الصواريخ السعودية... عينٌ بعين

فيصل العساف |

منذ تأسيسها، ظلت السعودية الحديثة مشغولة في البناء والتنمية داخلياً، بينما تُقابِل على المستوى الخارجي الإساءة بالإحسان، على رغم المنغصات التي ما فتئت تحاول النيل من أمنها، في محيط يرزح بين مطرقة العنتريات السياسية، وسندان الخيبة والنكسات.


إن التحديات التي مرت بها السعودية، واستطاعت الخروج منها أكثر صلابة وأعمق تجربة، لم تكن لتزحزحها عن موقفها الثابت إزاء الجنوح الدائم إلى السلم، لتتحقق في سبيل ذلك معادلة التوازن الصعبة، بين النأي بالنفس عن مَواطن التصعيد، والمحافظة على حقها في الدفاع عن نفسها مهما كلف ذلك من ثمن، والتاريخ يحفظ لها ذلك جيداً. ويمكن اعتبار الحالة الإيرانية منذ استيلاء الخميني وعصابته على مقاليد الحكم، وما صاحبها من استفزازات ممنهجة طيلة أربعة عقود، خير شاهد على رجوح الحكمة السعودية في ميزان التعامل السياسي، على ما عداها من فرضيات متاحة، بما فيها المواجهة المواجهة المسلحة، إذ إن فاتورة التشغيب الإيراني مثخنة بالدَّين واجب الدفع للسعودية وعموم الخليج.

ليس جديداً أن إيران "الثورة" وضعت السعودية في خانة ألد الخصوم. يظهر ذلك بجلاء عند قراءة مشهد العمليات التخريبية في الحرمين الشريفين، استنادا إلى فتاوى خميني "السياسية" الشيطانية التي أدخلها في الدين عنوة، سعياً منه إلى إبراز نظامه بوصفه "ناصر المستضعفين"، ولو على حساب الشعائر الدينية والمشاعر المقدسة! وليس سرًّا أن العمامة التي مكنته وشيعته من التغرير في الشعب الإيراني، هي ذاتها التي يلوّح بها في ميكافيلية رخيصة، تستغل مصائب العالمين العربي والإسلامي، للتشويش على العقول، من خلال ضرب أسافين العداء بين الشعوب عامة والحكومات، وخاصة السعودية، في سبيل تسهيل مهمة الغراب الإيراني المتمثلة في التحليق فوق الخراب، وتسلق الأنقاض. تخلل ذلك سلسلة التفجيرات الإرهابية، التي بدأت في مدينة الجبيل السعودية في عام 1988، ولم تتوقف حتى اليوم، إذ كان آخرها استهداف أربع ناقلات نفط - اثنتان منها سعوديتان - في المياه الإماراتية، وكذلك الهجوم على محطتي ضخ للنفط قرب العاصمة الرياض قبل نحو شهر من الآن، مرورا بإيواء قادة تنظيم "القاعدة" وحمايتهم، التي لم يجف بعد حبر رسائل مؤسسها أسامة بن لادن، وهو يوجه أتباعه بضرورة "تجنب إيران، بوصفها الممر الآمن للسلاح والرجال"، في مشهد يتحلل من واقع العداء المستحكم "المفترض" بين طرفي نقيض التشدد الإسلاموي في العصر الحديث، ما دام الهدف هو زعزعة استقرار السعودية.

تهديد إيران لأمن السعودية لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتعدى ذلك بسباقه للزمن بغية تطوير الآلة العسكرية، على حساب قوت الإيرانيين الذين يسومهم الملالي سوء المجاعة والفقر والتجهيل، في بلد يعوم على بحر من النفط، وتتنوع فيه مصادر الدخل والإثراء لو حسنت النوايا، ليتم أخيرا خرق سفينة النجاة التي أمدهم بها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ممثلة بالاتفاق النووي، الذي قدم لإيران وعلى طبق من ذهب فرصة التقاط الأنفاس بالتهدئة، لولا أنها أخطأت من شدة عدائها التقدير، لتعود إلى نقطة الصفر من جديد، في شكل أقسى وأنكى، بين العقوبات الأميركية التي أقرّها الرئيس الحالي دونالد ترامب، والضربات الإسرائيلية المذلة والمتلاحقة على الساحة السورية، من دون أن تنبس إيران ومجاميعها ببنت "طلقة" اتجاه تل أبيب.

بناء على ما تقدم، يمكن القول صراحة أن إيران هي المسؤول الأول عن سباق التسلح في المنطقة، والذي وضعت السعودية كامل ثقلها فيه، بالتعاون مع الصين هذه المرة، بعد أن تسبب "انحياز" ديموقراطيي أميركا في تعطيل إمداد السعوديين باحتياجاتهم التي تحقق آلية الردع، في مقابل همجية إيران.

* كاتب سعودي.