول على إيران أن تعود إلى عقلها الراجح لا مذهبها المرجوح، وتزن الأمور بعين الحكمة لا بالهوى والأطماع، وتضع القيمة الإنسانية السامية فوق كل شيء، فمن حق الشعوب أن تسعد، وتفرح لا أن تشقى، كل ذلك لن يأتي إلا بالحوار على طاولة المفاوضات، تركت لها الرسالة واضحة لتتأملها مليا في هذا العيد.

أما صغار قومنا الذين رزئنا بجهالاتهم، فأمرهم موكول للأيام، منها سيتعلمون معنى خيانة القريب الذي لن يجدوا خيرا منه حاميا ومعينا، ولهم في التاريخ القريب والبعيد عبر.

استمتعوا بعيدكم وافرحوا فالآتي حتما سيكون أجمل.. كل عيد وأنتم العيد.

* كاتب وروائي سعودي.

Almoz2012@hotmail.com

almoziani@