سيناء... من هزيمة الأعداء إلى النصر على الإرهاب

منير أديب |

ستظل محافظة شمال سيناء المصرية، رمزاً للصمود في مواجهة جماعات العنف والتطرف؛ فهذه البقعة من الوطن عانت الاحتلال الخارجي على مدار السنوات التي تلت نكسة ما عرف بـ "حرب الأيام الستة" أو نكسة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وحتى تحقق النصر في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، التي كانت آخر الحروب وأبقت الباب مفتوحاً لانتصارات أخرى. منذ ذلك الوقت، لم تنته الحرب على تلك البقعة الغالية من أرض الوطن، فمن حرب إلى حرب ومن نصر إلى نصر، سواء كان نصراً عسكرياً توَّجته القوات المسلحة المصرية أم نصراً سياسياً توَّجته الديبلوماسية المصرية برفع العلم المصري في 25 نيسان (إبريل) 1982 على كامل التراب المصري في تلك المحافظة الحدودية.


وما أن تحررت الأرض من محتليها وغاصبيها الخارجيين، حتى بدأت حرب جديدة مع كيانات خبيثة غزت هذه البقعة من الداخل، ممثلة في جماعات العنف والتطرف والتمرد، التي أخذت مسميات عدة، بدءاً من جماعة "التكفير والجهاد" التي تغير مسماها إلى جماعة "التوحيد والجهاد"، ثم خرجت منها نواة جماعة "أنصار بيت المقدس" بعد غزو عدد كبير من المقدسيين للتنظيم، ممن هربوا من ضربات إسرائيل الصاروخية عبر أنفاق سيناء. هنا، تمَّ تكوين تنظيم يرتبط في علاقاته وعملياته بالجارة فلسطين، ويحمل من أبنائها حماسة الجهاد ولكنه ينتمي مكانياً إلى مصر وعملياتياً أيضاً. فكل عمليات «التنظيم» كانت موجهة إلى صدور المصريين ورجال قواتهم المسلحة.

تغير اسم «التنظيم» للمرة الأخيرة، عندما أطلق على نفسه «ولاية سيناء» بعدما بايع تنظيم ما يُسمى بالدولة الإسلامية «داعش» الإرهابي في عام 2014، ليقوم عملياً بتجسيد دور إسرائيل التي عانت رد الجيش المصري عليها في نصر العاشر من رمضان. هكذا، عاشت سيناء وما زالت في رباط بأبطالها وجنودها، يدافعون عنها ضد محتل أجنبي وضد قوى خبيثة حاولت ومازالت تهاجمها من الداخل. ويأبى الجسد إلا أن يواجه أورامه الخبيثة رافعًا شعاره الأبدي الذي طالما رفعه منذ تأسيسه على يد محمد علي: «النصر أو الشهادة».

الاعتداء على قواتنا المسلحة الباسلة جزء من خطة جماعات العنف والتطرف، فعلى رغم دور الجيش المصري في مواجهة أعداء الخارج، إلا أن أعداء الداخل كانوا ومازالوا يقومون بالدور ذاته نيابة عن القوى الصهيونية، التي تتشابه أهدافها مع أهداف تلك الجماعات في إضعاف الجيش الأكبر والأقوى عربياً والثاني عشر عالمياً.

اعتداء «داعش مصر» على نقاط عدة في محافظة شمال سيناء يوم الخامس من يونيو الجاري، يُجسد الحال التي نتحدث عنها وما تمثّله من أدوار متوافقة بين إسرائيل وجماعات العنف والتطرف. ولعل المستفيد الأول من عمليات هذا التنظيم المتطرف، دولة الكيان الصهيوني المغتصب للأراضي العربية، ولعل ذلك كان ضمن أهم أسباب اختيار توقيت الهجوم (مناسبة اعتداء إسرائيل على قواتنا العربية واحتلال أراض جديدة).

لم يتورع تنظيم ما أطلق على نفسه «ولاية سيناء» عن الاعتداء على الجنود في مراكزهم قبيل صلاة عيد الفطر المبارك بقرابة عشرين دقيقة. ولعله اختار هذا التوقيت، ظناً منه أن الجنود في هذا الوقت يكونون في حال تراخٍ أمني، أو يقومون بتبديل نوبات الحراسة، أو أن توقيت هجومهم يتزامن مع نهاية نوبة حراسة شعر معها القائمون بالتعب وربما كانوا يستعدون للراحة، وهي اللحظة التي هاجم فيها التكفيريون الجنود البواسل.

عمليات "داعش سيناء" يمكن قراءتها والتنبؤ بها بسهولة ويُسر إذا فهمنا خلفيات الذهنية التي تُحرك هذا «التنظيم» المتطرف، ونجحنا في توقع ردود فعله وتوقيت عملياته وطريقته في الهجوم، وهو دائماً ما يجنح لتنفيذ مثل هذه العمليات في ذكرى مناسبات سياسية وعسكرية ودينية أيضاً، مثل حرب أكتوبر 1973. ومن المناسبات الدينية ذكرى غزوة بدر في 17 رمضان أو ذكرى المولد النبوي، أو حتى ذكرى هزيمة مثل 5 حزيران (يونيو) التي حدثت قبل 50 عاماً. لكن عمليات التنظيم المتطرف لم تقتصر فقط على المناسبات الوطنية، بل نفذ الكثير من العمليات أثناء بعض مباريات كرة القدم وخاصة في نهايات البطولات، اعتقاداً منه أن هذا التوقيت يشهد تراخياً أمنياً. وغالباً ما تكون هذه العمليات نوعية يسقط فيها ضحايا وشهداء أكثر من غيرها من العمليات الإرهابية التي ينفذها.

لن ينسى الجيش المصري شهداءه، وسيظل يقدم الغالي والثمن من أرواح جنوده دفاعاً عن الأرض، فعقيدة الواجب الوطني جزء من كينونة هذا الجيش وعنفوانه وصدقه في الوقت ذاته. ولعل هذا سر من أسرار قوته التي لا تُضام، وسر آخر من أسرار معاركه التي لا يخسرها منذ فجر التاريخ أيام الهكسوس وأحمس حتى الانتصار على إسرائيل والإرهاب.

* كاتب مصري.