نحن والصين

محمد بدر الدين زايد |

تلقيت عدداً من التعليقات على مقال نشرته الأسبوع الماضي، حول ما إذا كانت عرقلة صعود الصين ممكنة؟ وكذلك بعض التساؤلات المنطقية حول موقفنا كعرب من التطورات المهمة على الصعيد الدولي، فضلاً عن انعكاسها علينا.


يجب الاعتراف بهوامش مهمة، أو بالأحرى أبعاد مهمة في شأن الموقف العربي، أو بعض المواقف العربية التي تبدو وكأنها لا تصدق عالماً لا تواصل فيه الولايات المتحدة هيمنتها عليه، علماً أن بين أصحاب هذه المواقف من يعتبرون أن ثقتهم السابقة في انتصار واشنطن على الاتحاد السوفياتي السابق خير دليل على وجهة نظرهم.

ربما ما يستحق الإشارة إليه هنا، كجزء من خلفيات المسألة، ما لمسته بنفسي خلال وجودي في دولة إفريقية كبرى جنوب الصحراء، تملك الكثير من القدرات الاقتصادية والنفوذ الدولي، وما لاحظته هناك من انشغال مراكز أكاديمية وأوساط اقتصادية وسياسية بما تسببه الصين لدولتهم من أضرار وخسائر، تحول دون ما يرونه حقاً لبلادهم في الأسواق الإفريقية ومجالاً حيوياً طبيعياً لها، علماً أن بعض ما يقلق هذه الأوساط، يجب أن يقلق أطراف إفريقية أخرى، تحتاج وتستحق أن تكون لها فرصة لدى شركاء القارة. وجدت لدى من أتكلم عنهم حرصاً كبيراً على تشويه التمدد الصيني في القارة الإفريقية، وعلى إبراز أن ما يحصل ليس في صالح دولها الفقيرة، ما دفع هذه الأوساط إلى تبني وجهة النظر الغربية التي تبالغ في وصف استغلال الصين للموارد الطبيعية للقارة، وتتهمها بأنها تعمل بشكل أناني، على رغم أن من الواضح أن لهذا الطرف الإفريقي دوافعه الخاصة في هذا الصدد. علماً أنه كان لهذه الدعايات الفضل في تحسين صورة التمدد الصيني في القارة، من خلال مزيد من المساعدات والقروض الميسرة من دون شروط سياسية، ما زاد من قبول بكين وشعبيتها لدى الكثير من النظم السياسية الأفريقية ولدى بعض الأوساط الشعبية كذلك، وعموماً، يستحق موضوع الأنانية الصينية وقفة ضرورية.

وجدت تلك الرؤية المشككة في الصين، لدى أصدقاء مصريين وعرباً، ممن أتيح لهم من خلال عملهم، الاقتراب كثيراً من هذه الدولة العملاقة، علماً أن شكوكهم تجاه الصين مبنية على عاملين: أولهما ما يرونه من سياسات أنانية صينية من الناحية الاقتصادية، وثانيهما انزعاجهم الحاد من التقارب الصيني – الإسرائيلي، خصوصاً في مجال التكنولوجيا، بما في ذلك تلك العسكرية، مع قيامهم بإجراء مقارنة مفهومة بين ما يجري حالياً، وبين الموقف الصيني التاريخي البالغ القوة في دعم الحقوق الفلسطينية والعربية، إلى حد تذكيرهم بحديث كان يتردد عن عرض بكين أن تدفع بمئات الألوف من جنودها لمساعدة مصر بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

في مقابل هؤلاء، صادفت الكثيرين من العرب الذين يتدفق إعجابهم بلا حدود بالتجربة والنجاح الصينيين، وكأن الصين أصبحت الدولة الكبرى التي تقترب من السيطرة على مفاصل النظام الدولي.

والحقيقة في هذا النقاش، ليست في حلول وسط بين هذه الآراء المختلفة، بل في اقتراب رشيد ومتوازن من الظاهرة الصينية ومن باقي أبعاد الأوضاع الدولية بتحولاتها المعقدة، من عدة زوايا أو أبعاد، أظن أن من الضروري تحديدها لبلورة موقف عربي واضح.

البعد الأول، أن الولايات المتحدة ما زالت متصدرة للساحة الدولية بقوة شاملة غير مسبوقة تاريخياً سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً وعلمياً، وربما يجب أن يسبق هذا الأخير، أي العلمي – التكنولوجي، جوانب التقدم الأخرى كلها. ولكن هذا التصدر الأميركي في حال تراجع مستمرة. علماً أنه سبق لي في أكثر من موضع، الإشارة إلى أن كلاً من الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب، اللذين يقفان على طرفي نقيض، بمثابة وجهين لعملة واحدة اسمها: الجهود لمواصلة هذا التصدر الأميركي. الأول (أوباما) من منطلق سياسات الانفتاح والليبيرالية في أحد أرقى مظاهرها وفقاً للتقاليد الأميركية، والثاني (ترامب) من منطلق سياسات اليمين المتطرف والمتعصب، وفقاً لجذورها الأميركية. والحقيقة أن كليهما لا يستطيع وقف عجلة التاريخ. فالمظاهر المتعددة لفشل سياسات أوباما الخارجية، يناظرها فشل آخر لترامب الذي نجح في تنفيذ كل سياساته ووعوده الانتخابية، ولكن لا أحد في العالم، باستثناء قلة، يتبع وصفاته وسياساته. كما أن ما تحققه هذه السياسات، لا يلقى سوى تقدير قليل في الأوساط الدولية، علماً أن النجاح الاقتصادي الداخلي، لا يوفر قبولاً دولياً لطروحه الخارجية. فما يتحقق خارجياً محدود، ولعل أهم مظاهر نفوذ واشنطن الخارجية، تتركز في العالم العربي وحده، وفي حدود من الصعب المبالغة فيها.

البعد الثاني، أن هذا النظام الدولي المتحول ببطء شديد، سيصبح أقرب إلى تعدد الأقطاب. وبالتالي، تحتاج الولايات المتحدة إلى كارثة من نوع غير منظور الآن، لكن لا توجد إرهاصات كافية حالياً لتزيحها الصين بشكل حقيقي وتتصدر المشهد الدولي مكانها. كما أن هذه الحسابات تغفل الحضور الدولي المتزايد لروسيا، واستنادها إلى مقومات سياسية وعسكرية لا يمكن الاستهانة بها، فضلاً عن قدرات اقتصادية قابلة للنمو. يضاف إلى كل ذلك ما نشهده من مكانة دولية متزايدة لأطراف عدة من الشرق والغرب، وهذا ما يجعلنا نخلص إلى جملة محددة، مفادها أن زمن هيمنة طرف دولي واحد على الساحة الدولية، لا يبدو أنه أضحى ممكناً. وهذه الهيمنة لا تعني من سيواصل التصدر اقتصادياً وسياسياً. والإشكال هنا، هو أنه سيكون على العالم التعايش مع أي توازن دولي مركب ومعقد، يرث منظمة دولية هي "الأمم المتحدة"، التي تعتبر نتاج نظام دولي سابق، وتحتاج إلى مراجعة لتيمكن العالم من مواجهة تحديات صعبة وحاسمة، في وقت لا يبدو أن أحواله الحالية تجعله قادراً على ذلك. وتتصدر هذه التحديات، آثار التقدم العلمي المخيفة، وتغير المناخ، والانفجار السكاني، وكلها تنذر بحسابات ومستقبل غير واضح للبشرية.

البعد الثالث، هو أن الصين، التي رجحنا في حديثنا السابق أن تعجل محاولات العرقلة الأميركية صعودها، هي دولة عظمى لها مصالحها وتحدياتها، وليست مثالية تضحي بمصالحها من أجل مبادئ معينة. ولكن أيضاً، يصب لصالحها تاريخها الأقل عدوانية وشراً تجاه الآخرين، ما يفتقده التاريخ الغربي بوضوح لا يحتاج إلى برهان. كما أنه، وخلافاً لرؤية الكثير من الأصدقاء، ترتبط استمرارية مكانتها بعولمة تجارية اقتصادية، وتداخل كثيف لمصالحها مع الآخرين، ما يجعلها دوماً في صف الحوار والتواصل وليس الصدام، والبحث عن المشترك مع الآخرين. ولقد عرضنا في مقالنا السابق لظاهرة الاعتماد المتبادل بين الصين ودول العالم المختلفة وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي يزداد صخب المواجهة معها الآن. ولعل هذا البعد هو الذي يستقيم مع نظرة إيجابية، من دون أوهام مثالية، لمبادرة "الحزام والطريق" التي طرحتها الصين، وما يجب تذكره هو أن استمرار صادرات الصين، يحتاج إلى عالم مستقر وقدرات شرائية لدى أسواقها الخارجية، تتجاوز الفقر إلى قدر من الرخاء، ليزداد الرخاء الصيني. وهي منظومة تختلف عن الكثير من التجارب والممارسات الغربية الأكثر أنانية تاريخياً مع العالم غير الغربي.

هذا الصعود الصيني شبه الحتمي لا يعني، مرة أخرى (من دون حدوث تطورات غير منظورة الآن)، عالماً أكثر سوءاً مما نحن فيه، ولكنه أيضاً لا يحمل صورة وردية تتحقق فيها مصالح العرب، إلا بالقدر الذي يحسنون فيه أوضاعهم، مع الأخذ في الاعتبار أن جزءاً كبيراً من معاناة العالم العربي، جاء من طبيعة النظام الدولي الراهن بهيمنة واشنطن، وتعاظم تدخلات دول الجوار غير العربية، ومن أخطاء العرب أنفسهم. فمع ما نراه في عالمنا العربي من أزمات وغياب تنسيق، وعجز عن مواجهة تحديات الحاضر، يبدو الحديث عن رؤية مستقبلية وكأنه من عالم آخر، ولكني أظن أن عدم التفكير في المستقبل، وفي ما يجب أن نفعل، هو حكم بالانتحار والتسليم الكامل الذي يؤدي إلى مزيد من التدهور. وهنا، أظن أن ما نحن في حاجة إليه في ما يتعلق بالعلاقة مع الصين، يفوق مجرد الحديث عن تعزيز علاقاتنا بها ومع غيرها من الأطراف الأخرى الصاعدة، إذ إن هناك ضرورة لتحرير الأذهان العربية من الحقبة الأميركية المهيمنة، والتفكير بشكل أكثر إبداعاً في كيفية الإفادة من تحولات النظام الدولي، لصالح استعادة أوضاع أكثر ملاءمة تعطي قدراً أكبر من الأمل في المستقبل.

* كاتب وديبلوماسي مصري سابق.