«إنسانية» تتجاوز الجنسيات

ساعد الثبيتي |

«الأفكار» النوعية الناجحة ينبغي أن تكون نواة لأفكار أكثر إبداعاً لتنقل المجتمعات إلى حالة غير مسبوقة من العطاء والإنتاج وتُسهم في إسعاد الآخرين، وتكتسب المبادرات أهميتها وقيمتها دائماً من التفاعل المجتمعي معها والأثر الإيجابي الذي تحدثه في محيطها، وغالباً ما يحدث التفاعل والحراك المجتمعي مع مثل هذه المبادرات عندما يتم توظيف التقنية الحديثة في تنفيذها وإدارتها بشكل مختلف.


من أبرز المبادرات الإبداعية التي كانت محل اهتمام المجتمع وتُحسب لوزارة الداخلية السعودية، مبادرة «فُرجت»، تلك المبادرة التي جاءت في وقت قياسي لغايات إنسانية وأهداف سامية ونجحت في تحقيقها بتكاتف المجتمع ومؤسساته وفق أطر مؤسسية وظفت المنظومة الإلكترونية الرئيسية للدولة لإدارتها وتنفيذها.

تحولت هذه المبادرة إلى مشروع وطني إنساني وجعلت العيد مختلفاً لدى فئة من الناس عندما جُمع شملهم بأسرهم بعد أن تم السداد عنهم وقيل لهم قبيل العيد «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وأحدثت حراكاً إيجابياً تجاوز الأفراد إلى مؤسسات القطاع الخاص التي استشعرت هي الأخرى مسؤوليتها تجاه المجتمع.

لقد وضع القائمون على المبادرة بيانات جميع السجناء الموقوفين في حقوق مالية على منصة «أبشر» من دون أن يفرقوا بين مواطن وغيره، وهذا نهج المملكة ومؤسساتها الرسمية في التعامل الإنساني مع الأشقاء المقيمين، ثم جاء بعد ذلك دور المواطنين منسجماً مع سياسة وطنه، فهب الجميع لدعم المبادرة والسداد عن 450 سجيناً من 25 دولة من دون استثناء، ولم تقف إنسانيتهم عند جنسياتهم؛ فكانت النتيجة أن 63 في المئة من المستفيدين من المبادرة غير سعوديين تم الإفراج عنهم بعد أن سُددت مديونياتهم التي استوجبت إيقافهم.

إن هذه المبادرة لامست القيم المتأصلة في المجتمع التي لا تظهر إلا في المواقف الإنسانية، وقد كان لهذا دور في التفاعل الكبير الذي انطلق من قيم راسخة ومتينة في مجتمع «متآخٍ» و«متكاتف» لا يتوانى عن الوقوف بجانب من يحتاج إليه.

لا شك أن العقول الوطنية المبدعة لن تتوانى عن التفكير والإبداع وتسخير الإمكانات كافة وتوظيف أحدث ما توصلت إليه التقنية لخدمة المجتمع، وستتعهد هذه المبادرة وأمثالها بالتطوير والتحديث وتجعل منها أسلوب عمل يدار من خلاله كل مشروع مجتمعي ووطني بالشراكة مع الأفراد والمؤسسات بعيداً عن الاجتهادات الفردية التي مهما كانت ناجحة إلا أنها لا تصل لمستوى العمل المؤسسي.

من عهدة الراوي:

العمل الخيري الذي يتم من خلال الجمعيات الخيرية يعتمد بشكل كبير على الدعم المادي الذي تتلقاه الجمعيات من الأفراد والمؤسسات، وهي بدورها تمثل حلقة وصل بين المتبرع والمستفيد، إلا أن كثيرا من المحتاجين متعففون لا يسألون الناس إلحافا، وهنا تبرز الحاجة إلى منظومة إلكترونية لإدارة العمل الخيري في الجمعيات الخيرية من خلال منصة «أبشر» مثلاً، على غرار مبادرة «فرجت» التي نجحت بامتياز، وهذه الخطوة بلا شك ستسهم في استفادة كل من يحتاج الدعم من الجمعيات الخيرية بطريقة تحفظ كرامته، وستحد من الاجتهاد الفردي في تلك الجمعيات وتحول العمل فيها إلى عمل مؤسسي منظم، وتُسهم في تقلص المصروفات على البنود الأخرى مثل بند «العاملين عليها».

Sss15@hotmail.com

@saedaltabaiti

* كاتب ومستشار.