سامر رضوان في "دقيقة صمت" ... ما له وما عليه

مشهد من "دقيقة صمت" ("الحياة")
بيروت - أمين حمادة |

لم يترك السوري سامر رضوان نفساً يسمح بنقد عمله "دقيقة صمت" من إنتاج شركتي "إيبلا" و"الصبّاح إخوان" قبل نهاية عرضه، بسيناريو قائم على الوتيرة الأكثر تصاعداً للأحداث وتشويقاً وتكثيفاً، بين كل مسلسلات موسم العام 2019.


منذ "لعنة الطين" وثلاثية "الولادة من الخاصرة"، يحترف الكاتب السوري صنعة الصدم، والذهاب بالخيارات التي لا تقع ضمن دائرة المحتمل او التوقع، ليجعلها في خانة المعقول ضمن الحدث المقبل، وينجح على الأعم الأغلب. يعرف سامر رضوان جيداً أن الكتابة الدرامية ليست مجرد معالجة للواقع أو للخيال ولا تقوم فقط على مزج بينهما، بل لا يمكن تحقيقها إلّا بطرح نقدي لموضوعها، ولا جدوى من صناعتها إن لم تثر الأسئلة.

واللافت، أن العمل الذي يظهر واحداً من أساليب آلية التحكم بالعقول وخداعها استناداً إلى جهل الناس لتصديق الكذبات الكبرى، ويضع على السطح صراع قيم إنسانية ونقائضها مثل الوفاء والغدر صفات أساسية في معظم الشخصيات، يستطيع بعرضه أن يفضح فعلاً نزقاً مستشرياً في قسم كبير جداً من الجمهور، وجحوداً أو أمية درامية لدى عدد من عناصر المسلسل، ما يجعل من عودة المؤلف من منفاه الفني، غربة جديدة.

انتظر الكثيرون تصريحاً إعلامياً لرضوان يعلن فيه أن "العمل موجه ضد سلطة لا تستحق شعبها ومارست كل أنواع التنكيل بالسوريين"، ليكتشف فريق منهم أن العمل ضد السلطة الحاكمة، على الرغم وضوح الأمر منذ الحلقات الأولى التي تبدأ بمؤامرة أمنية لطمس قضية فساد كبرى وغير اعتيادية، ويصرّح بها مباشرة في مشهد خطاب "العميد محسن" مع السجناء "المنتفضين" المشابه بمضمونه خطاب الحكومة السورية إلى المسلحين خلال الأزمة لرمي السلاح والمصالحة، إضافة إلى إسقاط رواية المعارضة حول "تحكم النظام بالسجناء لديه وتسخيرهم لتسعير الأجواء السلمية لثورتها"، على "إنتفاضة السجناء". الأمر عينه يكتشفه بعض صناع العمل وأبطاله فقط من كلام رضوان فتنصلوا منه، لا من النص الجليّ، فهل يكمن العجز في قراءتهم الدرامية أو في تغطية شمس بخيال اصبع نحيل؟

وعلى رغم الذروات الكثيرة التي يتمتع بها العمل المشدود بمتانة فائقة تخلو من الحشو، وخلال سبره كواليس الإستبداد الأمني وصراع الأجنحة وسحق المواطن العادي وكثير من جوانب النفس البشرية ومواجهات الخرافات الشعبية وغيرها، يقع في بعض الثغرات التي قد تمرّ، مثل تواجد من يحمل عين أسماء وأعمار السجناء المطلوب إعدامهم، أو ظهور صور المعدومين على صفحات الجرائد، من دون أن يراها المحامي العام او الشيخ مثلاً، علماً أن زمن العمل هو العام 2010 أي قبل تفوق المنصات الإلكترونية على الورقية بالحد الذي وصل إليه اليوم. وأيضاً استحالة دفن مسلم بتابوت مقفل، إذ تفرض الطوائف الإسلامية آداباً معينة في دفن الميت، تفرض توجيه جسده ووجهه بطرق معينة. ويسقط أيضاً في خطايا لا تمر على الأرجح. لا يمكن للمسؤول "نشأت الوزّان" بعدما كشف مع العميد "صفوان" لعبة "فريق راغب" أن يعتمدا في الحماية الأمنية للإجتماع المخصص للقبض على الأخير، على "العميد جبران" المتورط في المؤامرة المكشوفة أمامهما. ومن المستغرب جداً أن يوّبخ لبناني غير مدعوم (الجنوبي) في ذلك الزمن، بكل جسارة مدير ناحية في سورية أمام مركز شرطة من دون أي مانع. هفوة على الأرجح فرضتها خلطة الإنتاج المشترك، على رغم أن العمل يُصنف في فئة الدراما السورية بنسبة مئة في المئة.

ولعل التناقض الأكبر، يكمن في تعارض فكر أمني دقيق وجبّار يتمتع به "فريق راغب" بخاصة "العميد عصام"، مع إمكان سيرهم بحل "إحياء ميت" في العام 2010، بحجة أن حل براءته يمكن أن يثير الريبة ويلفت الأنظار، فذهبوا الى ما يجذب الشكوك أكثر بمئة مرة، بخاصة أن الطلب فرضه الأخير بالإتفاق مع "أمير ناصر" من دون مبرر. لا بد هنا من الإشارة إلى أن الرمزية التي توجه إليها الحدث أكبر منه، وكذلك الشجاعة في كشف زيف صناعة الكثير من المقدسات لدى العامة إثر استغباء عقولهم. لا اتهام هنا بقصور النص، إذ أن الحوارات تذكر أن "هذه الكذبة لا تمر على ولد صغير"، لكن الأمر كان أشبه بالمرور الى الواقع والتابو من باب المحال الذي كان بالإمكان تحقيقه في بدايات القرن العشرين، على نحو ما فعل الفرنسيون مع رجل يشع ليلاً. في هذا الشق لا يمكن التعامل مع أي عمل فني إلّا بقوانين الفن العامة ومنطقه الذي يختاره لنفسه أيضاً، مثلاً عدم طيران "سوبرمان" هو الغريب لا العكس، لأن العمل قائم على الخيال، ولكن "عودة الميت" غير ممكنة خارج ما تحدده الكتب السماوية لدى المؤمنين بها في نص قائم على الواقعية، ولا يمكن تبريرها بادعاء "مبهبط جداً" مثل الواقعية السحرية.

ومن ناحية الأداء، ينجح معظم الممثلين في تنفيذ أدوارهم ببراعة وإقناع وظيفة الممثل المحترف مثل عابد فهد وأندريه سكاف وخالد القيش الذي حصل على "دور عمره"، إلّا أن الإستثناء في الأداء يحصده فادي صبيح بإضافته روحاً جعلت من "ابو العزم" "ابو التمثيل"، إذ يحرص على اختيار مفرداته في كل المواقف من قاموس مهنته في الميكانيك، إضافة إلى كونه الشخصية الوحيدة المتنقلة بين الكوميديا والتراجيديا في خطها الدرامي، الأمر الذي يلعبه صبيح بحرفية عالية، مع استمراره في ترسيخ لازمة تحمل بصمته في معظم أدواره وفق ما يفعل بكلمة "يا إنسان" وضحكة "هاه".

وترفع قبعة أخرى إلى فادي أبي سمرة بتجسيد الإنسان الضعيف المسلوب الإرادة، بشرود العينين والنبرة المتأنية والأكتاف المنحنية وقسمات الوجه المستسلم، مع التبدل في لحظات الأمل الى نبرة أقوى وسحنة أكثر ابتساماً. ومن جهة ثانية، لم تسعف اللهجة يوسف حداد على رغم أدائه الكامل في الجوانب الأخرى، كما لم يسعف ستيفاني صليبا صوتها وقدرتها على التحكم بإيقاعه على وزن الحوار، بينما تذهب في نواحي الأداء الأخرى خطوة جميلة إلى الأمام.

وتُنفذ مشاهد "المعجزة" بإخراج ضعيف من شوقي الماجري، لم يستطع مواكبة الإعجاز الذي لربما كان أكثر إقناعاً بصورة تلائمه. الضعف الإخراجي ملازم للعمل في معظم مشاهد موقع الضيعة، بعدما بدأ (العمل) بالتخلي عن ممثلة مثل كاريس بشّار، تؤكد مشاهد شخصية "ربى ناصر" المعروضة، أن عددها تقلص عمّا كان عليه، وأنها لا تحتاج ثلاثين يوماً من التصوير، خاصة أنها تتركز في "بلوك داخلي رئيس".

في المحصلة، يتوقف أسلوب الماجري عند العام 2014. يقدم المشاهد بتقطيعات وزوايا كلاسيكية تنفيذاً لنص غير كلاسيكي، تفيد الإقناع ولا تصل إلى الإبداع، وتنحدر سوءاً عند ملاحظة الاستهتار في مشهد دخول "امير" الى منزله في دمشق، أو في ركاكة تصوير عصيان السجناء، حيث لا طلقة تحذيرية واحدة حتى.

في الخاتمة، ينجح العمل في تحقيق ما يريده الجمهور من ترفيه مشوّق يمسه بجرعة عالية من العمق، كما ينجح في إثارة الأسئلة التي أرادها كاتبه الذي أخطأ في توقيت تصريحاته خلال العرض.

مرحباً بعودة سامر رضوان.