لتكن السعودية النووية

خالد دراج |

الزوبعة التي أثارتها وسائل إعلام أميركية أخيرا عن برنامج تطوير السعودية لبرنامج صواريخها الباليستية، تأتي في جميع الاحتمالات ضمن حالة المماحكات والضغوط وتصفية الحسابات مع الرئيس الأميركي، ضمن معركة بدأت منذ دخول دونالد ترامب المكتب البيضاوي والتي بلا شك لن تنتهي إلا بمغادرته البيت الأبيض.


وتدخل احتمالات تلك الزوبعة أيضا، في الضغط على إيقاف الصفقات العسكرية النوعية بين الرياض وواشنطن، أو على أقل تقدير تجميدها والمتضمنة في اتفاقها، ليس مجرد تزويد السعودية بالأسلحة المتطورة، ولكن بنقل التقنية العسكرية وتوطينها.

ولعل التيار الأميركي الداخلي المناهض لترامب (إعلام وديموقراط وغيرهم) وهو ذات التيار المعادي للسعودية، يتذكر جيدا أن الصدمة الأميركية تجاه برنامج السعودية لتطوير قوتها الصاروخية لم يكن ليمثل اكتشافا جديدا، بل هو ملف قديم منذ الثمانينات الميلادية عندما تمكّنت السعودية من الحصول على واحدة من أهم الصفقات الصاروخية في الشرق الأوسط والمعروفة بصفقة «رياح الشرق»، ولَم تقف الصدمة في ذلك الوقت لدى الإدارة الأميركية لذلك الحد، بل امتدت أيضا لإبعاد السفير الأميركي في الرياض بعد أن طلب من الملك فهد في حينها الاطلاع على الصواريخ الصينية والتأكد من عدم قدرتها على حمل رؤوس نووية.

ويبدو اليوم أن الإدارة الأميركية باتت متنبهة تماما إلى أن البوصلة السعودية منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم تتجه للشرق والغرب وفق احتياجها، متبعة منهجية ثابتة في تنويع مصادر السلاح والتطوير العسكري، وهو ما تمثل في تصريح وزير الخارجية الأميركي في معرض تعليقه على هذه الزوبعة بقوله: إن «من الأفضل لمن يثيرون هذه الأخبار ‏التوقف عن مهاجمة الإدارة بتعاونها في المشروع النووي وإمداد التكنولوجيا النووية كي لا تذهب لدولة أخرى».

ظلت السعودية طوال تاريخها ملتزمة بكل المعاهدات الدولية التي تحد من الانتشار النووي بموقف معلن وصريح، يتضمن رفضها لامتلاك دول المنطقة للسلاح النووي وعلى رأسها إسرائيل، إلا أنها في الوقت ذاته لن تقف مكتوفة الأيدي وتدفع ثمن موقفها وهي تلمس التوجه الإيراني نحو تخصيب اليورانيوم وصناعة القنابل النووية، وهو ما أكده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في تصريحه الشهير الذي أكد فيه أن السعودية ستتجه وبشكل فوري لامتلاك السلاح النووي متى ما تمكّنت إيران من تصنيعه.

ما تبقى من القصة والقلق الأميركي يتعلق بقرب زيارة الرئيس الروسي بوتين للسعودية، وما ستتضمنه من مباحثات واتفاقات تكميلية لحزمة من الصفقات التي سبق توقيعها في موسكو في أكثر من زيارة، وكان من أبرزها زيارة الأمير محمد بن سلمان عام ٢٠١٥ والاتفاق حينها على بناء روسيا وتشغيلها ١٦ مفاعلا نوويا للأغراض السلمية، ولم يكن ذلك الاتفاق وحده، بل كانت هناك برامج تطوير مشابهة مع أكثر من دولة مثل الصين وكوريا الجنوبية والباكستان.

وأمام كل ما يحدث في المنطقة منذ سنوات، وأمام تخلي المجتمع الدولي عن القيام بمسؤولياته الفعلية لنشر الاستقرار الفعلي، ومن بين دوله الولايات المتحدة في عهد إدارة أوباما التي أتاحت للنظام الإيراني هذا التوسع في تطوير قدراته النووية وامتداد عدوانه واحتلاله لعدد من دول المنطقة، لتهدد السلم والسلام في كثير من الدول وعلى حركة الملاحة الدولية، فإن السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي، وباتت اليوم أكثر من أي وقت مضى تضع أمنها الاستراتيجي أولا وأخيرا على رأس توجهاتها وعلاقاتها، ساعية نحو تعزيز ترسانتها العسكرية والتقنية بأعلى درجات التسليح، وسط تساؤلات وتطلعات من الداخل تطرح السؤال الكبير: «ولم لا تكن السعودية دولة نووية تملك السلاح النووي كسلاح ردع لحماية أمنها ومقدساتها؟».

لتكن كذلك فعلا، وهي قادرة بكل ثقلها العربي والإسلامي والدولي وقبل ذلك كدولة محورية للاستقرار السلمي والاقتصادي والسياسي في العالم وذات نهج معروف تحترم من خلاله الجوار ولا تملك أطماعا تجاه أي دولة مجاورة، وذلك ما عرف عنها منذ تأسيسها إلى اليوم، إلى جانب أن هذا التسليح النووي فيما لو تم لن يكن في يوم من الأيام سلاح هجوم أو غزو بقدر ما هو سلاح ردع وتوازن للقوى في المنطقة.

@khaliddarraj

* باحث إعلامي وكاتب صحافي.