"الوقف" ومسؤولية المحافظة على المخطوطات العربية

إبراهيم البيومي غانم |

أسهم نظام الوقف بدور تاريخي في المحافظة على مخطوطات التراث الإسلامي بعامة، والعربي بخاصة. ولكن هذا الدور قد تراجع في الأزمنة الحديثة، حتى كاد أن يتلاشى في الواقع المعاصر. وقد تعرض كثيرٌ من مخطوطات التراث على اختلاف مجالاتها المعرفية لحوادث تهجير غير إرادي؛ بمعنى نقلها إلى مكان غير الذي اختاره مؤلف المخطوط، أو صاحب المكتبة الوقفية التي تحتوي على مخطوطات. وهذا النقل يندرجُ تحت "التهجير القسري"، ما لم تكن هناك ضرورة ملجئة إليه من مثل تعرض المخطوط لخطر التلف بالغرق، أو بالحريق، أو بالسلب والنهب من جهة معادية. وقد يكون التهجير بغرض عرض المخطوط للتعريف به ثم رده إلى موضعه، فهذا جائز لا شيء فيه. وسنوضح هنا السبب في انحسار الحصانة الوقفية عن مخطوطات التراث، بعد أن نذكر بعض أشهر حوادث التهجير القسري للمخطوطات ومنها:

حادثةُ تهجير مخطوطة "ترجمة كتاب الأمير للملعم ميكافيلي. وقد كانت مسجلة ضمن أوقاف مكتبة مسجد الحسين بالقاهرة تحت رقم 435. وتم ترحيلها إلى دار الكتب الخديوية (دار الكتب المصرية لاحقاً) في مارس سنة 1864م، وفي سنة 1886م تم تسجيلها تحت نمرة 223 بدار الكتب، ومكتوب أسفل صفحة الغلاف "مُحْضَر من سيدنا الحسين في مارس 1864م". والحكم الفقهي لهذه الحادثة هو "الندب"، على رغم كون المخطوطة كانت موقوفة على مكتبة مسجد الحسين؛ ذلك لأن موضوع الكتاب قد لا يتناسب مع خصوصية هذه المكتبة.

وحوادث تهجير جماعي لمخطوطات ومحتويات مكتبات الجوامع والمساجد المصرية في أواخر أوائل القرن الرابع عشر الهجري/ أواخر التاسع عشر الميلادي. وكان الإمام محمد عبده هو الدَّاعي إلى ترحيل محتويات تلك المكتبات، وأغلبها كان موقوفاً على المساجد التي كانت بها؛ وذلك لوضعها في "دار الكتب الخديوية" التي كانت قد تأسست بأمر من الخديوي إسماعيل في سنة 1870م. وحدث تهجير مشابه من مكتبات ومساجد العراق لتكوين "مكتبة الأوقاف العامة" في بغداد، وفي الموصل [ سالم عبدالرزاق أحمد، فهرس مخطوطات كتبة الأوقاف العامة في الموصل( جمهورية العراق: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 1400هـ/1980م. تسعة مجلدات ضخمة]. والحكم الفقهي لمثل هذه الحوادث يتراوح بين "الوجوب"، و"الندب"، و"الإباحة"؛ نظراً للأحوال السيئة لتلك المكتبات في ذلك الوقت. وكان ترحيلها إنقاذاً وحفظاً لها من الضياع، أو من التسرب إلى خارج البلاد عن طريق سماسرة التراث ولصوصه.


ومن تلك الحوادث أيضاً حادثة تهجير مخطوطاتِ المكتبة الزكية، التي كان أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة ((1284 هـ/1867 م- 21 ربيع الأول 1353 هـ/5 يوليو 1934م)، قد وقفها في سنة 1921م، واشترط في حجة وقفه أن تبقى في مكانها بقبة الغوري، وأن تظل منسوبةً إليه، على أن لا تضاف لدار الكتب أو تخلط بها". ثم حدث أن تمَّ نقلها من مقرها بقبة الغوري، وتوزعت محتوياتها بين "دار الكتب"، و"مكتبة الأزهر الشريف". ولما دار جدل في البرلمان المصري في سنة 1342هـ/ 1924م بشأن مصير محتويات هذه المكتبة، رفض بعض أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ترحيلها من قبة الغوري، واحتجوا بأن ترحيلها فيه مخالفة لشرط الواقف، وهذا غير جائز شرعاً.

ولكن حسن نشأت باشا وكيل وزارة الأوقاف وقتها، ردَّ على المعترضين بأن: هذه المكتبة كانت في الأصل موجودة في مكان خاص بدار الكتب، فطالبت الدار أحمد زكي باشا بنقلها؛ فكان أن وقفها على أن توضع في قبة الغوري، ثم أعقبَ ذلك اتفاق بينه وبين وزارة الأوقاف، وطلب إصلاحات في القبة، وإنشاء دواليب، فعُمِلت الإصلاحات وأنشِئت الدواليب. وكان أنفس ما في المكتبة هي الكتب "المخطوطة"، ولما أرادت اللجنة التي كلفتها الوزارة بجرد وتسلم الكتب منه، أن تشرعَ في جرد المخطوطات، اشترط عليها الباشا أن تجردَ أولاً أوراقاً مدشوتة يحتاج فرزها لزمن طويل، فشرعوا في ذلك، ولكن استحال عليهم الأمر- بعد زمن طويل - لأنهم لم يجدوا في تلك الأوراق كتاباً واحداً كاملاً، فأخبرته الوزارة بأن لا نفع في ذلك الورق الدشت، فقال الباشا: "إن قالت اللجنة إنه لا ينفع فأنا أحرقه"، ولما اطلع على تقرير اللجنة هزِئَ من كاتبيه، وقال إنهم لا يعرفون شيئاً، وانتهى الأمر عند هذا الحد، ومانع الباشا أشد ممانعة في جرد المخطوط"، ثم تعلل بأن في القبة فيراناً، وأنها تأكلُ الكتب، وطلب فتح اعتماد لتربية القطط في الخزانة لمقاومة هذه الفئران، وفتحت الوزارة اعتماداً لهذا الغرض، وخصصت سبعة قروش يومياً لإطعام القطط، فقلَّت الفئرانُ فعلاً، إلا أن أحمد زكي باشا أحضر إلى الخزانة حماماً كان قد أهدي إليه من اليمن، وترتب على وجود صغار الحمام وبيضه كثرةُ الثعابين في الخزانة، خصوصاً وأن المكان أثري قديم، وأصبح بعض المبلغ الذي كان مقرراً للقطط، مستعملاً في تغذية الحمام، ثم أن الحمام أصبح عديم النسل لمرض أصابه، ولم يُرِدْ سعادته أخذه لمنزله!. ثم طلب سعادته عن طريق أحد النواب أن تُنقل المكتبة إلى مكان آخر، فردت وزارة الأوقاف: أن الوقفية تنصُّ على أن تبقى المكتبة في مكانها، فأنكر الباشا ذلك في الصحف. ولكن نص البند الثاني من حجة الوقف ينص صراحة على : "أن تبقى هذه الكتب على الدوام والاستمرار بمدرسة السلطان الغوري بالقاهرة، المعروفة الآن بقبة الغوري بعد موافقة وزير الأوقاف ولجنة الآثار". ولما سأل أحدُ الأعضاء: لماذا تجاري وزارة الأوقاف أحمد زكي باشا فيما يريد؟ اعترف وكيل الوزارة بأنها تجاريه في كثير مما يطلب، وترى أن أمامها "شركة ضيزى لا حيلة لها فيها، وتود التخلص منها".[انظر هذه القصة الطريفة الفوضوية بكاملها في: مضبطة مجلس الشيوخ- الجلسة 35- أول الحجة 1342 /3 يوليه 1924، ص404، و405].

والذي حدث عقب وفاة أحمد زكي باشا في سنة 1934م، هو أنه تم نقلُ محتويات مكتبته من قبة الغوري، وأودع بعضها في دار الكتب، والبعض الآخر في مكتبة الأزهر. والحكم الفقهي في هذه الحادثة هو أن ترحيلها "جائز مع الكراهة" من مقرها الذي نص عليه الواقف إلى مكان آخر أكثر ملاءمة، وأصون لتلك المحتويات، وذلك نظراً للظروف التي أحاطت بهذه المكتبة وبمخطوطاتها، ونظراً لأن ترحيلها إلى مكتبتي دار الكتب والأزهر فيه الحظ والمصلحة لمخطوطاتها النفيسة وللمنتفعين منها.

ومن الحوادث؛ حادثة تهجير مخطوطات "مكتبة قولة"- التي أنشأها محمد على باشا في عهده- من مدينة قولة إلى دار الكتب المصرية بالقاهرة في سنة 1929م بقرار من الملك فؤاد الأول؛ الذي أمر بنقلها وإضافتها الدار. وقد أعدت الدار فهارس عناوين المخطوطات وأصدَرتْها في أربعة مجلدات كبيرة، نشرتها دار الكتب المصرية في سنتي 1350، و 1351هـ/ 1931، و1932م في أربعة مجلدات لفهارس مكتبة قولة، بإجمالي 1427 صفحة.

وحكم هذه الحادثة أن ترحيل محتوياتها مباح أيضاً؛ حيث إنها في حكم "الإرصاد" السلطاني، وهو نوع حكومي من الوقف، لا يلزم التمسُّك بشروطه، أن رأى وليُّ الأمر المختص تغييرها لمصلحة عامة أرجح.

وحادثة أخرى؛ هي حادثة تهجير 118 مخطوطاً نادراً، وترحيلها من مكتبة بلدية طهطا بصعيد مصر، إلى دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة في يناير 2018م [ صحيفة "الوطن" القاهرية بتاريخ 31 يناير 2018م. تحت عنوان: "دار الكتب" تتسلم 118 مخطوطاً من قصر ثقافة طهطا يعود تاريخهم لـ700 سنة"]. ويعود تاريخ تلك المخطوطات إلى العصر المملوكي، ولهذا فإنها ذات قيمة تراثية وتاريخية كبيرة. وكان السببُ في تهجيرها هو "الترميم"، ومن ثم الإبقاء عليها في دار الكتب وعدم إعادتها لمقرها الأول مرة أخرى. وحُكم هذه الحادثة هو "الكراهة"؛ نظراً لإمكانية إجراء الترميم هناك في مقرها بمكتبة البلدية بطهطا، فإن لم تكن المكتبة مجهزة، يتعين تجهيزها وتهيئتها لأداء هذه المهمة. ولأن الإبقاء عليها في موضعها من شأنه الإسهام في تنمية المنطقة المحيطة بها، وإشهارها ثقافياً ومعرفياً.

ومن أحدث حوادث التهجيرِ ما جرى لقسمٍ من المكتبة الدمشقية، حيث تم نقلها من منطقة "يلدا" جنوب العاصمة دمشق، إلى الشمال السوري، بغرض خدمة مخيمات اللاجئين نتيجة الصراع الدموي في سوريا منذ سنة 2011م. وقد جرى ترحيل خمسة آلاف كتاب منها، تفادياً لمصادرتها، وحرصاً على عدم تعرضها للدمار من جراء الصراع المسلح هناك. وقد استقرت تلك الكتب المرحَّلة في "مؤسسة قيم". [صحيفة "زيتون"، الإلكترونية، بتاريخ 12 ديسمبر 2018م، https://www.zaitonmag.com ]. وحكم هذه الحادثة هو "الوجوب"، إنقاذاً للكتب من جهة، ولمصلحة المهجرين من ناحية أخرى.

وقد استقر أغلب المخطوطات الموقوفة وغير الموقوفة، التي تعرضت لحوادث التهجير إلى خارج بلدان العالم الإسلامي، في كبريات المكتبات الأوروبية والأميركية والروسية. وأغلب الذي وقع من تلك الحوادث وقع إبان الحقبة الاستعمارية وتحت حراب الاحتلال الأجنبي لبلادنا.

وقد يسأل سائل: لماذا انحسرت حصانةُ الوقف التي كانت تصون كثيراً من تلك المخطوطات في أزمنة الدولة السلطانية، ولماذا فقدت الحصانة الوقفية قوتها الردعية لأصحاب النفوس الضعيفة والأيادي القوية التي امتدت إليها، وانتهكت حرمتها، على رغم تشديد أصحاب تلك الموقوفات في شروطهم، وفي دعواتهم، على أن تبقى في أماكنها ماضية على شروطها أبد الآبدين ودهر الداهرين، مع تهديد من يعتدي عليها بالويل والثبور، وسوء المصير؟ وما الذي يمكن عمله لإنقاذ ما جرى تهجيره، واسترداده إلى بيئته الحضارية؟

أولُ ما يلفتُ الانتباهَ في هذه المسألة هو: انهيارُ الحصانةِ الوقفية التي حافظت على نسبة كبيرة من المخطوطات التراثية لأزمنة طويلة. وهذا الانهيار حصل في العصر الحديث تحت وطأة الاستعمار الأجنبي لبلادنا، ولأن الحكومات الوطنية أهملت نظام الوقف وتركته لتنهشه عوامل الضعف والفساد. وأضحت المخطوطات الموقوفة في حكم الفئات الاجتماعية الضعيفة، مثل: اليتامي، والفقراء، والشيوخ والنساء العاجزات عن الكسب؛ وغيرهم من الفئات التي انحسرت عنها حصانة الوقف أيضاً، وفقدت السند الذي كان يوفره لها.

إن المسؤولية القانونية تقع اليوم على مؤسسات الثقافة والفنون والآداب والآثار المعنية بالتراث ومقتنياته في الدولة الوطنية القائمة. فهذه المؤسسات هي التي ورثت ذلك التراث، وأضحى في ذمَّتِها بحكم القانون الذي يحدد اختصاصاتها وينظم أعمالها. ويمكن لهذه المؤسساتِ عملَ الكثيرِ من أجل المطالبة بالمخطوطات المنهوبة واستردادها، ومن ذلك: عمل قوائم رسمية بعناوين تلك المخطوطات، وإعداد الحجج القانونية والتاريخية التي تثبت أحقيتنا فيها، ومن ذلك أيضاً إثباتُ تواريخ كتابتها، وأسماء مؤلفيها، ومالكيها، وواقفيها، والأماكن التي وجدت فيها قبل أن تمتد إليها يد الغصب والعدوان. ويمكن أيضاً اقتراح تعديلات في النصوص القانونية المنظمة لدور الكتب والوثائق والمقتنيات التراثية والأثرية؛ بما يمهدُ لرفع قضايا أمام المحاكم المختصة داخلياً وخارجياً سعياً لاستردادها.