أربعة عقود أميركية لزوال نظام الملالي!

عبدالملك المالكي |

هناك تواريخ فارقة في خريطة علاقة الإدارات الأمريكية المتلاحقة منذ العام 1983 وصولاً للإدارة الأميركية الحالية، في علاقتها بالنظام الإرهابي في طهران! ستة رؤساء أميركيين تقاطروا على إدارة ملف «العلاقات الأميركية - الإيرانية»، كلٌ منهم كانت له سياسته المختلفة عن سابقيه (ريغان، جورج بوش الأب، بيل كلينتون، جورج دبليو بوش، باراك أوباما، ثم الرئيس الحالي دونالد ترامب).


هنا سنسلط الضوء على أبرز الصبغات السياسية التي لونت تلك العلاقة بين اللونين «الأسود والأبيض»، إذ لا وجود لـلون «الرمادي» في تاريخ تلك العلاقة، ومن ثم استنتاج ما ستؤول إليه تلك العلاقة فيما تبقى لولاية الرئيس دونالد ترامب الحالية، وما سيحدث إذا ما نجح في إقناع الرأي الأميركي «الداخلي» لتمديد ولايته لأربع سنوات قادمة!

أولهم الجمهوري رونالد ويلسون ريغان الذي حكم الفترتين من 20 كانون الثاني (يناير) 1981 – 20 يناير 1989، إذ عرفت فترته بالتصعيد الفعلي للحكومة الإيرانية بعد ما عُرف بسياسة سابقيه، وبالأخص الرئيس جيمي كارتر الذي جاء في مرحلة كانت الولايات المتحدة تخرج عملياً من فترة الستينات المرهقة معنوياً لأميركا، بسبب حرب فيتنام والصراع الداخلي الذي واكبها، وخرج الحزب الجمهوري بالذات أكثر إرهاقاً بسبب فضيحة «ووترغيت». ريغان أول من تصدى لاتساع خطر إيران ومشروعها الثوري في المنطقة، وكان قد راهن على أن السلام لا يمكن أن يكون «منّة» تنتظرها من خصم آيديولوجي مدفوع بعقيدة تريد أن تسيطر على المنطقة الأكثر أهمية وحيوية في العالم!

ثم أتت مرحلة «تقليم الأظافر اقتصادياً» ووضع المجتمع أمام مسؤولية الوقوف بحزم ضد نظام الملالي الإرهابي، إذ نهجت إدارات جورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج دبليو بوش على التوالي، عملياً وتوالياً ممارسة ضغوطات متباينة تجاه إيران، أولها كان بُعيد ثورة الهالك الخميني بأقل من خمسة أعوام، وتحديداً عام 1983، حين قام عناصر من «حزب الله» وبأوامر إيرانية، بتفجير السفارة الأميركية في بيروت، ما تسبب بمقتل 63 شخصاً في السفارة. أما الهجوم الأعنف فكان في العام نفسه بعملية انتحارية استهدفت مقر مشاة البحرية الأميركية في بيروت، والتي نجم عنها مقتل 241 وجرح أكثر من 100 من أفراد البحرية والمدنيين الأميركيين.

وفي الـ19 من يناير 1984 أُضيفت إيران إلى القائمة الأميركية للدول «الراعية للإرهاب الدولي»، إذ كان الاتهام الأميركي الموثّق لوزارة الخارجية بأن إيران واصلت تقديم «التمويل، والملاذ الآمن، والتدريب، والأسلحة» لـ «حزب الله اللبناني» وجماعات الرفض الفلسطينية أبرزها حركتيْ «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

في آب (أغسطس) 2002 اتهمت واشنطن طهران بالسعي لتطوير أسلحة نووية عندما تم الكشف عن موقعين نوويين سريين؛ هما: منشأة لتخصيب اليورانيوم في نطنز في محافظة أصفهان، ومنشأة الماء الثقيل في أراك قرب طهران، لتبدأ مرحلة أكثر صرامة تجاه طهران التي استغلت أحداث الـ11 من سبتمبر للخروج من مأزق علاقاتها المتوترة بالولايات المتحدة، ولكنها لم تدم طويلا، إذ إن العمل الاستخباراتي الأميركي كشف كثيرا من تورط إيران في دعم طالبان وكثير ممن استخدموا في أحداث «مانهاتن»، وتحديدا كما أشرنا إلى بدء نظام طهران في استغلال الأحداث العالمية لتنفيذ مشروعها النووي الخطر في المنطقة.

توالت الأحداث «شدا وجذبا»، حتى جاء تاريخ 23 كانون الأول (ديسمبر) 2006، حيث شهد صدور قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1737 الذي اُعتمد بموافقة كل من الصين وروسيا، اللتين لم تستخدما حق النقض( الفيتو)، وبقية الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والذي نَصَّ على: إذا «إيران لم تمتثل لهذا القرار فإن مجلس الأمن سيعتمد تدابير ملائمة أخرى بموجب المادة 41 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لإقناع إيران للامتثال لهذا القرار ومتطلبات وكالة الطاقة الذرية، ويؤكد أنه سيتم اتخاذ قرارات أخرى ينبغي أن تكون هذه التدابير ضرورية إضافية». وفقا للقرار يجب أن تلتزم إيران بالقرار في غضون 60 يوماً، أي قبل 20 شباط (فبراير) 2007، وكان ذلك تاريخاً مفصلياً في تشديد العقوبات الأميركية والدولية على إيران.

ولأن التاريخ لا يرحم ولا يتجمل، فقد كشفت مرحلة الرئيس باراك أوباما عن إقامة علاقات وطيدة مع النظام الإيراني تُعد «الأسوأ والأكثر تهديدا للعالم بأسره»، حين توج أوباما المحادثات بين إداراته وإيران في حزيران (يونيو) 2015 بالاتفاق النووي الشامل بين إيران ومجموعة دول «الـ5+1»، وتم رفع العقوبات الأميركية ومنح الكثير من الامتيازات لإيران. المرحلة التي تعملقت فيها إيران وسيطرت على واقع الدول العربية الأكثر تأثرا بالتدخل الإيراني في شؤونها الداخلية (العراق، سورية، لبنان، اليمن).

اليوم، تواجه طهران واقعاً أميركياً مختلفاً، بل ومناقضاً لما خلّفته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، فبعد أن أجهض ترامب قبل عام، في الثامن من يونيو 2018، «الاتفاق النووي الإيراني» معلناً انسحاب بلاده، وقع مذكرة رئاسية لبدء فرض عقوبات على النظام الإيراني، مشيراً إلى أنها ستكون العقوبات الاقتصادية الأقوى والأكثر حدة تجاه طهران، وقال مخاطباً إدارة سلفه غداة هذا «التاريخ المشهود» في تاريخ أربعة عقود من السياسات الأميركية الحازمة إلا من ضعف إدارة «أوباما»: وأن «هذا الاتفاق الكارثي أعطى النظام الإيراني الإرهابي ملايين الدولارات»، مضيفاً: «لو سمحت لهذا الاتفاق أن يستمر فسيصبح هناك سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط»، وتابع ان «إسرائيل نشرت أدلة قاطعة تثبت أن النظام الإيراني سعى لامتلاك سلاح نووي، واليوم لدينا الدليل القاطع أن وعود طهران بإيقاف تخصيب اليورانيوم كانت كاذبة».

لنصل إلى مرحلة يضيق فيها الخناق عملياً على نظام ملالي إيران اقتصادياً وعسكرياً، إذ إن الخناق الاقتصادي في أوجه، والاستعداد العسكري الأميركي الملموس في المنطقة في أعلى مراحله. إيران التي تتخذ من موقعها الجغرافي «بعبعا» لتفجير الصراع عالميا، وهو الأمر الذي يفسّر الحكمة التي يواجه بها العالم هذا «النظام الرجعي»، فلا مناص من محاسبة إيران على كل إرهابها حول العالم بعد تهيئة لا تغيب عن المتابع الحصيف لدراماتيكية الأحداث وتعاقبها وصولا للتحضيرات الجادة من المجتمع الدولي لاستئصال الورم السرطاني الإيراني الإرهابي في المنطقة، ولا يغيب أيضا وقوف العالمين الإسلامي والعربي باستثناء «الأنظمة» التي كتبت بخط يدها نهايتها بدعمها للنظام الإيراني في مواجهة حاسمة ستقودها الأمم المتحدة باسم المجتمع الدولي ضد الإرهابيين حول العالم وأولهم إيران وأذنابها في المنطقة.

يبقى الحسم الأميركي تجاه تغيير خريطة الصراع الذي تأذّى منه العالم بأسره عبر أربعة عقود من وجود النظام الإرهابي الخميني البغيض، هو العمق الذي يرسم علاقة «الناخب الأميركي» بدعم سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حملته لولاية أخرى، ومن ثم ازدهار الداخل الأميركي الذي تأذّى كثير بفصل السياسات الأمريكية الداخلية عنها عبر عقود أربعة لم ترى حسما في التعاطي الأميركي مع الملف الأكثر أذىً للعالم أجمع (الملف الإيراني)، كما هو حال «حسم» ترامب المعلن في تعامله مع النظام الأكثر إرهاباً في العالم.

* دكتور تأهيل وكاتب سعودي.