شرّ (البلدية) ما يُضحك!

زياد الدريس |

في الأول من شباط (فبراير) ٢٠٠٧ أعلنت فرنسا حظر التدخين في الأماكن العامة، وقد سبقتها أو لحقتها الدول الأوروبية الأخرى في تطبيق القرار، بحيث أصبح من النادر أن تشم رائحة التبغ لأيام وأسابيع وأشهر طويلة ما لم تخرج من حدود أوروبا!

ظننت بأن الفرنسيين لن يتمكنوا من الاستجابة للقرار، فهم شعب كثير التدخين، لكن المفاجأة كانت في خلوّ المطاعم والمقاهي تماماً من رائحة الدخان يوم ١ فبراير، وهي التي كانت تعج بالأدخنة يوم ٣١ كانون الثاني (يناير)!

قالت وزيرة الصحة الفرنسية: ''المسألة لا تتعلق بإزعاج أحد، بل بتجنب وفاة 66 ألف شخص سنويا جرّاء التدخين المباشر، وأكثر من خمسة آلاف من التدخين السلبي".


ظننت، مرة أخرى، أن بلدية باريس ولندن وروما وجنيف وعواصم أوروبية أخرى، ستتحايل على القرار بعد سنوات من تطبيقه، وتلتفّ عليه لأسباب اقتصادية/سياحية بسبب التضييق على زوار تلك المدن الاستقطابية، لكن الذي حدث أن أعلنت بلدية باريس الأسبوع الماضي عن قرار توسيع حظر التدخين ليشمل 52 حديقة عامة في العاصمة الفرنسية. ما يعني إصرار عاصمة التنوير على تقليص حريات المدخنين!

من الإنصاف أن أقول أن بلدية مدينة الرياض كانت من أوائل من سعى إلى تنقية هواء المدينة من الدخان، جزئياً، إذ أصدرت منذ عقود قرار (نبذ) الشيشة والمشيّشين إلى خارج المدينة.

ما الذي يحدث الآن؟! هل سيتم التراجع عن ذلك القرار الحضاري السبّاق وتعود الشيشة، ليس إلى المقاهي فقط بل وإلى المطاعم، أي تعود إلى حالٍ أقوى من ذي قبل.

لا شك عندي أن متخذ القرار رأى جوانب إيجابية له لم يرها آخرون، وأنه ليس أقل حرصاً منا على سلامة المجتمع صحياً واجتماعياً.

أما عن الخبر المضحك الذي شاع (إن صدق) بشأن "عزم وزارة البلدية تحصيل رسوم بنسبة 100 في المئة من فاتورة مبيعات المطاعم والمقاهي المُقدمة للشيشة وتخصيصها لدعم جهود وزارة الصحة في مكافحة التدخين" فسنسأل إن كانت هذه الرسوم قد حُسبت لتغطية تكاليف المدخن فقط، أم أيضاً تكاليف علاج الزبائن غير المدخنين في الطاولة المجاورة؟

تعلن ‏منظمة الصحة العالمية أنه قد تراكمت لديها أدلة أن ضرر السجائر والشيشة على المدخن السلبي لا يقل كثيراً عن الضرر على المدخن نفسه.

لن أدخل في جدل أيهما أشد ضرراً: السجائر أم الشيشة، فالعالم المتحضر الآن لا يتجه لمكافحة الأقل ضرراً، بل لمكافحة آفة التدخين بأنواعها، ولا شيء يمنعنا من الانضمام لموقف العالم المتحضر.

بلديات باريس ولندن وروما ومعظم مدن العالم تعيش (صحوة) صحية الآن، فكيف تسير مدن أخرى في التيار المعاكس لهذه الصحوة!