«القمم الثلاث» ومركزية الحق العربي في فلسطين

عبدالرحمن بن أحمد الجعفري |

برز جلياً من خلال ما صدر عن «القمم الثلاث» التي عُقدت في مكة المكرمة من بلاغات، أن الأمة العربية والإسلامية -ممثلة بحكوماتها التي اجتمعت في مكة المكرمة أقدس بقعة في الأرض، مستوحية من قدسية الزمان والمكان قدسية الحق والعدل الذي جاء به شرع الله- قد وجَّهت رسالة واضحة جلية للعالم أجمع، إذ جاء في البيانات الثلاثة التزام تلك الدول بالحق العربي في أرض فلسطين، وأن الاحتلال الصهيوني لتلك الأرض العربية يتنافى مع مبدأ العدل وإحقاق الحق، وأن اغتصاب الأرض وطرد أهلها الشرعيين منها أمر مرفوض، وأن إعطاء الشعب العربي الفلسطيني حقوقه الكاملة في دولته المستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشريف، حق شرعي تلتزم به تلك الدول، وأن المحاولات اليائسة والبائسة من قِبل الصهاينة وأعوانهم من الصهاينة المسيحيين لشق الصفوف واللعب بالأوراق الاقتصادية الزائفة لن تجدي نفعاً.


هناك سؤال جدير بالطرح بعد ما سمعناه من هذه «القمم» يمكن توجيهه لأطراف عدَّة، وأولها الإدارة الأميركية الحالية التي تروج لِما تسمّيه «صفقة القرن» التي طبخها ويروج لها الصهاينة وأعوانهم، والتي تنطبق عليها مقولةٌ طالما سمعت والدي -رحمه الله- يرددها عندما يسمع أمراً لا يصدق «حدّث العاقل بما لا يُعقل، فإنْ صدَّق فلا عقل له»، هل يصدق مَنْ عنده ذرّة من فِكر وتمييز، أن تكون هناك «صفقة» عادلة يقدمها العدو لصاحب الحق في وقت ضعفه وتكون مقبولة من هذا الطرف المغتصب حقُّه؟! في وقت تجرّأت فيه الإدارة الأميركية الحالية على ما لم تجرؤ عليه الإدارات السابقة، بإظهارها الانحياز الكامل لدولة الاحتلال، ومخالَفة جميع القرارات الدولية ذات الصلة، إذ قطعت معوناتها عن «الأونروا» التي تغيث وتشغّل اللاجئين الفلسطينيين، ونقلت سفارتها إلى القدس، وأعلنت عن اعتبارها الجولان العربي أرضاً إسرائيلية.

تلك القرارات «المجحفة» في حقّ الأمة العربية والإسلامية، جعلت من الإدارة الأميركية الحالية طرفاً فقد صدقيته بالنسبة للإنسان العربي والمسلم، وعليها تصحيح تلك القرارات، ومَن يراجع مواقف الدول يجد العديد من الحالات التي يخطئ فيها صانع القرار السياسي نظراً لقلة الخبرة أو المعلومات أو لتضليل بعض المستشارين؛ ما يوجب عليه بعد اكتشاف الخطأ مراجعة قراراته الخاطئة وإصلاح ما اعوجّ منها، وما نحن بصدده يمثل حالة من تلك الحالات لازمة المراجعة، وقرارات «قمم» مكة المكرمة أكبر دليل على خطأ تلك القرارات وضرورة مراجعتها.

إنْ كانت الإدارة الأميركية تودُّ استعادة صدقيتها لدى شعوب الأمة العربية والإسلامية، وجادة في طرح مبادرة حقيقية للسلام، فمِنَ الأفضل لها إعادة تقييم موقفها ومبادرتها بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها وليس فقط تحقيق رغبات عتاة الصهيونية، هناك ما يحتم الرجوع عن تلك القرارات كافة، وتغيير الطاقم المشرِف على مبادرات السلام بين العرب وإسرائيل، فهذا الفريق بطبيعة تكوينه يصعب عليه أن ينفكّ عن انحيازه الكامل لإسرائيل. كما أن من أولويات إعادة تقييم الموقف دراسة ما تعنيه الأرض بالنسبة للإنسان العربي والمسلم، فالأرض بالنسبة لنا جزءٌ من تراثنا وهويتنا وحضارتنا، لا يمكن التنازل عنها إلا برضانا، وإن غلبنا يوماً فسنعود غداً لتحريرها، وعليهم أنْ يقرؤوا التاريخ جيداً.

وثاني الأطراف التي يجب أنْ يُطرَح عليها ذلك السؤال، أولئك الداعون والمهروِلون للتطبيع مع العدو قبل حصول إخواننا الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة بحسب القرارات الدولية ذات الصلة، مِن مدّعي الفكر الحر وبعض قنوات التلفزة والصحف وقنوات التواصل المشبوهة، نقول لأولئك الذين فقدوا روح الانتماء لأمتهم وقضاياها المصيرية، وأصبحوا أداة طيعةً في يد الأعداء بقصد أو بغير قصد: ماذا تعني لكم مقرّرات «القمم الثلاث» في مكة المكرمة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومركزيتها؟ ألا يجدر بكم أن تفكروا بعمق مَن هو العدو الحقيقي لأمتكم، وتكفّوا عن نشر سمومكم على المواطنين الشرفاء الذين أخلصوا لوطنهم وأمتهم ويعرفون أعداء الأمة الحقيقيين الذين زرعوا تلك الدولة المزعومة في أرضنا الطاهرة فلسطين لتكون أداة تخريب وفرقة بيننا؟ اقرأوا مقولات الصهاينة عنكم وعمّا وضعوه لكم مِنْ خطط لتدميركم، أليس الأجدر بكم أن تعيدوا حساباتكم وتفهموا معاني هذه البلاغات من القمم الثلاث وتتوبوا عن غيّكم.

الطرف الثالث الذي يجب أنْ يُطرح عليهم ذلك السؤال، هم تلكم الأبواق المأجورة المشكّكة في موقف المملكة العربية السعودية الثابت من قضيتنا المصيرية قضية فلسطين، هذا الموقف الذي لم يتغير منذ تأسيس المملكة على يد الملك عبدالعزيز طيَّب الله ثراه، وبقي ولا يزال موقفَ أبنائه الملوك مِنْ بعده، وعلى النهج نفسه يسير الملك سلمان.

إسرائيل كيان غاصب سرق الأرض وقتل وشرّد أهلها، لذا فالمملكة حكومةً وشعباً مع الحق الفلسطيني، ومع تأسيس الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف، وهو موقف لم يتغير ولم يتبدل، كما أن المملكة مستمرة في تقديم دعمها المالي وبنفس راضية وفي وقته، ولم تفتح مكاتب تجارية أو تجري اتصالاً رسمياً مع العدو الإسرائيلي كما قامت بذلك دولٌ تدّعي أنها نصيرة الفلسطينيين.

بلاغات هذه «القمم» التي رأسها نصير فلسطين والفلسطينيين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، انتصرت للحقّ الفلسطيني، وجاءت لتقول لتلك الأبواق المأجورة: المملكة مع الحق العربي والعدل لإخواننا شعب فلسطين، ولا تحيد عن ذلك قيد أنملة.