"بيت لحم" في برنامج المُدن العجيبة الهولندي

الجدار الفاصل في بيت لحم ("الحياة")
أمستردام (هولندا) – محمد موسى |

يعوم المقدم الهولندي ايرسن كيريس باسترخاء في البحر الميت، يضع مشروبه البارد فوق جسده. لا يخشى الهولندي أن يسقط مشروبه، فالبحر الميت يرفع من دون جهد كبير الأجسام البشرية ويبقيها طائفة على سطحه. لن يطول هذا المشهد، اذ يقطعه صوت امرأة تسخر باللغة العربية من حال المذيع، وتذكر بعتب ولكن بكوميدية بأمثالها من الفلسطينيين المحرومين من التمتع بالسباحة في هذا البحر، بسبب قوانين اسرائيلية مُعقدة.


سيعود هذا الصوت العربي مرات في حلقة مدينة بيت لحم من البرنامج الهولندي "ايرسن في بلاد العجائب"، والذي انتهى التلفزيون الهولندي من عرضه أخيراً. فهو – أي الصوت – سيكون الضمير الذي سيذكر المشاهد بجوانب لا يتم التطرق لها بالعادة في برامج السفر التلفزيونية الغربية، اي الظروف الغريبة وغير العادلة التي يعيش فيها سكان بعض المدن السياحية. بل أن البرنامج سيركز في شكل أساسي على هؤلاء السكان، ويدفع قصصهم الى المقدمة، فيما ستنسحب المواضيع والاكتشافات الاخرى عن الوجهات السياحية الى الخلفية فيه.

يُقارب البرنامج الهولندي قضايا متنوعة من حياة سكان مدينة بيت لحم العرب، فيركز على وجود الجدار العازل الإسرائيلي، الذي يبدو أنه فتن فريق البرنامج، إذ خلق وجوده غير المخطط او العقلاني أوضاعاً غرائبية عدة. فيزور البرنامج مثلاً، صاحب محل عطارة فلسطيني لا يبعد محله سوى أمتاراً قليلة فقط من الجدار العازل، ليبدو المشهد من داخل المحل للخارج، كمن يحدق بقطعة خرسانية هائلة.

يهتم البرنامج بالرسومات والشعارات التي يكتبها أهل المدينة وزوارها على جدران الجدار العازل، بعدما تحول الأخير الى حائط للشكوى والغضب والحنين. تتغير الرسومات على الجدار، وتحلّ رسمات جديدة بدل القديمة. فيما سيغدو الجدار وجهة لكثير من السواح الاجانب، بخاصة بعدما أنجز رسام الغرافيتي البريطاني الشهير بانكسي بعض الرسومات عليه.

تحول الرسم على الجدار العازل لمصدر دخل للبعض. فيُمكن الآن ومقابل دفع مبلغ مالي تنفيذ رسومات على الجدار، وفق رغبة الدافعين، يرسمها فنانون فلسطينيون، ويتم تنفيذها بحضور السواح، وكما كانت الحال عندما صوّر البرنامج سائحين آسيويين حققا حلمهما بلوحة على جدار الفصل العنصري.

آثار الفنان البريطاني بانكسي موجودة بقوة في بيت لحم، وإن كانت لوحاته تختفي من الجدار العازل بعد أن يتم تقطيعها وبيعها بمبالغ ضخمة جداً. اذ أن هناك فندقاً جديداً افتتح في بيت لحم يستوحي في أثاثه والأعمال الفنيّة الموجودة فيه أعمال الفنان الغامض، والذي لا يعرف العالم اسمه الحقيقي او هيئته. كما أن محلات بيع التحف والتذكارات السياحية تعجّ بسلع من أجواء أعمال الفنان البريطاني، الذي وجّه بأعماله القوية انتقادات حادة كثيراً لجدار العزل الظالم.

ينتقي البرنامج نماذج فلسطينية ليحاورها عن حياتها، فيأخذ مثلاً شابة فلسطينية تعمل موظفة استقبال في فندق فلسطيني، الى الجدار العازل. وعندما يطلب منها أن تخط على الجدار رسماً أو شعاراً، ترفض، فهي لا تريد أن تكتب "فلسطين" على جدار سيزول قريباً، فيما "فلسطين البلد سيبقى التاريخ كله"، وفق قولها.

هذه الفتاة الفلسطينية كانت ضحية عمل عنصري كادت أن تفقد حياتها بسببه، ذلك أن امرأة اسرائيلية صدمتها متعمدة بسيارتها أثناء سيرها الى منزلها، وكجزء من حرب بين إسرائيليين وفلسطينيين تستخدم فيها السيارات الخاصة لدهس بعضهم بعضاً.

تحفل الحلقة التلفزيونية بقصص مؤثرة، بيد أن البرنامج بمجمله يُحافظ على نفس متواصل من السخرية من فئة برامج السفر نفسها، عن طريق الصوت المعلق (يحضر الصوت المعلق في كل حلقة من البرنامج وبلغات تتنوع حسب الوجهات له، ويذكر بعذابات السكان المحليين).

يقابل البرنامج فلسطينياً فقد أرضه للحكومة الاسرائيلية، وفلسطينياً آخر يعمل أجيراً في حقول زراعية يملكها إسرائيليون. سيُذكر الفلسطيني الأخير بالمعاملة العنصرية التي يتلقاها من أرباب عمله، فيما كان هؤلاء يلوحون بأذرعهم بسخرية من شرفات شققهم السكنية القريبة، وهم يراقبون حوار الفلسطيني مع البرنامج الهولندي.

هذا هو الموسم الثاني للبرنامج، بعد الموسم الأول العام الماضي، والذي زار فيه عدد من الدول، منها تونس في حلقة خاصة، حيث قضى أياماً في المنطقة الساحلية التي ضربتها عملية إرهابية، وقتلت سائحين أجانب، وقابل توانسة تضررت حياتهم من مفاعيل ذلك العمل الارهابي. كما قابل شهود عيان على ما حدث، بعضهم تدخل وشَكَّل مع توانسة آخرين ما يُشبه السّد البشري الذي أوقف الارهابيين، ومنعهم من قتل مزيد من الأجانب.